الأحــد الـرابع للصـيف

الأحــد الـرابع للصـيف

~~~~~~<>~~~~~~                                   2014.08.17

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< مرقس 7: 1-16 >::- ويسردُ خبرَ لوم الفريّسيين والكتبة ليسوع لأنه يسمحُ لتلاميذه خرقَ تقليدهم في الطهارة بتعقيم اليدين والمواد المشتراة من السوق حسبما فعلَ شيوخُهم الأقدمون وسَّنوا فيها قانونا فرضوه على كل اليهود. يعترضُ عليهم يسوع ويفضحُهم بأنهم منافقون ومراؤون لأنهم يتقيدون بنظام بشري وضعوه بأنفسهم بينما يُخالفون وصايا الله. يتظاهرون بقداسةِ السيرة وبعبادةِ الله. لكنهم لا يحفظون كلام الله. وتمَّسُكهم بالطهارة أصبحً نقدًا للوثنيين وآتهامهم لهم بالدنس والنجاسةِ أكثر مما هو دعوةٌ إلى القداسة كما يريدُ

الله. إنهم يمكرون إذ يخالفون شريعة الله ويتظاهرون بالقداسة حسبَ رأيهم وقناعتِهم

•       التقـالــيد

ما معنى التقليد ؟ وكيف تتـكَّون التقاليد؟. التقليد يعني أن نعمل ما سبقَ وعمله غيرنا لفترةٍ زمنية غير قصيرة، ليس لنا فيه لا رأيٌ خاص ولا قرار. يعودُ الفكرُ والقرار لأناس سبقونا بأجيال، نالوا ثقافة إنسانية معَّينة ، وعاشوا ظروفا خاصة ، وآرتاحوا عند القيام بهذا العمل أو النشاط ، فقرروا أن يُكَّرروه ، بآستمرارأو في مناسباتٍ محَّددة ، كجزءِ مُهّم من حياتهم الأجتماعية. ضمنَ لهم النشاط خيرًا ماديا أو نفسيا وملأ عليهم فراغا روحيا أو دنيويا ، أو أعطاهم أن يتغَّلبوا به على بعض شدائدهم وحاجاتهم ، أو يُطَّوروا حياتهم نحو الأفضل في

علاقاتهم الأجتماعية

كل تقليد مرتبط بجيل معَّين وزمان ومكان محَّدَدَين ، ورثَه الأبناء عن الآباء وتسلسل عِبرَ الأجيال فأصبحَ قاعـدة سلوكٍ عام وثابت ، يتكرر ولا يجوزُ إهماله ولا مُبَّررَ لمخالفته. و لكن تنسى الأجيالُ الجديدة العواملَ والظروف التي كَّونت التقليد ، ويبدأ الهدفُ يتشَّوه ، و يُفَّسَر فيُؤول حتى يفقدُ معناه ومغزاه الأصليين وتتعَّلبُ عليه معانٍ وقيَمٌ تتعارضُ أحيانا مع الهدف الأساس. كما حدثَ للمثل المذكور في الأنجيل

إنَّ غسلَ الأيدي قبل الأكل وتعقيمَ المواد المشتراة من السوق ترمي الى تحقيق النظافة و طهارة المواد من الجراثيم من أجل الصحَّة. إنها عملية وقاية مهمة وجَّيدة. لكنَّ اليهود على عهد يسوع إعتبروها شريعةً مقَّدَسة أكثر حتى من وصايا الله. لقد أمر الله بمحبة الوالدين و العناية بإعالتهم في شيخوختهم. أما اليهود فناقضوها وغضوا الطرفَ عن الوصية مقابل أن يوعد المؤمن بالتبَّرع للهيكل بما يَصرفه على إعالة والديه. بينما تمَّسكوا بشريعةٍ وضعها ” شيوخهم ” وسهروا على ألا تُخالف و حاسبوا من تجاسرَ على تحَّـديها. وأكثر من هذا. لقد أصبحَ التقليدُ

حجَّة ً لآتهام الوثنيين بالنجاسةِ والدنس ، بغَّض النظر عن سلوكهم، فآعتبروهم جرثومَة ً وجبَ تجَّنُبُها حتى لا يُصابوا بعدوى الإثم ، كما يتجَّنبون البُرصَ والمُصابين بالطاعون!. نتذكرُ أن رؤساءَ اليهود رفضوا دخول قصر بيلاطس فلا يتنَّجسوا ويُحرموا من أكل الفصح (يو18: 28)، بينما كانوا يُطالبون بقتل إنسان يعرفون أنه بريء ، لكنهم حسدوه إذ إشتهر أكثر منهم وفضحَ رياءَهم فأرادوا التخَّلصَ منه (مر15: 10). رغمَ أنَّ الله وصَّى : ” لا تقتُل “(خر20: 13)

•       التقــاليد و شريعة اللـه

توجد تقاليد أصيلة وبَّنـاءَة. مثلا تقديس يوم الرب والأحتفال بأعـياد خاصة والحج الروحي أو اليوبيل الخمسيني ، وتكرارُ ما سبَقَ وقام به الآباء وتعَّودنا عليه منذ صِغرِنا. وقد يكون أهَّمُها ” التقليد ” في فهمِ وتفسير كلام الله عبر الأجيال. لقد تحَّدثَ الله الى الأنسان بطرق شتى ومن زمن قديم جّدًا. فحتى نفهمَ اليوم ما عناه الله عبر ثقافاتٍ مختلفة ومواهب بشرية عديدة نحتاجُ الى أن نطّلع على كيفية إدراك الناس لفحوى الوحي الألهي منذ البداية حتى لا نسيءَ نحن فهمَه ، بل ندرك فحواه بصورةٍ صحيحة. فهذا تقليد جيّدٌ وبنَّاء وضروري

أما تفاليد “القدماء” كالتي نَّوه اليها الأنجيل فلا علاقة لها لا بالله ولا بالدين. تتوارثها الأجيال دون أن تخلقها ولا أن تختارَها بحريتها. وهكذا فتقاليد كثيرة تُفقِدُ الأنسان قدرته على قيادة حياتِه الخاصّة فلا خيارَ له ولا قرار. بل تفقدُ مجاميع من الأفراد شخصيتها وخصوصيتها لتصبح قطيعا لا حول لها ولا قوة تقودها الأقدار. وتُصبحُ عندئذ حياتُهم غريزية مفروضة عليهم أكثر من أن تكون عقلانية و واقعية تتفاعلُ مع ظروفِهم وحاجاتِهم أو تطلعاتِهم الخاصّة. يعيشُون حياةَ غيرهم عوضَ أن يختاروا قناعاتِهم. وقد يُمسَحُ دورهم في بناء الأنسانية

فبينما تتقدم الحياة وتتطور تُبقي التقاليدُ المرءَ متخَّلفا عن الركب الأنساني ، ويبقى الأنسان عبدًا لذاتِه. بينما تنفتحُ الحياة على أنواع الشعوب والحضارات تغلقُ التقاليدُ الباب على الأنسان وتجعله سجينا لأوهامِه. وكلَّما إنغلقَ الأنسان على ذاتِه وصَّد عن نفسِه انوار الوحي الألهي مصدر كل حياة ، كلما إزداد ظلامه وجهلُه ، وتضاعفَ خطر سقوطِه في فخاخ ابليس وأعوانِه. هذا الذي رَصَدهُ الله لدى شعبِه المختار فلامه ولم يترَّدد أن يَرفُضَ عبادَته :” هذا الشعب يُكرمني بشفتيه ، أما قلبه فبعيدٌ مني”. وهذا ما عناه يسوع :” إنكم تُهملون وصية

الله ، و تتمسَّكون بسُّــنةِ البشر “

•       وتقـاليــدنا  نحـن  ؟

لا أسهلَ من أن نرميَ الحجر على غيرنا. وكم تقليدٍ لنا لا يتفق مع وصايا الله؟. العين بالعين والسن بالسن ، ويسوع قال : ” لا تقاوموا الشرير” (متى5: 38)، ولا ” تجزوا أحدًا شَّرا بشر”، بل “.. كن بالخيرِ للشَّر قاهرًا “(رم12: 17-21). الثأر والأنتقام ، والرب قال : ” أحّبوا أعداءَكم .. وإغفِروا حتى يُغفَرَ لكم “(متى18: 35؛ لو6: 37)). القتل للدفاع عن النفس، والرب قال :” لا تقتل ” ؛ ويسوع قال لبطرس الذي دافع عنه بالسيف:” إغمِد سيفكَ. من يأخذ بالسيف، بالسيف يَهلك “(متى26: 52). الدعوة الى التسلح والعنف ، والرب قال : ” طوبى للساعين الى السلام ، فإنهم أبناء الله يُدعون ” (متى5: 9)

التكالبُ على الإغتناء وتكديس الثروات ، ويسوع قال :” لا تقدروا أن تعبدوا الله والمال”(متى6: 24)، لأنَّ ” حُّبَ المال أصلُ كل شر ” (1طيم6: 10)

وحَّدِث عن تقاليدنا التي باتت تُدعى” تراثنا ” ولا حرج. فتراثنا اللغوي، وعاداتنا العشائرية، وآحتفالاتنا الأجتماعية من زواج وعزاء، وغيرها ورثناها من بيئتنا أوجيرِتنا غير المسيحية ،وقد أدخلنا بعضها حتى الى طقوسَنا وهي غريبة عن إيماننا ومعارضة لدعوتنا المسيحية ، ولرسالتنا أن نكون ” نورالعالم ، وملح الأرض ” والخميرة التي تحول العجينة الأنسانية الخبزٍ الهـي. نحن أيضا نتحَّدث بما فعله آباؤُنا ، كيف صَّلوا وكيفَ إستشهدوا. ولا زلنا نفتخر بلغتنا التي تكلم بها المسيح ، وبأراضينا التي قدَّسها بجولاتِه ، ولكن كم تبعنا خطاهُ لنوصلَ

إنجيله الى الآخرين؟ وكم تكلمنا لغَّـة َ الله ، لغة المحبة والرحمة ، لغة الغفران واللطف و أدخلنا السرور الى قلب حزين أو متألم أو منبـوذ؟

أتساءَلُ : أ  لم يحِـنْ الوقتُ لنفَّكرَ ونُسَّـلطَ ضوءَ إيماننا على سيرتنا وتصَّرفاتِنا ؟. أ لم يحن الوقتُ لنتصرفَ بفكرنا وإرادتنا ولا ننقادَ للتيار العام؟. أ  لم يحن الوقتُ لننظرَ الى واجباتنا قبل المطالبة بحقوقنا؟ أ  لم يحن الوقتُ لنقطعَ جذورَنا التي تشُّدنا الى الأرض لنتحَّلق في فضاء الروح ونعطي ثمارًا تليق بالتوبة وتؤَّهلُنا للحياة الأبدية في ملكوت السماء؟. هاجت قوى الشر ضدنا وتكالبَ علينا أعداءُ المسيح ، أعداءُ الحق والعدالة ، فهل نتضافرُ ونستأسدُ ضد الشر ونحتمي بالصليب ونحمله ليقودنا الى جبل الحــياة ؟. متى نكون شهودًا

ليسوع ؟. لقد رُفعَت الفأس على أصول الشجر. وكل شجرة لا تثمر تقطع (لو3: 9؛ 13: 9)!. إنه زمان عسير. وعلى المؤمن أن يعرف قراءة آيات الأزمنة (متى16: 3). ويدعونا الرب الى حفظ شريعةِ محَّبتِه الأزلية قبل التمسك بالتقاليد البشرية البالية

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO