الأحــد الثالث للصـيف

الأحــد الثالث للصـيف

~~~~~~<>~~~~~~                                                2014.08.10

يُتلى علينا اليوم انجيلُ -::< يوحنا 9: 1-38 >::- ويقُّصُ علينا خبرَ شفاءِ الأعمى منذ مولدهِ. يبدأُ بقلب الفكر السائد وهو أن كلَّ مرض أو مصيبة قصاصٌ لخطيئة الفرد المُصاب ، أو للمسؤول عنه. ثم كشفَ الوجه الحقيقي للمجتمع. هناك أهلُ آلأعمى الذين يتنصَّلون من مسؤولية الأعتراف بيسوع أنه رجلُ الله فنكروا معرفتهم أنه هو الذي شفاه. وهناك الجيران ، ويمثلون مجموع الشعب ، وهم يتنصلون عن معرفتهم للأعمى ثم يقودونه الى الفريسيين ليُخبروا عن الحدث وكأنهم لا يعرفون يسوع ، فيتظاهرون بالإهتمام بالأعمى وبالطاعةِ في نفس الوقت للرؤساء الذين منعوا الأعتراف

بيسوع كنبي. وأخيرا هناك الفريسيون الذي يسعون كلَّ جهدهم إقناع الشعب بأنَّ يسوع ليس المسيح المنتظر،لأنه لا يسلك حسب تقليدهم ، فيقاومونه عن وعي وقصد وبضراوة. ولكن أهَّمَ من ذلك كله هو موقفُ يسوع نفسِه. وقد إختصره الأنجيلي بعبارتين وضع إحداها في بداية الحديث كمقدمةٍ ، والثانية في نهايتِه كنتيجة

•       أنـا نـورُ العـالم

كانت العبارة الأولى ” أنا نور العالم “. وقد أطلقها يسوع يُقارعُ بها الجهل الذي يبديه قادة الشعب الروحيين. وبينما أظهرت الفئات المحتلفة من الناس أنَّ كلَّ واحدة منها تلتوي مع منفعتها الخاصة وتعلن جهلها أوعدم أهليتها للأعترافِ بالحقيقة وآتبّاعها ، نرى يسوع واعيا عن رسالتِه ، وهي الشهادة للحق (يو18: 37)، ومتمسكًا بها شاهدًا للاهوتِه بأعمال الرحمة والرأفة الخارقة ، ولو على حساب حياتِه (يو19: 10-11). ويكشفُ أن الرعاة السابقين له يعيشون في ظلام ولآ أمل فيهم لخلاص البشرية. إنهم ليل وظلمة لا خير يُرتجى منهم. هو وحدَه يرعى الأنسانية برأفة ومحبة

، ويبذلُ نفسه من أجلها ويقودها في الحَّق. أما القادة الذين سبقوه  فلم يكونوا سوى “لُصوصٍ سارقين “(يو10: 8) لم يعرفوا الله (يو7: 38؛ 8: 19)، ولا إفتهموا كتبه وقدرته (متى22: 29)، ولا تبعوا شريعته (مر7: 8-9؛ يو7: 19)

•       جئتُ لأمضـاءِ الحُكم

وكانت العبارة الثانية ، وهي خاتمة الخبر، أنَّ يسوع قد أتى ليُغَّيرَ الوضعَ الأنساني ويُبَّدلَ المقاييس البشرية ومبادِئها، فقال:” أتيتُ لأمضاءِ الحكم: ليُبصرَ العُميان ويعمى المُبصرون” . لقد حكمَ أنَّ المواقفَ التي تحَّدثنا عنها خاطئة ، تستندُ الى أسس مغلوطة ، ينقصُها الألتزامُ بالحَّق. لذا نعتَ أصحابها والمتقَّيدين بها بـ ” فرّيسيين مرائين وقادةٌ عُميان ” (متى23: 15-16). يدّعون أنهم قدّيسون  يَعرفون الحَّق ، لكنهم جهلة مساكين يجهلون ولا يدرون أنهم يجهلون ، والخطيئة قد أعمت بصيرتهم حتى إحتكروا العلمَ الألهي ، وصدُّوا بابَ الحياة في

وجه البشرية ، ” قد إستوليتم على مفتاح المعرفة ! فلا أنتم تدخلون ولا الذين أرادوا الدخولَ تركتموهم يدخلون “(لو11: 52). وهكذا لا آمنوا هم بيسوع أنه المسيح ولا سمحوا لغيرهم أن يؤمنوا به، لأنَّ ” اليهودَ إتفقوا على أن يطردوا من المجمع من يعترفُ بأنه هو المسيح ” (آية 22 ، و34). وقد جنت البراقشُ على نفسها ، فتخَّلى الله عنهم كشعبه المختار:” كم مرَّةٍ أردتُ أن أجمع بنيكِ.. لم تريدوا. إنَّ بيتكم سيُتركُ لكم خرابًا” (متى23: 37-38)

•       حَّـتامَ تُدخِلُ الريبةَ في نفوسِنا  ؟

لم تكن خطيئة القادة الروحيين جهلَ الحقيقة ، ولا حتى تصَّرُفهم كرعاةٍ أجُراء. بل خطيئتهم كانت أنه جاءَهم النور لكنهم فضَّلوا البقاء في الظلام ،” الدينونة هي : أنَّ النورَ جاءَ الى العالم فآستحَّبَ الناسُ الظلام على النور. لأنَّ أعمالَهم كانت سَّيئة ” (يو3: 19). لقد شَّكوا في أن يكون يسوع هوالمسيح المنتظر، وآحتاروا فآستصرخوه  أن يقولَ لهم ذلك “حرفيًا ” (يو10: 24). ولكنهم رفضوا الأعترافَ به لأنه كشفَ زيفَهم وطالبَهم بأن يُغَّيروا سلوكهم فيلتزموا بشريعة الله و وصاياه. لكنهم أبوا ذلك لأنهم إستصعبوا مطلبَه :” هذا كلامٌ صعبٌ من يُطيقُ سماعَه “

(يو6: 60). كانوا متمسّكين بمال الدنيا فرفضوا التنازل عنه وتبَّني سلوكَه (متى19: 22). كانوا متلهفين على الجاه فرفضوا أن يتبعوا غيرَهم ،بل ورفضوا أن يتبعَ حتى الشعبُ غيرَهم، ولو كان اللهَ نفسَه (يو11: 47؛ 12: 19). أعمت الغيرةُ بصَرَهم، وغَّوشَت الكبرياء ذهنهم ، فلم يروا غير أنفسهم ولم يسمعوا غير نغمتِهم. تقوقعوا على ذاتهم وآرائهم فرفضوا الخروجَ الى نورالله والإصغاءَ اليه. ولمَّا سمعوه، وبقدرما سمعوه، رفضوا  التقَّيدَ بكلامه والألتزامَ بشريعتِه

•       ” وكُتِبَ تنبيـهًا  لنا ”  !   (1كور10: 11)

ذكرَ يوحنا ما ذكرولم يكن في نيته لا أن يدين اليهود ولا أنْ يمدحَ الأعمى الذي آمن وتحمَّلَ نتائج إيمانِه فتقبَّلَ طردَه من المجمع. بل كما قال ماربولس في رسائل عديدة أنَّ ما حدَثَ في الماضي لبني إسرائيل كان مثلا لنا يُحَّذرُنا، أي يُخبرنا بأنه يحدثُ لنا مثلهم فنخالف وصايا اللـه ، ونركبُ أهواءَنا وأفكارَنا ، وننجَّرُ بعيدا عن الحَّق ، ولا نلتزمُ بما نعلنه عن إيماننا. و لكن إذا تعَّلمنا الدرس وآلتزمنا بما يُطالبُ به إيماننا نكون عندئذ محظوظين وأصحابَ رجاء

وعزاء (رم15: 4). وهكذا سرَدَ لنا يوحنا مواقفَ عديدة ، لمختلف فئات الناس، كلها بعيدة عن الألتزام بمتطلبات الأيمان الحَّق. ودعانا بذلك الى الأقتداء بالموقف الواحد الصحيح ، موقف الأعمى ، الذي آمن بأنَّ يسوع ” رجلُ الله ” و ” نبي “. مع أنه لم يسبق له أن إلتقى بيسوع. ربما سمع به فقط. لكنه أمام المعجزة التي جرت له أدرَكَ أنه عليه أن يُقلعَ عن عادة التسَّول ويُغيرَ سلوكه وآلتزمَ بتمجيد يسوع وآتباعه (مر10: 52؛ لو18: 43)

•       نحن ملكُ اللـه

لقد إشترى يسوع البشرية من عدوها ودفع عنها الثمن (1كور6: 20؛ 7: 23)، ثمن الطاعة لله حتى الدم (في2: 8) إذ لا توجد ” مغفرة بدون إراقةِ دم “(عب9: 22). وما دمنا ملكَ الله فعلينا أن نلتزمَ به حتى ، كما قال الرسول، ” نحيا ونموت له” (رم14: 8). علينا أن نقبلَ تحَّديَ الشّرير! علينا أن نتغَّلبَ على رغائب الجسد! علينا أن نتفوَّقَ على أخلاقِ أهل العالم ! ولا يليقُ بنا أن نتصَّرفَ ” كسائر الناس الذين لا رجاءَ لهم” (1تس4: 13). أما ونحن نؤمن بالمسيح و نتبعهُ ، فمطلوبٌ منا أن نتحَّملَ تبعية أيماننا ونشهدَ له بسلوكنا. مطلوبٌ أن نلتزمَ في واقع سيرتنا بما قبلناه من يسوع. لقد

التزم يسوع بالحَّق ، فطالبنا أن نلتزمَ نحن أيضا بالحَّق، ولا نلتويَ مع المصالح الدنيوية الزمنية

يضطهدوننا من أجل الحق وبسبب شهادتنا ليسوع لا لأننا أشرار بل ” لأنَّ أعمالهم سَّيئة “!. وإذا كان إضطهاد المسيحي وصمةَ عارٍ في جبين من يضطهِد ، فهو فخرٌ وآعتزاز للمسيحي.  ولذا قال الرب بأنَّ ذلك مدعاة فرح وبهجة (متى5: 12). وفسَّرَه ماربطرس بأنه مشاركة في آلام المسيح (1بط4: 13) ، فلا يخجل به المسيحي بل يفتخر(1بط2: 19). لأنه كما قال مار بولس ” نكمل في أجسادنا ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة “(كو1: 24). تنَّصلَ الفّريسيون عن روحِ الشريعة وقدَّموا مائة حجَّةٍ وألفَ مُبَّرر. وقد لا نكون أقَّلَ حيلة ً ودهاءًا لأيجاد أقوى المبررات بغية

عدم الألتزام بمتطلباتِ إيماننا. لكن الله لا ينخدعُ بحججنا الواهية. لقد علمنا وطالبَنا بأن نلتزم مباديءَ إيماننا. إلتزم يسوعُ بما أرسلَ من أجله (آية 4). علينا أن نلتزمَ بما يطلبه منا لأننا آمنا به

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO