الأحــد الثـاني للصــيف

الأحــد الثـاني للصــيف

~~~~~~<>~~~~~~                                                  2014.08.03

يُتلى علينا اليـوم إنجـيل -::< لوقا 15: 4-32 >::- ويقُصُّ علينا أمثلة الخروف الضال والدرهم المفقود والأبن الضال. وفي كلها شَّدد الأنجيل على الضياع والتيه من طرف ، ثم الوَجَدان ، و الفرح والأحتفال من طرفٍ ثان ٍ. فالفقدانُ خسارةٌ وضيقٌ وألمٌ كالموت، والآسترجاعُ ربحٌ وفرحٌ وراحة كالعودة إلى الحياة. هــذا هو حالُ الخطـيئة ثم التـوبـة

•       الخطيئة ضياعٌ وخسارة

ما فعله الخروف الضال كان خروجًا عن المألوف والمعروف ومغامرة الدخول في مجهولِ مقلق ومخيف. وبآبتعادِه عن مسلك القطيع العام وضعَ نفسه في مأزقٍ وخطر. إنه خطر الأنفراد والعزلة. لا فقط هو يجهلُ الطريقَ الذي إختارَه بل ويخسرُ أمانًا وحماية كان القطيعُ يوَّفرها له. إذ يسهل لعدو كاسر أن يهاجمه ويفترسه. فهو بلا حماية ولا عون يستندُ إليه. إنه يواجهُ المخاطر وحيدًا، بعيدا عن كل أمل بأن يستغيثَ بأحد فيُستجاب لهُ. لقد خسرَ الأمان و الدفاع اللذين كان القطيعُ يضمنهما له. إنها خسارة في الوضع وخطرٌ في المصير.

هكذا بالنسبة الى الخطيئة فهي خروجٌ عن حقل الحياة بإضاعة درب الحَّق، الواضح المعالم، وآتخاذ مسلكٍ خطير لا تحمدُ عقباهُ. بالخطيئة يخسرُ المؤمن حماية الراعي الألهي ويُعَّرضُ نفسه لهجوم عدو الحق عليه. كما يخسرُ الخاطيءُ ضمان إستقامةِ الفكرِوالتصَّرف الجماعي الذي كانت الكنيسة توفره له. بما يعني أن آتبّاع السلوك المسيحي العام آمنُ من التفَّردِ برأي خاص. كما قال المثلُ : الحشرُ مع الناس عيدُ

•       الـراعي وآهتمامه

وهنا يبرُزُ دورُ الراعي الألهي لقطيع المؤمنين. إنه لا يتنازلُ ولو عن خروف واحد حتى لو مارد أو جاهل. ليس القطيعُ من إختارَ راعيَه. ولا يُعطيه أجرة مقابل خدمتِه. بل الراعي هو الذي إختارَ المؤمنين(يو15: 16)، وتطَّوعَ لخدمتهم وآشتراهم بثمن غال ٍ(1كور6: 19) ، و كوَّن منهم قطيعا يرعاهُ بمحَّبةٍ عظيمة (يو13: 1)، ويرافقهم بقوة ليدرأ عنهم خطر الذئاب البشرية. إنما يفعلُ ذلك حسبَ حكمتِه وخُطَّتِه الأزلية وليس حسبَ توَّقعات البشر ورغباتِهم. هذا هو الله راعي البشرية. إنه لا فقط لا يُحاسبُ الخاطئين ، لا فقط لا يُعاقبُ المذنبين ، بل أيضا لا يُهملُ

الضائعين والمشَّردين في دروب الفساد والضلال. إنه يتابع حياة كل فرد من أبنائه. والذين يتيهون يوليهم إهتماما خاصا فيبحثُ عنهم بحنانه ليُعيدهم الى حظيرة الأيمان فيسلكوا طريق الخلاص. لا يعرف الله قساوة البشر في محاسبة الأشرار، ولا يتعامل معهم كسَّيد يدينُ ويقاصص. بل يعالجُهم مثل مرضًى ويداويهم برحمةٍ ومحبة ليشفيهم من سقمهم و يُعيد اليهم الأمان. إنه يريدُ دوما رحمَـة ً لا ذبيحة ، لأنه جاءَ طبيبًا يُعالج الخاطئين (متى 9: 12-13)

•       التـوبة ربـحٌ وآقـتــناء

إذا كان تيه الخروف والأبن الضالين رمزًا للخطيئة فعودتهما ليست سوى رمزٍ لنـدمهما و توبتهما. لقد وصفَ يسوع ضيقَ الأبن الضال وألمه لِما بلغت اليه حاله وهو ينزهـقُ تحت وزر الخطيئة. كما وصفَ ضيقَ الراعي وآهتمامه الشديد بإغاثة خروفه الضال وإنقاذه من ورطتِه قبل أن تفترسه الذئاب. و في كلتا الحالتين ينجو التائب ويطمأن الراعي. نعم يبتهجُ الراعي الألهي ويحتفلُ بفرحه ، ويطمأِنُ التائبُ لأنه نجا من ورطتِه وبدأ من جديد يتـمـتعُ بالأمن والراحة لأنه في كنفِ راعٍ يُحّبُه ويرعاهُ. بالتـوبة إستعادَ الأبنُ الضال مقامه الذي أفقدته إياه الخطيئة

وقد عفا أبوه الله عن دينـِه ولمْ يُعاقبه على سوءِ فعله. كفاه ما تحَّمله من ضيق وآنكسار وخذلان وجـوع. وما يشفعُ له أنه تنَّدمَ وقرَّر أن يُصلحَ ما كسرَه ، ولاسيما أن يتحمَّلَ تبعيات تصَّرفه. لقد دمعت روحه فغسله الله بتلك الدموع

•       إغسلني يا رب بدموع توبتي

وهذا ما قالته الصلاة الطقسية لعشية الجمعة معلنة بذلك شعارَ هذا السابوع الطقسي ، أى الصيف ، الذي يدعو الناس ، وتلاميذ المسيح بنوع خاص ، الى التوبة عن كل الجرائم و الآثام التي بها شَّوهوا صورة المسيح وحَّرفوا التعليم الألهي. وقبل الدعوة الى التوبة ، ذكَّر الطقسُ أننا نحن المسيحيين ” مصابيح نور الحقيقة للخليقة ، لنُضيئَ طريق الحياة للجالسين في ظلام الشر”. ولكننا قد زغنا عن الحق والبر فأعلنَ ” أنه حان الزمن لنتوبَ عن إثمنا و نتحَّسرَ على كثرة سيَّئاتِنا. لأنَّ خطايانا آنتفضت علينا لتُهلِكَنا، والعدالة تلمعُ كالسيفِ وتهَّددنا

لتبيدَنا من أرض الأحياء .. بالحروب والأحداثِ المؤلمة. لنتوَّجه كلنا إذن الى التوبة ، لنحيا بأمان و راحة ونجدَ الرحمةَ يوم الدين “(حوذرا 3 – ص180). ورفعت الكنيسةُ ، بعدَ هذا النداء ، صلاة يتلوها كلُ مؤمن ويطبقُ مطلبَها في حياتِه. قالت :” يا رب ! إغسِلْني بدموع توبتي. وأعطِني ، بنعمتِكَ ورحمتِك ، غفران الذنوب. و يا مخَّـلصي الغزير الرحمة آمحُ ، بندامتي ، سيَّئاتي. يا رَّبَنا إرحَمْـنا “(حوذرا3 – ص 181). وأعقبتها الكنيسة بصلوات أخرى عديدة منها : ” نَّجِـني ، أنتَ مخَّلصَنا ، من الشّريرِ وجيوشِه. الذي يُحاربني ويعيقُني بشراك مصائده.

لتُنجِدْني يا رب قـوَّتُكَ ، وتُقَّـطِعْ قيودَه عني ، فتُعيدَني الى حظيرتِك ” (حوذرا3 – ص191).

توَّجهُ الكنيسة هذا النداء للتوبة الى جميع أبنائها اليوم أكثر من الأمس. ولا نحتاجُ الى تفسير وتعليق. أيامنا تشهد على كل ذلك. إنَّ سبب كل الشرور والويلات و المآسي ، وما يقاسيه الناس من ضيق وألم وتنكيل وتشريد وسلب وقتل.. والأرهاب في كل أشكاله، سببها خطايانا نحن البشر، وفي مقدمتهم نحن المسيحيين الذين لم نعرف أن نصون نقاوة إيماننا ، ولا إستعملنا سلاح محبتنا وشهادتنا للمسيح حتى نغَّيرَ وجه العالم. لقد تبعنا العالم وها هوذا العالم يتابعنا في كل بقعةٍ ليستهزيءَ منا ويُسقينا كأس المرارة والألم. لنصغِ الى صوتِ الكنيسة. ولنُبَّطلَ أن نفكر

مثل أهل العالم ونقتدي بسلوكهم ونبحثُ عن أمجادٍ أو حقوقٍ دنيوية فارغة من المسيح. لا ننسى أنَّ دماءَ الشهداءُ بذرٌ للحياة. لنشهد إذن  للمسيح حاملين صلبان الحق ورافعين شعار المحبة والغفران ، والرب كفيلٌ أن يمسحَ كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عيوننا (رؤ7: 17)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO