الأحــد الأول للصـيف

الأحــد الأول  للصـيف

2014.07.27

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 14: 1-14 >::- ويتحَّدثُ عن دعوة فرّيسي ليسوع ، يوم السبت ، لتناول الطعام عنده ، بوجود مريض بداءِ الإستسقاء وجملة من فريسيين وعلماء الشريعة وهم يراقبونه ليروا ماذا يكونُ ردُّ فعلهِ. يبادرهم يسوع بالسؤال ” هل يجوز فعل الشفاء يوم السبت ” ؟. ولما لم يرد عليه أحد شفى يسوع ذاك المريض ، وآستنكرَ عليهم موقفَهم ، لأنهم مراؤون إذ ينتشلون حيواناتهم أو أولادهم ، يوم السبت ، من خطر الموت ويرفضون ليسوع أن ينتشلَ المرضى من خطر الموت.   ثم يتابعُ لوقا الحديث عن دعوةِ يسوع الضيوفَ الى التواضع وعدم البحث عن أقرب المقاعد من

صاحب الدعوة في الولائم ،ودعوتِه لصاحب الوليمة الى الأهتمام بالمحتاجين والصرفِ عليهم أكثر من إطعام أصدقاء وأقرباءَ وأغنياءَ و ذوي مناصب

•       بين الفريسيين والسبت

تحَّدَثَ لوقا في 6: 6-11 ،عن حالةٍ مشابهة بسؤال ورد فعل مكررين، حدثت في الهيكل ، وأشارَ فيها الى سوءِ نيةِ الفريسيين في نصبٍ كمين لإيقاع يسوع،وغضبهم من فعله والبحث عن كيفية التخلص من.

الفريسيون مراؤون ومنافقون ، يرفضون للغير ما يحللونه لأنفسهم ، ويتظاهرون بالتقوى دون أن يعرفوا الطريقَ اليها ، ولا يتحَّملون أن تنسحبَ الأضواءُ عنهم لتتسَّلطَ على يسوع فيكون محَّطَ الأنظار والحديث أكثر منهم ” لأنَّ كثيرا من اليهود كانوا ينصرفون عنهم و يؤمنون بيسوع”(يو12: 11-19؛ 11: 48). ويتهمونه بأنه ضد وصية الله ولا يحفظ السبت و يقولون ” ليس هذا الرجل من الله لأنه لا يرعى السبت ” (يو9: 16) ، و يبررون بذلك موقفهم في عدم الأعترافِ به مسيحَ الرب. لقد فسَّروا شريعة السبتِ على هواهم : لا يجوز السير أكثر من مسافةِ رمية حجر(يو5: 10)؛ ولا يجوز جبل الطين

لعمل ما (يو9: 11)؛ ولا قلع السنابل وفركها وأكلها (متى12: 2)؛ ولا حتى طلب العلاج والأستشفاء ” لكم ستة أيام يجبُ العمل فيها، فتعالوا وآستشفوا خلالها لا يومَ السبت” (لو13: 14)

وسندُهم القانوني هو وصية الله :” اليوم السابع سبتٌ للرب الهك. لا تقُم فيه بعمل ما، أنت و آبنك وآبنتك وعبدك وجاريتك وبهيمتك ونزيلك .. باركَ الربُ يومَ السبت وكرَّسهُ له ” (خر 20: 9-11). توقفَ اليهودُ هنا ولم يُولوا آهتماما بما تهدفُ اليه ، وهو” .. وفي اليوم السابع تستريح ، ليستريحَ ثورك وحمارُك ، ويتنَّفسُ الصُعَداءَ عبدُك والغريبُ الذي يعملُ عندَكَ ” (خر23: 12)

•       لم يدركَ اليهودُ الوصية  ؟

كانت الوصية صريحة : بعد كلِّ ستة أيام عمل ، لتوفير قوت الحياة ومستلزمات المعيشة للحياة الزمنية، تكريسُ يوم للراحة. ولن يرتاح الأنسان الا إذا عاش وحدة الحياة مع الله من الآن ، بسماع كلامه ومحَّبته من كل القلب. اللـه وحده يضمن راحة الأنسان في الحياة كانت  زمنية أو أبدية. ويريدُ الله أن يتذوَّقَ الأنسان طعمَ الراحة ، بالإنقطاع عن العمل النفعي و بإعطاءِ حق الراحة لمن يتعاملون معه. يريد الله أن يتحَّرر الأنسان من قيود شهوة الأقتناء ، ويرتفع عن حاجات الجسد والحياة الزمنية الى حاجات الروح والحياة الأبدية. فلا يستعبده الطمع ، ولا تكبلُه

الأنانية. بل يبقى روحا وفكرا منفتحا على الآخرين ، ولاسيما على الله. و هذا هو معنى ” السبت “. فالسبتُ ليس إسما لليوم السابع بل صفة ً له تعني ” الراحة “. و الراحة ليست فقط في عدم حركة أوعمل عضلي، بل هي في إحساس الضمير،الفكروالقلب. وهذا الأحساس توفره محبة الآخر والإهتمام بإرضائ

لم تكن راحة الله جسدية لآنه لا جسد له إذ هو روح محض. راحته كانت في فرحه وآنتعاشه لجمال الخليقة التي خرجت من يده ، ولحُسنها. راحته كانت في كمال الكون الذي أبدَعه.     إرتاح لأنَّ ما كان خارجا عنه ويتفاعلُ معه لا ينقصه شيء. إذن تنبثق الراحة عن الشعور الذي يُوَّفره لك الآخر بأنَّهُ راض ٍ عنك ،لا يُحاسبُك على شيء ، لا يُطالبك بشيء ،لا يلومك على شيء ؛ بل يفرحُ بكَ لأنك تقَّدرُه ،ويحترمك لأنك تُحّبُه ويفتخرُ بك لأنك لا تظلمُه ولا تغُّضُ الطَرْفَ عنه ، بل تُداري منفعته مثل منفعتك. إنك تكبحُ شهوتَك في الأقتناء وتتنازل  عن أرباح مادية لتربحَ

أخاكَ الأنسان بتضحية منك ، فلا تقلقه بمنافسةٍ أو إحتكار خير. ولا تفعلُ هذا ولا تقوى عليه إلا بقـوةِ الله الذي تؤمن به وتحبُه وتُخصصُ له يوما من كلَّ أسبوع ، لتجتمع إليه وتسمع كلامه وترفع اليه عواطفكَ وحاجاتِك. هذا هو السبت الذي لم يكـتشف الأنسان ، حتى يومنا ، عمقَ أبعادِه الروحية والأنسانية. هذا هو السبت ، و يجوز فعلُ الخير فيه لإراحةِ الأنسان في كل زمان و مكان.

•       السبت والأحــد  !

روى لوقا هذا الفصلَ والسبتُ قد دخلَ خبر كان. لأنَّ الرسل قد حَّولوا يوم راحةِ الرب الى الأحد ، الذي فيه إرتاحَ المسيح ، يوم قيامتِه، بإتمام الخليقة الجديدة. وبراحتِه أراحَ البشرية جمعاء إذ رفعَ عنها وزرَ الخطيئة الأصلية ، وجَّددها بالنعمة إذ نفخَ فيها روحا إلهـيا جديدا (يو20: 22). و آحتفلوا بيوم الرب في الأحد حيث كانوا يجتمعون لتقوية الأيمان بمتابعة التعليم ، ولعيش المحبة بمقاسمة الخيرات ، ولتمديد الخلاص بتجديد ذبيحة الصلب والقيامة ،وللثبات في رجاء الحياة بالسهر والصلاة (أع2: 42: 20: 7؛ 1كور16: 2). كّرسوا الأحد فعلا لله و لراحة الأنسان

الآخر، بمتابعة عمل الله عن محَّبة وغيرة وأداء الشهادة للمسيح بإشعاع نور حياتِه في الكون

ويطرح السؤال هنا نفسَه : هل يتقَّيدُ المسيحيون براحةِ الأحد ؟. نعرفُ أنَّ اليهود لم يحفظوا السبت دوما ، بل خالفوا شريعتها على مَّر التأريخ الى أن حوَّروها على مزاجهم. فهذا إرميا يتشكى من ذلك (17: 21-23)، وذاك نحميا يسرد مآسي المخالفات :” قوم يدوسون العنب في المعاصر يوم السبت!. وقومٌ يجيئون بأكداس القمح يُحَّملونها على الحمير!، وبخمر أيضا وعنب وتين. وآخرون يبيعون ويشترون .. فخاصمتُ ولاة الأمر في يهوذا وقلت لهم : ما هذا الشر الذي تفعلونه وتدَّنسون يوم السبت؟ أ ما فعل آباؤكم هكذا فجلبَ الهُنا كلَّ هذا الشر علينا..”؟(نح 13: 15-21). و هكذا فعلوا حتى

في أيام يسوع :” فأجابه الرب: يا مراؤون!. أما يحُّلُ كلُ واحدٍ منكم يومَ السبت ثورَه أو حمارَه ويذهبُ به .. فيسقيه “؟ (لو13: 15)، أو إذا وقع إبنه أو خروفه في بئرٍ يوم السبت أفلا ينتشله منها حالا “؟ (لو14: 5؛ متى12: 11) . ومخالفة أخرى كانت تجري رسميا وحسب الشريعة ، دون حرج ولا ذنب ولا إعتراض ، ألا وهي : تقديم الكهنة الذبائح والقرابين يومَ السبت!(متى12: 5). هكذا غضَّ المسؤولون النظر عن هذه المخالفات وآتهموا يسوع بالزندقة بينما لم يكن هو يعملْ سوى الخير.

•       راحة الأحد والمسيحيين عبر التأريخ  !

يشهدُ التأريخ أن المسيحيين لم يكونوا دوما أفضلَ من اليهود في التقَّيد بوصية تكريس الأحد لله والتوقف عن العمل لضمان راحة ضميرالأنسان وتعَّلقه بالخيرات الأبدية. وقد كتبَ البابا القديس يوحنا بولس الثاني رسالة رسولية ، نشرها بتاريخ 31/5/1998، سمَّاها “يوم الرب ” شرحَ فيها الأبعاد الروحية والإجتماعية للأحد وراحتِه. كما أشار أيضا الى التشويه الذي يقع عليه ، لاسيما في العقود الأخيرة ، بأن يتحَّولَ الى طابع ” عطلوي ” فقط. ويقول البابا : ” لقد رسخت رسوخا واسعا ممارسة < نهاية الأسبوع> بمعنى زمن< الراحة الأسبوعية > التي يقضيها الناس أحيانا خارج

المنزل..وتتميَّز غالبا بطابع المشاركة في نشاطات ثقافية و سياسية ورياضية تتزامن عموما، وبالتحديد، مع أيام العطلة”. ورغم الجوانب الأيجابية لهذه الظاهرة إلا إنها لا تخلُ من إلغاء طابع العيد الروحي” تقديس الأحد” ، أى محو العلاقة مع الله مصدر راحة الأنسان. فنرى البابا يتابع قائلا : ” ولسوء الحظ عندما يفقد الأحد معناه الأصيل ، ويمسي مجَّردَ ” نهاية الأسبوع “، قد يتفقُ للأنسان حتى في ثياب العيد أن يمسي عاجزا عن إقامة عيد ، لأنه يبقى محصورا في أفقٍ ضَّيق يحجبُ عنه رؤية السماء “(رقم

4).

إنَّ مفهوم الأحد مثل السبت هو مفهوم ” الراحة “. وأصحابُ السبت لم يُدركوا الراحة لأنهم قسَّوا قلوبهم فأسخطوا الله وعصوه (عب3: 15-19). وقد حَّذرنا مار بولس من الوقوع في مثل ذلك العصيان وخسران ” راحةِ الله “. المسيح سمع كلام الله ونالَ راحةَ مجدِه. ونحن شركاءُ المسيح وقد وعدنا بتلك الراحة شريطة َ أن نسمع كلام الله الحي ، الذي ” بوسعهِ أنْ يحكمَ على خواطرالقلب وأفكارِه “(عب4: 12). إنَّ كلامَ الله هو الذي يقَّدسُ الراحة ويجعلها كاملة. والقداسة ليست سوى هذه العلاقة ِ الجوهرية القائمة بين الله والأنسان ، والمبنية على المحّبةِ والثقةِ المتبادَلتين

، وآتبّاع الحق الذي أجراهُ الله على يد يسوع المسيح ، والذي على الشر أيضا أنْ يتبعوهُ فيقولوا ” نعم لما هو نعم، و” لا ” لما هو لا (متى5: 37). و لا يخلطوا الحَّقَ بالباطل (2كور1: 17)، و لايقَّدسوا أفكارَهم الخّاصة وأحاسيسَهم ورغلئبَهم و يُبْطلوا سُّـنة الله و وصيَّتَه (متى15: 3)

فحتى يكون يومُ الأحدِ فعلا يومَ راحةٍ ، وجبَ على المؤمن أنْ يكون متَّحدًا بالله فكرًا وقلبًا و ذلك بالصلاةِ وبحفظِ وصاياه ، و لاسيما ” بالتوَّقفِ عن المشاغلِ المرهقة .. والأعترافِ بتبعيةِ الأنسان والكون لله ، وتقديس الأحد”(يوم الرب، رقم 14). لأنَّ كلَ شيءٍ من الله ، و أنَّ تقديسَ وم الرب من مشيئةِ الله و وصيتِه (خر20: 8). وإذا شفى فيه يسوعُ المرضى فحتى يُحَّققَ البُعدَ الحقيقي ليوم الرب بتوفير الراحةِ الأصيلة للأنسان، ألا هي تحريرُه من قيودِ الشيطان ، كما قالَ : ” هذه إبنةُ إبراهيم ، قد ربطها الشيطان منذ ثماني عشرةَ سنة ، أ فما كان يجبُ

أنْ تُحَّلَ من رباطِها يومَ السبت “؟ (لو13: 16). وهذا الشيطان لا يزالُ يُقَّيـدُ الناسَ بأنواع القيود :كالطمع في الأموال والمناصب ، والكُره ، والكبرياءِ، ولاسيما الكسل و الأهمال، ويدفعُهم الى مخالفةِ وصيةِ تقديس يوم الأحد بألفِ مُبَّررٍ ومبَّرر !!

وبقديس يوم الأحد يدعو اللهُ المؤمن ” الى أن يستريحَ لا كما إستراحَ الربُّ وحسب ، بل الى أنْ يستريحَ في الرب ، ويُعيد إليه خليقَتَه كلَّها بالتسبيح والشكرِ والألفةِ البنوية و المَّـوَدةِ الحميمة ” (يوم الرب، رقم 16 ).

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO