النفس المرحة تسعدك والكئيبة تتعسك

النفس المرحة تسعدك والكئيبة تتعسك

النفوس السعيدة هي التي تسعد غيرها

قد يجلس إنسان معك فتستريح لوجوده. وتود لو أن لقائه هذا يطول مهما مرّ الوقت. بينما يجلس إليك آخر، فتظل تعدّ الدقائق متمنيًا مرور الوقت بسرعة حتى يرحل ، ذلك لأن الشخص الأول مريح، والثاني متعب..

فإنسان يمرّ عليك، كالنسيم الهادئ أو النسيم العَطر..  وآخر يمرّ بك، وكأنه عاصفة هوجاء، ويسبب لك صداع في الرأس .!

أنواع كثيرة من الأشخاص الغير مرغوب فيهم مثلا :

أصحاب الدم الثقيل، غير المقبولين في كلامهم، ولا في تصرفاتهم ولا يستريح أحد إلى معاشرتهم ولا إلى التعامل معهم. إنهم متعبون .

– ومنهم أصحاب النفوس المتطفلة، الذين يحشرون أنفسهم فيما لا يعنيهم والذين لا يحترمون خصوصيات ألأخر، وإن اقتربوا من أحد، يريدون أن يعرفوا ليس أخباره فقط، وإنما عمق أسراره. بل ويكثرون في الأسئلة، عما يفكر وما يريد أن يفعله  وإن أحجم عن الإجابة، يتهمونه بعدم الإخلاص وعدم الحب وعدم الثقة بهم… فأنهم نفوس غير مخلصة.

– ومن النفوس غير المريحة أيضًا: القوم المتشائمون، الذين ينظرون إلى الحال الراهن وإلى المستقبل بمنظار أسود قاتم، وينشرون ما عندهم من تشاؤم في كل موضع يكونون فيه. وحيثما يسيرون يصطحبون معهم النحس والشؤم.. إنهم غير مريحين.

– ومن النفوس غير المريحة, أولئك الذين يجادلون لمجرد حب الجدال. فلا يعتمدون على منطق, ولا يخضعون لكلام منطقي. ويصرّون على فكرهم بجدال هو مضيعة للوقت وتعب للأعصاب…

– ومن النفوس غير محببة أيضا : الأنانيون, والذين يطلبون الكلام في ثرثرة بدون معنى، والذين يتصفون بالنكد والوجوه المتجهمة باستمرار، والذين لا يبالون بغيرهم والذين يتصفون بالبرود في معاملاتهم… ومن أمثال هؤلاء  هناك أنواع أخرى مثلا.
وشخص يفقد سلامك : فيهدم بنيانك القوي ويكسر حماسك ويشعل النيران في حياتك ويدمر أمالك ويعكر صفو أعماقك ويدمر كل الأشياء فيك !
وشخص ذو وجهين : يمارس دور الذئب في حياتك يبتسم في وجهك ويخفي مخالبه عنك يثني عليك في حضورك ويأكل لحمك في غيابك  ..
وشخص يحبطك : يتعامل معك بسلبية يمارس دور المتفرج عليك ويفرح لضياعك ويسد أذنيه أمام صرخاتك وحين يحتاجك يسعى إليك بشتى الطرق .. وحين تحتاجه يتبخر كفقاعات الماء ..
و شخص يسعى لمصلحته : يحولك إلى فريسة سهلة لاستغلالك فيجيد رسم ملامح البؤس على وجهه ، ويمد لك يده بلا حاجة ويتفنن في سرد الحكايات الكاذبة ليستعطفك،  ويمنح لنفسه دور البطولة في المعاناة ويرشحك لدور الغبي بجدارة ..
و شخص حقود : ينظر ويحدق الى ما تملك ويتمنى ضياع إمكانيتك ويقوم بتعداد ضحكاتك ويسهر يعد أفراحك ويمتلئ قلبه بالحقد عند لقائك ولا يتوقف عن المقارنة بينك وبينه .. فيحترق .. ويحرقك بحقده ..
شخص يحنو عليك : يشعرك وجوده بالأمان يمد لك ذراعيه يفتح لك قلبه ويجوع كي يطعمك ويظمأ كي يسقيك ويقتطع من نفسه كي يغطيك ..
و شخص يسعدك : يشعرك وجوده بالراحة يستقبلك بابتسامة ويصافحك بمرح يجمع تبعثرك ويرمم انكسارك ويشتري لك لحظات الفرح ويسعى جاهدا إلى إختراع سعادتك ..
و شخص يتعسك : يبيعك التعاسة بلا ثمن ويقدم لك الحزن بلا مقدمات تفوح منه رائحة الهم فلا تسمع منه سوى الآه ولا ترى منه سوى الدموع ينقل إليك عدوى الألم وتصيبك رؤيته بالحزن …
و شخص من الداخل شئ ومن الخارج شئ اخر : كلما أبتعدت عنه ناداك …تعال ، وكلما أقبلت عليه رحل بسرعة ، وكل يوم له حال جديد مرة قريب ومرة بعيد ، تريده يقف بجانبك وقت الضيق فلا تجده وإذا علم أنها مرت عليك هذه المرحلة الصعبة بسهولة ، قال لماذا لم تخبرني عن حالك ولو علم بحالك لتجاهلك وكأنه لم يسمع أي خبر عن حالك ، مع انه يتابع أخبارك أول بأول ..

فما هي إذن النفس المريحة؟ وما هي صفاتها؟

– شخص ينهضك ويشجعك ينتشلك من ضياعك ويأتي بك إلى الحياة يمنحك شهادة ميلاد جديدة وقلبا جديداً ودما جديداً وكأنك ُولدت مرة أخرى !

فهناك أناس كثيرون يحتاجون إلى التعامل مع النفوس المريحة، فيريحهم كذلك شكل الإنسان وملامحه وأسلوب معاملته. وربما الواحد منهم يرى شخصًا لأول مرة فلا يستريح إليه بسبب تعبيرات وجهه، أو نبرة صوته وحدته، أو حركاته. وملامح ذلك الشخص توحي إليه بعدم الاطمئنان وعدم الثقة به..!

ويحدث هذا أيضًا في اختيار الأصدقاء: فهناك من تنجذب إليه وتشعر من أول لقاء، كما لو كنت تعرفه منذ زمان، بينما آخر تنفر منه تلقائيًا!

فالعلامة الأولى للنفس مريحة الإنسان البشوش:

طبيعة الناس أنهم يحبون البشاشة، ويستريحون إلى الوجه البشوش، الذي من فيض سلامه القلبى يفيض بالسلام وبالراحة على كل من يقابله…

البشاشة هي فرح ينتقل من نفس إلى نفس. لذلك فإن غالبية الناس يحبون النفوس المريحة التي تدخل البهجة إلى القلب. ومن هؤلاء: الفنانون المتخصصون في التمثيل الكوميدي، والفنانون ذوى المواهب في الرسم الكاريكاتوري، المصحوب بفكاهة لطيفة، طالما أن الفكاهة تكون بريئة ولطيفة ولا خطأ فيها…

ولأن البشاشة والفكاهة تريح النفس، لذلك فإن بعض المصورين قبل أن يلتقطوا الصورة يطلبون إلى الناس أن يبتسموا أولا، لأن الوجه المبتسم يكون مريحًا لمن يراه.. على أن البعض – بطبيعتهم – لهم وجوه مبتسمة بشوشة في كل المناسبات. وهؤلاء لهم نفوس مريحة…

– والعلامة الثانية للنفس المريحة الإنسان الوديع الهادئ:

إنه بهدوئه يُدخل الهدوء إلى قلب الآخرين. ومهما كانت الأمور صعبة، تعمل النفس الهادئة على تهوينها وتخفيف وقعها. وبهذا تريح الغير. وفي جو من الطمأنينة تبحث تلك الأمور معهم، لكي ما تعمل في هدوء إلى حلّ..

وأيضًا الإنسان الوديع الهادئ هو إنسان مريح في معاملته.  لأنه يأخذ الأمور ببساطة، فلا يُغضب أحدًا، ولا يغضب هو من أحد. بل يتعامل مع الكل في سهولة وبساطة ويسر. وهكذا لا تتعقد الأمور أبدًا في التعامل معه.

– والعلامة الثالثة للنفس المريحة  صانعو الخير والرحماء:

وطبيعي أن الناس يستريحون لمن يعمل خيرًا معهم، ويحبونه. وهكذا فإن الذين يعملون على إنقاذ الآخرين، والذين يتصرفون بحنو وإخلاص في الجمعيات الخيرية، وكل من يتطوعون لإنقاذ الآخرين، ومن يتبرعون بدمائهم للمرضى في المستشفيات، كل أولئك وأمثالهم من النفوس المريحة…

فالننتبه جيدا من هذا الفحص الجيد لطبائع البشر المرغوب فيه والغير مرغوب فيها وندقق ، لأنه أحيانا الشخص الغير مرغوب فيه أو غير مريح او متعب يكون في داخلي أنا ، أخفيه أمام الناس واظهر ضعف الآخرين  ،

فالصديق الجيّد يظهر في تصرفاتي أنا والأخر :
ـ الشخص الذي تجد نفسك ترتاح في الحديث معه، وتجد منه كل اهتمام وتعاطف وتقدير. و الذي يبذل ويُعطي نفسه لأجل الآخر و الذي يتمتّع بسلام وهدوء واستقرار نفسيّ وعاطفيّ، يكون مؤهّلاً لأن يساعد ويتقبَّل الآخرين ويساعدهم في ظروفهم الصعبة بصَدرٍ رحب وبروح طيّبة.و، مُخلص، صادق وواضح مع نفسه ومع الآخرين.وكاتم أسرار، ومحل ثقة، يمكنك أن تأتمنه على سرّك فلا يبوح به.

– تجده يقف إلى جوارك ويُسرع إليك في أزماتك، وفي ظروفك الصعبة يهبُّ لنجدتك، حتّى دون أن تطلب أنت ذلك منه. ممكن يكون انت وممكن أن يكون الأخر فلابد أن تبادله نفس الاهتمام والشعور

إنّ أمراً كهذا ليس بالأمر السهل تماماً، لكنّه على أيّ حال، يحتاج لتدريب وخبرة عالية ، أمر تتعلمه وتكتسب مهاراته بالتدريب والتصميم والتعلُّم والمُمارسة

بمعنى أنّك لن تستطيع أن تُصادق شخصاً آخر إن لم تكن أنت أصلاً صديق نفسك ومُتصالحاً معها. وبكلمات أخرى أقول أنّك لابدّ أن تكون مُتمتّعاً بالراحة والسلام والسكينة، تحب ذاتك وتقدِّرها، ليس باستعلاء أو تكبّر، بل بهدوء وصفاء وأتضاع. وهذه الأمور لا تحدث إلاّ بوجود الله في القلب، فهو وحده الذي يمكن أن يُخلّص حياة الإنسان من كلّ شرّ وخصام وعداوة، سواء مع نفسه أو مع الآخرين.

فكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضا بهم ( لوقا 6/31 )
– إنزع القذى من عينك ودع أمر نزع الخشبة (في عين الآخر) لصاحبها، أو عندما يطلب منك هو أن تساعده في انتزاعها!
وأنا أستعير هذا المَثَل ممّا كان السيد المسيح قد قدّمه من تعاليم سامية ورائعة، من أجل إسعاد الفرد والمُجتمع. لقد علّم المسيح ألاّ ندين بعضنا بعضاً، بل أن نُدرك أنّه يمكن أن يكون في الآخر عيبٌ ما، لكن ربّما يكون عيبي أنا أكبر وأعظم!، فيكون لزاماً عليّ حينئذ بدلاً من أن أدين الآخر على عيبه، أسعى أوّلاً لأنزع ما بي أنا من أخطاء، بعدها قد يجوز لي ـ بطريقة لائقة ومُناسبة ـ أن أعمل لمساعدة الآخر كي يتغلّب على ضعفه وتعبه ( متّى 7/  1 –  5 ).

الأب / بيوس فرح ادمون

فرنسيسكان – مصر

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO