الأحــد الســابع للرسـل

الأحــد الســابع للرسـل

2014.07.20

يُتلى علينا إنجيل اليوم -::< لوقا13: 22-35 >::- ويُخبر عن سؤالٍ طرحَه أحدهم على يسوع: “من يخلص ” فأجابه بـ ” أُدخلوا من الباب الضيق “، وآنتهى بـ ” إنَّ من يدَّعي الأيمان دون أن يحياه يُحرَمُ الخلاص، وأنَّ الغرباءَ والوثنيين الذين آمنوا وعاشوا متطلبات إيمانهم يرثون الحياة الأبدية “. هؤلاء الآخِرون والمنبوذون لدى البشرصاروا لدى الله الأولين والمُكَّرَمين.

ثم حَّذرَ الفريّسيون يسوع من هيروس الذي يطلبُ قتله ، فأجابَ أنه يُتابعُ مهّمتَه لثلاثة سنين ثم يُقتل. وتنتهي القراءة بتأَسُّفِ يسوع على أورشليم وشعبها الذي ظلَّ يرفضُ السماع لله و الألتزامَ بالعهد، فيُعلنُ التخَّليَ عنه وعن إختياره له ؛ سيندم ، ولكن لاتَ ساعةَ مندمِ

•       الأخـتيــارُ والنــبذ

لقد كَّوَنَ الله لنفسِه ، من بين البشر ، شعبًا خاصًّا إختارَه ليكون رسولَه يُصغي اليه و يتعَّلمُ منه ويعيشُ في القداسةِ والبر، ودعاه في شخص ابراهيم (تك12: 1-3) ، لينموَ في البر و يشُّعَه بين الناس ليهديهم اليه فيخلصوا ، كما قال اشعيا :” لتكون نورا للأمم وخلاصا الى أقاصي الأرض” (اش49: 6؛ 42: 6). لقد باركه الله ، وسَّماهُ اسرائيل ، أى قوَّة الله ، لأنَّ يعقوبَ  “غالبَ الله و الناسَ وغلبهم “(تك32: 29). ومَّيزه بأفضاله حتى دعاه “اسرائيل ابني البكر” (خر4: 22). لكنَّ الشعبَ لمْ يبقَ وفيا للعهد ، وأظهرَ طول الوقت ” عنادا و تمَّردًا وقساوة ” ( خر32: 9؛ تث9: 6-11؛

اش48: 4؛ حز2: 3-8) حتى سئمه الله ولفظَ عليه اللعنة :”.. من أيام آبائكم زغتم عن فرائضي وما عملتم بها .. لعنة عليكم ، على الأمةِ كلها..”(ملا3:7-9). لم يصنعوا العدلَ ولا أحبوا الرحمة ولا ساروا مع الله بتواضع (ميخا6: 8)، فقرر الله أن يتنازلَ عنهم ويدعهم أحرارا لسواءِ سبيلهم حسب أهوائهم (ملا2: 4).

ولم يكن ما حدث إنتقاما من الله وعقابا لليهود. الله هو محبة ولا يُنزلُ العقابَ حتى ولا في الخطأة. بل يريدهم أن يتوبوا ويحيوا أمامه. يريدهم في جنته وفردوسِه. لكنه لا يُرغمهم على ذلك. ولا يُشاركهم حياته وهم يُخاصمونه ويُعادونه. ولا يسمح له عدله أن يساويهم بمن تحَّملوا الضيق حبا به وصمدوا في وفائهم له. بل “ويل لهم !. هم جلبوا الشَّرَ على أنفسهم ” (اش3: 9)، ” آثامكم هي التي باعتكم. ومعاصيكم هي التي طلّقت أمكم “(اش50: 1)

هذا هو ما سيُعلنه الأنجيل من قبل أن يبدأ يسوع رسالته ، فقال :” يأتي الآن من هو أقوى مني… فيُعَّمدكم .. ويأخذ المِذرى بيده ، ويُنَّقي بيدَرَه. فيجمعُ القمحَ في أهرائِه ، وأمَّا التبنَ فيُحرقه بنارٍ لا تُطفأ ” (لو3: 16-17)

وأكد يسوع لقادةِ لليهود أنهم عميان أضاعوا ملكوت الله وقفلـوه في وجوه الناس (متى23: 13-16)، و أنه جاءَ هو لإمضاءِ الحكم عليهم (يو9: 39-41)، لأنهم لم يخضعوا لشريعة الله (يو7: 19) ، بل أقاموا لأنفسهم سُّنَّتهم الخاصة ، ومن أجلها نقضوا شريعة الله (مر7: 8-9). فعلوا ذلك لأنهم لم يعرفوا الله (يو16: 3). وقد أعلنها يسوع في وجههم : ” أنتم لا تعرفوني ، ولا تعرفون أبي ” (يو8: 19). دعاهم الى التوبة ، لكنهم إستمروا في سوئهم وعماهم ، رافضين كلَّ تغيير. بل حاولوا التخلُّص منه للسير على درب الأهواء براحتهم. فحَّذرهم يسوع و صَّرح  في وجههم : ” إنَّ ملكوتَ الله سيُنزع عنكم ،

ليُسَّلمَ الى أُمَّةٍ تجعله يُعطي ثمرًا ” (متى21: 43). وأما البيت الذي أقاموه لأنفسهم فيُتركُ لهم خرابًا ” (لو 13: 35؛ متى 23: 39). ” إن لمْ يبن الرَّبُ البيتَ باطلا يتعبُ البَّناؤون” (مز126: 1). و حاول الرب كثيرا أن يجمع شملَ الشعب وشمل البشرية معا ” مثل دجاجةٍ تحت جناحيها ” لكنَّهم لم يريدوا (آية34)!. لم يتوَّخَ اللهُ الأنتماءَ الى شعبِه ، ولم يضمن الخلاص للمنتمين على الهوية ، بل أرادَ أن يُدخلَ الأنتماءُ الفردَ الى حلقةِ المُنَّوَرين والأبرار فيكونوا ” نورأ وملحا وخميرة ” يعملون من داخل البشرية لتقديسها وتطعيمها بروح الله ، نازعين عنها فتيل

الفساد والضلال الذي أشعله فيها ابليس

•       مـيزة الشعب الجديد  :+:   أُدخـلوا من الباب الضّــيق

لم يعُد لله شعبٌ واحدٌ خاصٌ مُمَّيزٌ عن الآخرين. شعبه هو البشرية كلها ، وأبناؤُه هم مَن يعرفُه ويقتدي به (يو13: 15؛ أف5: 1). شعبهُ يتمَّيز عن بقية الشعوب لا بهويتِه وآنتمائِه ، بل بحياته وأعمالِه. يُشارُ اليه إذا سلك طريق الحَّق والمحبة ” بقلبٍ واحد ونفسٍ واحدة ” (أع4: 32). وينتمي الى عضوية هذا الشعب كلُّ الذين يتتلمذون له فيُحبون ويسمعون كلامه ، و ينكرون ذواتِهم ليحملوا صليب الحق والبذل و يتبعون المسيح (متى16: 24). هـذا هو:     ”  الباب الضيق ” الذي تحَّدثَ عنه يسوع. :<  الباب الذي منه دخل المسيح الى العالم : الأيمان والطاعة ، لأنَّ ” الطاعة أفضل من

الذبيحة ” (1صم 15: 22؛ عب10: 7-8) ؛ و السبيل الذي سلكه يسوع : درب المحَّبة (يو 13: 34) والشهادة (لو24: 48؛ أع1: 8) ؛ والروح الذي تحَّلى به يسوع : الدعة والبذل والخدمة (يو13: 15) ؛ والغاية التي نشَدَها : تكميل مشيئة الله والألتزام بوصاياه ،” طعامي أن أعمل بمشيئة من أرسلني وأُتِـمَّ عمله ” (يو 4: 34) ؛ والوسيلة التي تبعها يسوع : الحكمة والوداعة (متى 10: 16) ، ونبذ العنف و الأرهاب (متى26: 52) ، والسهر والصلاة (متى 26: 41)، والرحمة و الغفران (متى 18: 23)

قضى يسوع ثلاثة سنين يكرز بها : يعلمُ ، يذَّكرُ ، يُفَّسرُ، ويرشدُ من جهة ومن آخرى يشفي ويداوي جروح الأنسانية وأمراضَها، جسدًا و روحًا، ليُشعرَها بمحّبة الله ورحمته ، ولاسيما بقربه من الأنسان. له قلبٌ وآهتمامٌ أبويين. له روحٌ ودواءٌ يفوح منها عطرُ الحب الصافي و العظيم للبشر. ليس الله  ” سَّيدًا ” يُرهب فيأمرُ. بل هو أبٌ يٍسودبعطف وحنان. ليس اللهُ غريبًا فينسى أو يُهمل ، بل هو قريبٌ يحُّسُ بكل دقائق تفاصيل حياةِ الأنسان ويهتمُّ فيوَّفرُ له كلَّ ما يحتاج اليه ؛ ” لا تهتموا وتقولوا : ماذا نأكل؟ ماذا نشرب ؟ ماذا نلبس؟… يعلمُ ابوكم

السماوي أنكم تحتاجون الى هذا كله. أطلبوا قبل كلِ شيء ملكوت الله وبرَّه ، هذا كله يُزادُ لكم ” (متى6: 31-33). ولا يريدُ الله في شعبه الجديد أعضاءَ ينقادون بقانون ضدَّ إرادتهم. بل يريدهم متطّوعين وبحريتهم يسلكون درب الصليب. ولا يريدُ الله أعضاءَ يتظاهرون فقط بالأيمان ، بل يريدُ أيمانا يُتَرجمُ بالأعمـال (غل 5: 6؛ 1كور13: 1-3).

قال يسوع بأنَّه يُسَّلمُ حقله ومملكته الروحية الى شعب جديد يُعطي ثمرا روحيًا. وثمرُ الروح هو : ” المحبة ، والفرح، والسلام، وطول الأناة ، واللطف ، ودماثة الأخلاق ، والأمانة ، و الوداعة ، والعفاف ” (غل5: 22). وبكلام آخر أن يُجَّسدَ المؤمن أعمال الله (متى7: 21؛ يو 10: 25) و يتبنى” أخلاقَ المسيح ” (في2: 5) ، فيتحلى بأفكاره ويتزَّينَ بأعمالِه ، و يشهد مثله للحق (يو18: 37) ويحيا المحبة في كـلِ أبعادها ، والى أقصى حدودِها (يو13: 1)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO