الأحــد السادس للرسـل

الأحــد السادس للرسـل

2014.07.13

إنْ لم تتوبوا ، تهلكوا جميعُكم مثلهم

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< لوقا 13: 1-9 >::- ، سبقتها الآيات الثلاث الأخيرة من الفصل السابق وتدورُ حولَ عدالة حكم الأنسان على نفسه بالإعتراف بحقوق الآخرين وأنه من الحكمةِ إرضاء الخصم برَّد حَّقِه كاملا بالمُرُّوءة ، طوعا ، وإلا يُؤخذُ منه بالقوة ويدفعَ ثمنا إضافيا!. أما نصُّنا فيدورُ حول العقوبة التي أنزلها بيلاطس ببعض الأرهابيين (أع 5: 37) فخلط دماءَهم بدماءِ الذبائح التي كانوا يقربونها ، يتسَّترون من ورائها بالأيمان لإبعاد الشبهةِ عن أنفسهم. و كذلك عن الذين وقع عليهم البرج في شيلوحا وقتلهم. لقد إعتبرهم اليهودُ ، مثل الذين قتلهم

بيلاطس ، بأنهم كانوا أكثر إثمًا من بقية الناس لذا أحَّلَ الله بهم هذا العقاب. كانوا يعتبرون كلَّ من يُصابُ بمرضٍ أو عاهةٍ أو حادث عقابا من الله لأنهم خطأة ، وبالتالي فالأصحّاءُ والأغنياءُ والقادة يُعتبرون أبرارا صالحين رضيَ عنهم الله. وكان جوابُ يسوع على هذا التفكير بأنه خاطئ، وبأنَّ البشرَ كلهم قد أخطأوا ” ولا يوجد بار ولا واحد” (مز 14 : 3). وأكَّـدَ بكلامه أيضا بأنَّ الشرَ ينالُ جزاءَه من أي إنسان صدر. لا يوجد إمتيازٌ يحمي خاطئًا مهما كان. الكل يخضعُ للنظام ، والكل ينال جزاءَ حياته وأعماله (متى 16: 27 ؛ رم 2: 6). فدعا سامعيه الى التوبة

وإعطاء الثمار المطلوبة من كل واحد ، قبل حلول العقوبة عليه. وأعطاهم مثال التينة العقيمة التي وجب قطعها ما لم تُثـمر

•       التــوبة ،  ماذا تعــني  ؟

قال الرب :” إن لم تتوبوا تهلكوا”!. وأعطى بعده مثال التينة العقيمة المُهَّددة بالقطع لأنها لا تثمر. وكان قد بدأ كرازته بالدعوة الى التوبة، قائلا:” توبوا، فقد إقتربَ ملكوت السماوات ” (متى4: 17). وقد ربط التوبة بملكوت الله. وهكذا فعل سابقه يوحنا المعمدان إذ ربط التوبة باقتراب استتباب مملكة الله على الأرض وطالب الناس بآعطاء ” ثمار تليق بالتوبة”مُشَّددًا على أن الله يُهَّددُ بقطع كل شجرة لا تثمر ثمرا جيدا (متى3: 10). ومضيفا بأنَّ المسيح جاءَ ليُنَّقيَ بيدرَ الأنسانية فيُذَّريها ليفصلَ القمحَ عن التبن ، أى الجوهر عن المسلك الظاهري ، و السلوك

الجيد اللائق بالأنسان صورةِ الله عن الخطأ الذي يدفعُ اليه إبليس الحية القديمة

لقد أخطأ الأنسان منذ البداية في تقدير ما هو حَّق وجيد. وقد إنحرف عن الحّق تبعًا لشهواتِه.  لم يُدرك حُّبَ الله. وبالتالي لم يسلك بموجب ما تتطلبُه طبيعته الروحية بل مال الى إتباع مغريات الحواس. وكان هذا خطأ ً لامَ اللهُ الأنسان عليه. وأنذرهُ عن مغبة الوقوع في مطبة الرضى عن الذات والإتكال على الفكر الخاص ، رافضا إرشاد الله الى الطريق المستقيم. إقتنع الأنسان بنفسه ، بفكره ورغبته ، وحسب أنه قادرٌ على تحديد ما هو حَّق وما يبني الحياة. وجعله في الخيرات الحسية الزائلة. وحتى لما فشلَ لم يفكرْ في أن يُغَّير مسارَه ، بل إستمَّرَ يجري فيه. وها

هو الله يتدخل ليعيد الأنسان الى رشده ويدعوه الى تعديل سلوكه وتغيير تفكيره ، والى تبَّني فكرِ الله نفسه وسماع كلامِه

•       التــوبة  ،  عن مـاذا  ؟

هكذا تعني التوبة أن ينزل الأنسان عن فرس أنانيتِه وكبريائِه ، ويُبَّطلَ الأتكال على فكره ، و يتوقفَ عن إتباع شهواتِه والعادات والتصرفات النابعة من روح العالم. إنَّ الأعمالَ السيئة والتصرفات الشاذة ناتجة عن إنحرافٍ في الداخل : في طريقة التفكير وعبودية اللذة ، أو الشهوة الحسية. لقد جعلها الأنسان قيمة في ذاتها ، في حين ليست سوى وسيلة لهدفٍ أسمى. لقد إنحَّطَ الأنسان الى مستوى لا يليق بكرامتِه، ولا يخدمُ هدفه الأبدي. وقد حان له أن يرفع ألحاظه الى خالقِه وينظر أعماله ، و يُصغيَ الى كلامِه فيقتديَ بسلوكه. لقد سارَ كثيرا في درب أبعده عن

الله. وسلك دربَ النجاسة. بينما يدعوه الله الى القداسة (1تس4: 7). لقد آن الأوان ليعودَ أدراجه فيُغَّيرَ مسلكه ليتطابق مع دعوتِه الروحية حتى يكون نموذجا لله على الأرض. فالتوبة تعني تغيير ما هو منا ، من الأرضي ، و تبَّنيَ ما هو سماوي للـه (يو3: 31-32)، فنجَّسدَ في حياتنا صورته ، و نحَّققَ هدفَ حياتنا ، فتصبحَ شاهدة على الحق والحب. أن نتوب  عن أحكامنا ودينوناتنا ، ونكُّفَ التعَّصبَ والعناد في التمسُّك بآرائنا، لنفتحَ آفاقَنا لأنوار المعرفة الألهية ، ولدُفءِ محبتِه الصافية، وذلك بالإصغاءِ الى صوت الروح الحال فينا

•       التــوبة ،  كــيفَ  ؟

الشريعةُ نور الأنسان ومرشدُ أفعالِه وقياسُ أمانتِه. و إنَّ أهَّمَ ما في الشريعة والأنبياء هو ” المحبة ” (متى22: 40؛ غل5: 14). ويسوع المسيح لم يسُّن سوى ” المحبة ” على غرار محبته الألهية :” إليكم وصيتي : أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم ، ويعرف جميع الناس أنكم تلاميذي” (يو13: 34). ولم يكن بوسعه أن يسُّنَ غير ذلك من شريعةٍ. لآن الأنسان ما دام صورة الله، والله محبة (1يو4: 8)، فعلى الناس أن يقتدوا به هو النموذج (يو13: 15) على ” مثال الأبناء الأحباء “، ويسيروا ” في المحبة سيرة المسيح الذي أحبَّنا ، وجادَ بنفسِه لأجلنا { قربانا وذبيحة لله طيّبة الرائحة }”(اف5

1-2). المحبة قادت اللـه الى الخروج عن ذاتِه فخلق ، والى التجسد فقاسمنا ذُّلنا، وحتى الى الفداء فغفرَ لنا. لقد أعطى الله وخـدمَ وبذل وغفـر لأنه أحَّب

فالتـوبة الحقيقية تظهر في سيرة المؤمن إذا سلك دربَ المحبة. لأنه إذا أحَّب ، يحُّلُ الله فيه ويثبت معه (يو14: 23 ). ومن يكون الله فيه لن يسلك طريق الشهوة والكبرياء. لن يعبدَه لا الجسد ولا العالم. بل يدع الروحَ تنطلقُ في سُبل حـياةِ الله. وما أبعدَ الأنسان عن الله كان أنه لم يُدركْ حبَّه ولم يسمع بالنتيجة كلامه، فطردَ من الفردوس. تبعَ الأنسان شهوته ولذَّتَه، عَـبدَ جسده وفكره، ولم يعرف حُّبَ الله ، فخسر نعمتَه. وحتى يستعيد تلك النعمة عليه أن يتوبَ و ” يتنَّكرَ لنفسِه ، ويحمل صليبَه ” (متى16: 24)- مثل المسيح معلمه ، بالشهادة للحق وحفظ وصايا

الله عن محّبة (يو14: 23؛ 15: 10)، حتى و لو بسفك الدم. التوبة تتحَّول عندئذ الى عيش حياة الله على الأرض. وهذا ما يقوله الرسول :” وما من أحدٍ منا يحيا لنفسِه ، وما من أحد يموت لنفسه. فإذا حيينا فللرَّبِ نحيا، وإذا متنا فللرب نموت. سواءً حيينا أو متنا فإنا للرَّب “(رم13: 7-8). لسنا لأنفسنا ،” فقد أُشتُريتم وأُدّيَ الثمن ” (1كور6: 20؛ 7: 23). و يُضيف :” لقد صُلبتُ مع المسيح. فما أنا أحيا بعد ذلك ، بل المسيحُ يحيا فيَّ “(غل2: 19-20؛ فل1: 21)

إذا لم يحيَ الله في الأنسان ولم يتعَّلق الأنسانُ بحب الله لن يقدر هذا أن يشترك مع الله في الحياة الأبدية. فمن أرادَ الجسد ، والجسد يفسد ويفنى ، أو تبع العالم ، والعالم يزول ، يخسرَ حياته (متى16: 26). لأنَّ كلَّ شيءٍ يزول ، واللهَ وحده باقٍ (مز102: 26-27).  فلن تكون الندامة حقيقية ولا التوبة صادقة إذا لم تنطلق من المحبة. وإذا أحبَّ الخاطيءُ اللـهَ كثيرا يشعر بجسامة تمَّرُدِه على كلام الله ، وبدناءَةِ فعله الشهواني الذي يحُّط من قدرِه ويحرمُه من خير عظيم هو صداقة الله. وعندئذ يدفعه حبُّه الى التوبة وتغيير السلوك كما فعل الأبنُ الضال (لو15: 18-19)

وكما فعلت الخاطئة الكبيرة (لو7: 36-38)

سَّببت الخطيئة آلاما كثيرة للأنسان ، وجَّرت عليه أوبئة وكوارثَ جمَّة. لأن الأنسان لم يعرف طريق المحبة ولا سلكها ، مع أنه مجبولٌ بها وعليها. أعادَ يسوع الى أذهان الأنسان بأنه لم يفقد رغمَ ذلك حياتَه. ما زالَ نور المحبة الذي جُبل عليه يضطرمُ ، ويقدر أن يلتهبَ ويُحرقَ أحراشَ الأنسانية ويُصَّفي معدنها من كل شائبةٍ ولوم. يكفي أن يعودَ الى المحبة ، يكفي أن يتوب وينصبَ عرش مملكةِ الله في قلبه

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO