الأحــد الخامس للرسـل

الأحــد الخامس للرسـل

2014.07.06

الأول من تمــوز

عــيد  مار تومــا الرسول / شفيع كنيسة المشرق

>:<:+:>:<

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 12: 16-34 >::- ويتحَّدثُ عن موضوع الغني الغبي الذي يتكلُ على ثروته الوافرة ، فيطلق العنان لأنانيته ويترك بسببها كل نشاط او إهتمام بالحياة العامة. ويسوقُ الرب الأستنتاجَ التالي  بعدم الأهتمام الزائد بالحاجات المادية من قوت وكسوة ، التي يوفرُّها الله بزيادة للمؤمنين ، وبالتركيز على بناء مملكة المسيح على الأرض مهتمين بآقتناء الكنوز الروحية التي لا تزول بل تدوم للأبد

•       الحياة أثمن من الطعام

أكد يسوع لسامعيه بأنَّ الأكل والشرب والملبس ليست هي الأهم في حياة الأنسان. بل الأهم هي ” الحياة نفسُها “. فسَّرَ هذا القولَ شاعر فرنسي وقال: لا يحيا المرءُ حتى يأكل. بل يأكلُ المرءُ حتى يحيا !. الهدفُ هو الحفاظ على الحياة وعدم الإساءةِ إليها. ولا يتناول الأنسان القوتَ لأنه شهّيٌ ، أو لأنه متـوَّفرٌ بكثرة. ولا يُكُثر من تناوله لأنه لذيذ ويرتاحُ اليه. يتناوله لأنه ضروري لصيانةِ الحياةِ وإدامتِها. فلا يبحث عن الأنواعِ الشهية واللذيذة بقدر ما يتناول ما يُغَّذي جسمَه ويزَّودُه بالمواد الضرورية التي يحتاجُ اليها. حياةُ الأنسان تدومُ

للأبد حتى لو مات الجسدُ وفسد وزال. وفي الحياة الأبدية لا تحتاجُ الأجسام الى قوت ، لأنها تكون ” روحانية “(1كور15: 44-45). لأنَّ ” ملكوت الله ليس أكلا وشربا ، بل برٌّ وسلام وفرح ” (رم14: 17). حياةُ الأنسان هي نسمة من حياة الله نفسه (تك2: 7) وتدوم مثله للأبد. إنها روحانية  ، والروح لا يأكل ولا ينمو ولا يلبس ولا يتأثر بالأنواء الجوية. من ميزة الروح أن الحياة فيه ثابتة لا تتغير، كما لا يتغير الله ولا يتبدل (يع1: 17). أمَّا الجسم وما يُقيتُه فيتغير بل ويزول. والحياة الأبدية مع الله لا تتغير ولا تنتهي ولا تقتات بالخيرات الحسية. إنَّ قوتها هو محبة الله

وتُبنى تلك الحياة هنا على الأرض بكلام الله الذي وُلدنا منه (1بط1: 23)، وبجسد يسوع الذي كُسر من أجلنا وأعطاه لنا قوتا لحياة الأبد (يو6: 27-58)

•       الحياة لا تضمنها الأموال

إعتقد الغني الغبي أن خيراته الزمنية تضمن حياته للأبد. لمْ يدرِ أنَّ الحياة ليستْ مبنية على الغذاء الطبيعي. لأنَّ الأغذية لا تحم ِ الحياة من الموت. ولا كذلك الأموال والأملاك. ولا أيضا السلطة والجاه. أين الأغنياءُ والمَّلاكون ، والحُّكامُ والوجهاء ، وأين أصحاب الثروات الطائلة ؟. للحياة ما يُمَّيزها عن ” الأجساد”.  إنها لاتُرى ولا تُمَّس ولا تقع تحت الحواس. ولا تقاس بطولها ، ولا توزن بثقلها. قياسُ الحياة هو المحبة ومدى ظهور هذه المحبة في سلوك المرء. غلو الحياة  هو بمدى إشعاع المحبة ونشرها في المجتمع البشري فيتأثر بها الناس و يرتاحون

الى شعاعها المريح ويهنأون بثمارها التي هي ” فرح وسلام وصبر و لطف و أمانة و وداعة ودماثة الأخلاق …”(غل5: 23). والخيرات الزمنية لا تملكُ نفَسًا ولا فيها روح. أما المحبة فهي النور الذي يُنعشُ الأنسان و يبُّث فيه حياة هنيئة. المحبة الصادقة وحدها تكفلُ الحياة وتضمنها للأبد لأنها وحدها باقية للأبد (1كور13:13)

أعطى الله للأنسان غذاءًا يُديم حياته. لكنه لم يعطه مالا ليضمنها به للأبد. إرتبط ضمانها بالمحبة وحدها:” أحبب الله من كل قلبك… وقريبك كنفسك ” (تث6: 5؛ أح19: 18؛ لو10: 27). ومن يُحب يحفظ كلام الله (يو15: 10). ومن يسمع كلام الرب له الحياة وله كل بركة (تث30: 15). لذا دعا الخالق الأنسان الى المحبة وحفظ كلامه ، قائلا :” أحبوا الرب الهكم وآسمعوا كلامه وتمَّسكوا به، لأنَّ به حياتكم ..”(تث30: 20)

•       حيثُ كنـزكم هناك قلبـكم

ينجذبُ المرءُ الى ما يُرَّيحُ حوّاسَه. ويرتاح الى ما يستلذه ويشتهيه. إنَّ بريق الذهب يُدهشُ ويجذبُ كما تُسكرُ عطورُ الثماروعصائرها. وكذلك تُنعشُ المحبة ويريحُ الحَّقُ. فهناك ما يُغري الحواس ، وهناك ما ترتاح اليه الروح. وقد نبَّهنا مار بولس الى ذلك والى نتائجه  و عواقبها. وقال :” الجسدُ ينزع الى الموت. وأما الروحُ فينزع الى الحياة والسلام. ونزوع الجسد تمَّردٌ على الله ، فلا يخضع لشريعة الله.. ومن يسلكون سبيل الجسد لا يستطيعون إرضاءَ الله”(رم8: 6-8). وقد نصح أهل غلاطية بأن :” أسلكوا سبيل الروح ولا تقضوا شهوة الجسد”(غل5: 16). لأنَّ ” الأنسان

يحصد ما قد زرع. فمن زرع في جسده ، حصدَ من الجسد الفساد. ومن زرعَ في الروح، حصد من الروح الحياة الأبدية “(غل6: 7-8)

وهذا ما دعا الربَ الى ان يدعوَ المؤمنين الى ألا يهتموا بما للجسد فلا تقلقهم حاجاتُ الحياة الزمنية ولا تشغلُ بالهم. فهو كفيل أن يوَّفرها لهم كأي أب لأولاده المحبوبين، وبشكل أفضل مما يوفره لباقي الكائنات، من حيوانات أو طيور أو نبات. وبالمقابل شَّددَ على إهتمام الأبناء بأن يفتخروا بأبيهم السماوي ويُعَّرفوه للناس ويُحَّببوه اليهم بسلوكهم الحلو فيبنوا مملكته على الأرض ، ” أطلبوا ملكوت الله … ليأتِ ملكوتك ، لتكن مشيئتك ..”!. طلب منهم أن يتعَّلقوا بحبه ، وأن يطلبوا عنده الحياة الروحية والأبدية أكثر من أن يتشبثوا بحياة الزمن الأرضية

لأنَّ هذه الحياة التي في الجسد ، شئنا أم أبينا، لن تدوم طويلا. والأبدية للروح والروحاني فقط

طلب الله من البشر أن يقتنوا ” كنوزا في السماء لا تفنى “. وليس في السماء كنز أعظم من الله ذاته. و “الله محبة “!. والقلبُ يحُّس بالحب ويرتاح اليه، والفكرُ يسبحُ فيه، والروح تُحَّلقُ في فضائه!. فليس غريبا أن يكون الله قد طالبَ بالحب ” من كل القلب، ومن كل الفكر، ومن كل النفس “!. لأن الحب يبقى هو الكنزُ الأعظم الذي ينفعُ الأنسان ويضمن حياته للأبد

فالحب الصادق هو الكنز الوحيد الذي يُنعش الأنسان ويقدر أن يوَّفر له عيشا كريما وهنيئا بلا حَّدٍ و بلا نهاية. وحُبُّ الحياة يجب ان يتفَّـوقَ على حب أي شيءٍ آخر. وبما أن الحياة هِـبة من الله ، والله هو محبة ، فعلى الأنسان الخليقة أن يبحثَ عن الحياة في الخالقِ نفسِه ، وفيه وحده ، وفيه فوق أي اعتبار آخر

أعطى الله حياته  للبشر، وعرض عليهم جنَّـته ، و دَّلهم على سُبل الحياة وطمأنهم على مصيرهم، ولم يبقَ للبشر سوى أن يتجاوبوا مع هذا السخاء ويردوا عليه تعالى بثقةِ الأبناء  ودّالة الأحباء لأنه سبقنا فأحَّبَنا ولا يريد منا سوى أن نحبه ؛ ومن ” أقام في المحَّبة أقامَ في الله ، وأقام اللهُ فيه “(1 يو4: 16)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO