الاحد الثالث من الرسل

الاحد الثالث من الرسل 

 

 

لوقا (10)

 

انا قريب مَن؟

 

المطران سعد سيروب

 

 

سال معلم الشريعة يسوع: “من هو قريبي؟” سؤال يمكن صياغته بشكل أخر: “ما هي حدود محبتي؟ ما هي حدود واجباتي نحو الآخرين؟ فمن عليّ أن أحب؟ أنه سؤال نطرحه نحن أيضا على أنفسنا. فالواقع يقول أننا لا يمكن ان نحب الكلّ، وخاصة، ان تطور وسائل الاعلام يُظهر لنا ما يحدث في العالم وعدد المحتاجين بازدياد مطرّد. كثيرون هم الذين يطروقون بابانا طلبا للمساعدة والعون. فالسؤال يبقى: “ما هي الحدود؟” يضع العديد منا الحدود في العائلة، وأخرون في الدين وأخرون في العرق وأخرون في الجنس، واللون … الخ. 

لقد صحح يسوع وجهة النظر عندما روا مثل السامري الصالح: فلا توجد حدود، لا يوجد حدود لان أكون محبا ومسؤولا، أو حدود أكون بعدها لا ابالياً. أريد ان اجلب انتباهكم الى ثلاثة اشياء تظهر من النص. الشيء الاول يتعلق بالشخص الذي تعرض للضرب: فلا يذكر الانجيل أية صفة عنه: كبير أم صغير، اسود أم ابيض، غني أم فقير، يهودي أو فلسطيني، متدين أم غير متدين. يكفي بالقول انه: “انسان”. يكفي ان يكون انساناً. فحاجة الانسان المجروح والمضروب دفعت بالسامري الى التقرّب اليه. يقول الانجيل صفة واحدة: “تركوه بين حي وميت”. انه انسان يقف بين الحياة والموت. ليس حيا ولكنه ليس ميتا. انه انسان يقف على الحدود بين الحياة والموت. ضربة منّا يمكن ان تنهيه ويد تمد إليه بشفقة ورحمة يمكن ان تعيده الى الحياة. 

المشهد الثاني هو مشهد الكاهن واللاوي الذان يمران به ولكن دون ان يتوقفا. لا يذكر الانجيل الاسباب التي دفعته الى مثل هذا الموقف. يمكننا ان نعدد الكثير، من البسيط الى المعقد، من التافه الى المهم. فمن الاسباب ان يكون: الوقت، او الانشغال، او الخوف، او الاعتبارات الطقسية والتطهيرية وغيرها. إلا ان الانجيل لم يذكر أيا منها: فلا يوجد ما يبرر مرورنا أمام حاجة الآخر ببرودة ولا أبالية. فالاسباب مهما كانت قد تحدث فرقا في موقف الكاهن واللاوي من الناحية الاخلاقية، ولكنها تبقى بالنسبة للمثل بلا أية قيمة ولا تأثير. فمالمهم بالنسبة للانجيل هو ان وقوفنا امام انسان بين الحياة والموت يبقى الانسان هو المهم وهذان اعتباره غير مهم. 

المشهد الثالث هو مشهد السامرين الذي يمرّ من امامه ويقف طويلاً. لم يرى غير انسان مجروح وهذا دفعه الى الاقتراب. يعبر المسافة الموجود بينه وبين هذا الانسان، ويقترب، صار قريبا له. فلا وجود للقريب أو البعيد القبلي: انها الحاجة ما تجعل مني قريبا. ان أكون قريبا يعني أن ابدأ الحياة من أجل الآخرين والاخر من اجلي. اني مدعو اما حاجة الانسان ان اعيش اقترب وان اوجد من اجل الآخر وأجل الآخر يوجد من أجلي. لا يهم من هو الآخر، انا من يجب ان أغير نظرتي إليه واقترب منه. فلا يوجد قريب وبعيد، كل انسان هو قريبي وموقفي الداخلي هو الانفتاح الكامل على الآخر. 

قام السامري بما لم يستطع الكاهن واللاوي اللقيام به: لقد أحب. وحبه ليس مجرد عواطف ومشاعر داخلية فحسب، بل افعالا واقعية. رآه، أشفق عليه، دنا منه، سكب عليه زيتا وخمرا على جراحه، ضمدها، حمله على دابته، جاء به الى الفندق وأعتنى بامره. انها افعال تشرح حبا بلا حدود، بلا تمييز، وهذا ما يدفع بالآخر الى ما بعد الحدود. انه جب يدفع الآخر من الموت الى الحياة. 

هل هو مثل رمزي مقصود به اي انسان؟ خلف هذا المثل وخلف شخص السامري يختفي شخص يسوع المسيح، ابن الله الوحيد الذي أحب البشرية فخلصها. ان الرحمة والشفقة التي وان اختلفت درجاتها فانها بالنهاية هي هي التي تخلص. فمن مشكلة نظرية حولها يسوع الى قضية عملية وشخصية: ليس القضية قضية حدود يجب ان يتجاوزها الآخرون، بل انها قضية حدود يجب ان اتجاوزها أنا نحو الآخرين. الخلاص يبدأ من عندي؟ 
هذا هو الرسول وهذه هي الرسالة. تضع الكنيسة أمامنا هذا النص لتثير فينا التسأول عن معنى الرسالة وعن معنى كوننا رسلاً في عالمنا هذا.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO