موعظة عيد الثالوث الأقدس

موعظة عيد الثالوث الأقدس

تشكّل عقيدة الثالوث الأقدس جوهر الحياة المسيحيّة فهي ليست حصيلة تفكير بشري نظري في الله، بل هي تعبير عن إيمان المسيحيّة منذ نشأتها بظهور الله ظهوراً نهائياً وخلاصيّاً في شخص يسوع المسيح. فأكثر الأديان السماوية في العالم تعترف وتؤمن بالإله الواحد أي بوحدانية الله وتعبده. أما المسيحيّة فإنها تؤمن بالثالوث الأقدس وتعبده وهذا ما يميّزها عن سواها من الأديان. لذلك يقدّم لنا الإنجيلي متى في هذا النصّ ظهور يسوع الآخير للرسل الإثني عشر في الجليل حيث تتجلّى فيه ذروة الوحي الإلهي الثالوثي إذ أمرهم بأن يُتلمذوا كلّ الأمم ويعمّدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس. هذا الإعلان الثالوثي يعكس إلزامية التبشير بالإنجيل ورتبة المعمودية في الجماعة المسيحيّة الأولى التي تضع المعمّد في علاقة إتحاد خاصة بهذه الأقانيم الإلهية الثلاثة.
إن عقلنا لن يصل أبداً الى إدراك سرّ الثالوث الأقدس، لأن المحدود لا يمكنه احتواء غير المحدود، والأزليّ لا يسعه عقل مرتبط بالزمان والمكان إدراك حقيقته الأزليّة. رغم هذا يمكننا معرفة الثالوث، والدخول في أعمق أسرارها. فمن قال أن المعرفة هي معرفة القعل والإدراك هو فقط إدراك اليقين الملموس؟ المعرفة الحقة هي معرفة الحبيب لحبيبه والعروس لعروسه والأمّ لإبنها. الحب هو أسهل الوسائل لمعرفة جوهر الله، فجوهر الله محبّة لأنّ الله محبة كما يقول يوحنّا في رسالته. من يحبّ يعرف، لا معرفة العالِم والمُختبِر بل معرفة الواثق والمرتجي. الأمّ تحبّ ابنها لا لأنّها تعرفه بكافّة ابعاده، تحبّه ليس لخصاله ومميّزاته، تحبّه لا لأنّها تلمس عمق جوهر وتعلم علم اليقين أنّه جيد وصالح، لا لأنّها تعلم من أين أتى والى أين يذهب. فهي لا تعلم هذه الأشياء كلّها، ليست تدري اي مستقبل سوف يكون لابنها وليست اكيدة كيف سوف ينتهي به المطاف، رغم هذا تحب. المحبّة لا شروط فيها، لا تطلب مقابلاً ولا تسعى الى معرفة علميّة. معرفة الله هي أن أحبّه، فالمحبّة هي أن أحيا عمليّاً ما هو الله بجوهره، بالحبّ أشارك الله في حقيقة وجوده، دون أن أفهم فهماً كاملاً معني ثُلاثية الأقانيم في الإله الواحد، وكيفية انبثاق الروح وولادة الإبن، دون أن أفهم كيف يمكن للإبن أن يكون مولوداً من الأب وأزليّاً في الوقت عينه. حين أجعل حبّ الثالوث يأتي في المكان الثاني بعد رغبتي في الفهم العقلي، أدخل في متاهات الإنقسام والجدليّة، يصبح الثالوث، مصدر كلّ وحدة وحبّ، هو وحدة الآب والإبن بالروح القدس، مصدر تفرقة وقسمة. حين أحب أثق، وأؤمن، وأعلم أن الربّ سوف يكشف ذاته لي بقدر ما احببته، فأعرفه لأنّي أحبّه، لا أحبّه لأنّي أعرفه.
حبّ الثالوث لا بدّ أن يتجلّى في حياتي اليوميّة كمؤمن اعتمد باسم الثالوث الأقدس، فأنا الّذي اعتمدت باسم الآب والإبن والرّوح القدس صارت هويّتي الثالوث الأقدس، وصرت عاملاً باسمه وعلى مثاله.
علاقتي مع ذاتي لا بدّ أن تكون ثالوثيّة، أعرف ذاتي وأقبل عطايا الله لي في الشّخص الّذي صرته بنعمة من الله. وعلاقتي مع الآخرين لا بدّ أن تكون ثالوثيّة معطاءة: فالآب يهب الإبن ذاته أزليّاً، والإبن يهب الآب ذاته أزليّاً، والرّوح القدس يكوّن منذ الأزل والى الأبد علاقة العطاء هذه. الأب والإبن يرتبطان بعلاقة حبّ لا تنتهي، علاقة اسمها الثالوث ورباطها الرّوح القدس. علاقتي بالآخرين لا بد أن يكون رباطها الرّوح القدس ومحورها الحبّ ووبذل الذّات
صلاة: نسجد لك أيها الثالوث القدّوس ونحن مُثقلون بالشكّ الذي كثيراً ما يخيّم علينا حين لم نعد نرى سرّ حضورك في أحداث يومنا. إنك الإله الذي دعوتنا منذ معموديتنا إلى الإتحاد بك وما زلت تظهر ذاتك لنا وتسير فيما بيننا ونحن ما زلنا نخشى من أن نثق بك. تقودنا دوماً دون أن ندرك ذلك تحملنا كتيار البحار كل يومٍ بلطف وعزم وسلام إلى تلك السواحل المجهولة والطرق البعيدة عن حركة تفكيرنا. دعنا نقف أمامك بكلّ حطامنا وهشاشتنا وضعفنا لنتبعك ونترك أشرعة زورق حياتنا تسير نحو محيطات حبّك. اجعلنا نشعر بالصفح والغفران مع ماضي تاريخنا بكلّ نجاحاته وإخفاقاته وندرك بأن الشدائد والآلام التي نختبرها والخطايا التي كثيراً ما نكون ضحيّتها تعلّمنا دروساً تقودنا دوماً نحو سّر خلاصك. لك المجد إلى الأبد أمين.
أختيار: الأب إيهاب نافع

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO