الأحــد الثـاني للرســل

الأحــد الثـاني للرســل

2014.06.15

<<  بمـن أُشَّــبه هـذا الجـيل  >>

يتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 7: 31-50 >::-  ويتحدث عن غباوة الناس الذين لا يتصرفون بمنطق بل بهوى. ثم يتطرق الى خبر أمرأة خاطئة تابت على أقدام يسوع في بيت فرّيسي تصَّرفَ أيضا بغباوة لأنه لا فقط لم يؤَّدِ واجبه تجاه ضيفه يسوع بل أنحدر الى دينونته وانتقاده لتصرفه تجاه الخاطئة. وأنهى لوقا خطاب يسوع بأنَّ كلَّ إنسان ينالُ على قدر محبته وأنَّ الله يغفرُ لمن يتوب ، وأنه هو اللـه

•       منطـق  أم هــوى  ؟

شَّـبه يسوع جيله من البشر ، وعلى غراره ، المجتمع البشري عامة ، بأطفـال مراهقين يتعاتبون بينهم بأنهم خالون من الحكمة. وختم يسوع كلامه بأنَّ “الحكمة قد تبَّرأت من جميع بنيها “. البشر قاطبة لا يتصَّرفون بحكمة ومنطق. لا يستعملون فكرهم وبوصلة سلوكهم. لا يناقشون الأمور في ذهنهم قبل أن يتصَّرفوا. ولا يسَّلطون ضوء الأيمان على ردود أفعالهم. بل أفعالهم كلها أشبه بـ” ردود آلية ” تقودها العاطفة. في حين تعود العاطفة الى عالم الحس. بينما تستنير الروح بالنور الألهي الذي نفخه الله في الأنسان عندما خلقه “على صورته ومثاله “!. فالأنسان روحٌ : تفكير ونطقٌ

وحبٌ و تمييزٌ واختيار . أى يزن الأنسان كل أمر أو حدثٍ يقع له قبل أن يختار كيف يتفاعلُ معه. و يجب أن يختارَ ردودَ فعله ولا ينقادَ الى الغريزة الحسية. لهذا طالب يسوع تلاميذه المسيحيين ألا يتصرفوا كأبناء الدهر الأغبياء الذين يتبعون أهواءَهم ، بل أن يكونوا” حكمـاءَ ” كالحيات (متى10: 16). الحيَّة حاذقة في تدبير معيشتها و متيَّقظة و فطنة في التخَّلص من المخاطر. لا تتهَّور ولا تغامر ، ولا تستصغر الخطر ولا تتهاون في مواجهته. لا تتساوى عندها الظروف. ولا تتوازى كل الردود

الأنسانُ المؤمن الناضج والواعي يسبق ويعملُ حسابا لكل تصرُّف له ، والنتيجة الحتمية لكل رَّدٍ على الآخرين. يجب أن تصدُرَ كلُ أفعاله عن إيمانه وبهدفِ وضعِ طابوقِه الخاص في بناءِ مملكةِ المسيح على الأرض. ويجب أن يقول” نعم ” إذا كان النعم هو الصحيح، و “لا” إذا كان الـ “لا” هو الصحيح (متى5: 27)

•       سبـقـني  فآشتـكى

سلوكٌ آخر شاذ وموقفٌ آخر يحتاج الى التقويم ، جاءَ في خبر الخاطئة التي تابت عند أقدام يسوع. إنه موقف صاحب البيت، الفرّيسي مُضَّيفُ يسوع. لقد تشكَّكَ من موقف المرأة كيف تتجَّرأُ وتقتربُ ولا تخجل فتدهن رأسَه وقدميه بالطيب بمرأى من أهل البيت والضيوف. إنه تصَّرفٌ لا يتماشى وذهنية أهل الشريعة، وتَحَّـدٍ صارخ لحدود المرأة تجاه الرجل فيُقَّللُ من قدرِه ، إذ يُشَّـوهُ سمعتَه. لاسيما وأنَّ يسوع يدَّعي أنه المسيح. فكيفَ يسمح لنفسه بالسكوتَ عن وضع المرأة وقد ذاعَ صيتُها السَّيئ؟. كيف لا يطرُدها ولا يدينها ولا يُدافعَ عن قُدسية الشريعة

وإزالةِ النجاسة بالأمر برجمها كما هو مطلوب؟ (أح20: 10 ؛ تث 22: 20-24). لم يحتج الفريسي علنا بل هضمَ غيضه في قلبه قائلا :” لو كان هذا الرجلُ نبيًا لعَلِمَ مَن هي المرأة التي تلمسُه ، وما حالها إنها خاطئة” (آية39). شَّكَ في شخص يسوع وأدانه ! والله أدان الشك (عدد20: 10-13؛ لو24: 38) والدينونة (متى 7: 1).

أما أنَّ المرأة خاطئة فأعلن يسوع أنه يعرفُ ذلك جيدا. مع أنه لم يلتقِ بها سابقا. بل و بيَّن أنه يعرفها أحسن من مُضَّيفِه. إذن هو فعلا نبي ، وأكثر. إنتبهَ الفريسي على سوء المرأة و شَّددَ عليه. إنها مخالِفة لشريعة الله. لكنه لم ينتبه على تقصيره هو بحَّقِ ضيفِهِ الألهي. رجمُ الخاطئة هو قرارُ موسى. أما الله فقد طلبَ بإعطاءِ الفرصة للخاطيءِ حتى يتوب :” أ بموتِ الشرّير يكونُ سروري ، يقولُ السيد الرب؟. كلا. بل بتوبتِه عن شَّره فيحيا “(حز18: 23). وهنا الله بنفسه حاضر. والخاطئة تائبة ٌ!. لقد رأى الفّريسي، مثل كل اليهود ، بعيون الجسد فقط. وقرأَ مثلهم

حرف الشريعة فقط. أما بالأيمان فكان جاهلا ومخالفا له. أما بمنطق الكلام فلا يبدو أنه سمع بالحكمةِ أو العلم. ولأنه لم يُدرك روحَ الشريعة ولا إنتبه الى مشيئة الله ، أدان من يستحّقُ الرحمة ، وأهملَ واجبَه فتسَّترَ على أخطائه الشخصية ، وهي: لم يقدم ماءً ليسوع لغسل أرجله ، لم يُقَّبله علامة المحبة والسلام ، ولم يُدهن رأسه لتكريمه. وهذه كلها تفرضُها آداب الضيافة اليهودية. وهذه كلها فعلتها الخاطئة ليسوع. كان الأفضل للفريسي أن يعتذر من يسوع و يشكرَ الخاطئة. أما هو فتذَّمرَ بينه وبين نفسِه. أظهرَ أنه غبي. أما يسوع فـبيَّن له أنه الله ، إذ لا

فقط عرفَ الخاطئة ، لكنه قرأَ أيضا حتى أعمقَ أفكاره هو وسوءَ مشاعره.

•       غباء الأطفال .. جهالة البالغين !

وهكذا نبَّهنا انجيل اليوم على رذيلتين تحكَّمتا على الناس : خطابٌ فارغ من المعنى، وآعتدادٌ بالذات يُشَّوه الرؤية فلا نرى الحقيقة كما هي، وآلأسراع في إصدار الأحكام. لا نزن كلامَنا ولا نفكر بالعواقب. نخلط الأوراق بين الجد والهزل ، بين الحَّق والباطل فنعتبر كلَّ الأمور و كل المبادئ متساوية. أما نرَّدد أننا نحضر الصلاة في أية كنيسة دون التفرقة ، و دون الأنتباه الى أن ليست كل الجماعات كنائس، وأن ليس لكلها كهنوت و ذبيحة المسيح ؟. لا نريد أن نتعب أنفسنا في الذهاب الى كنيستنا لأنها تبتعد عنا ، بينما توجد كنيسة قريبة منا وجماعة تدَّعي أنها

كهنة وتتظاهر باحتفال ديني ، فنتردد اليها ؟. نتشكى من كنائسنا لأنها تطالبنا بأداءِ المشاركة في حاجات الكنيسة ، فنتركها. و نذهب الى غيرها. وعندما تفرض هذه علينا ضرائب أثقل نخضع عن كره ونستحي من العودة الى كنائسنا لأنها ، كما نقول ، هي التي دفعتنا الى الابتعاد منها؟.

ومن جهة الجهالة والاعتداد بالذات وإصدار الأحكام ، كم حقيقة جهلنا وكم عادة إتبعنا وهي تعارضُ الأيمان ، وكم دينونة أطلقناها ضد من يخالفوننا رؤيتنا أو يرفضون التطابق مع أفكارنا ومبادِئنا ؟. وكم جادلنا على فراغ من معرفة الأيمان، وحتى أعلنا مبادئَ كتابية وهي غريبة ومتناقضة مع تعاليم الكتاب ؟. ومع كل ذلك نفتخر بأنفسنا رافضين أن يبدوَ غيرنا أفضل منا؟. هذا إن لم نكن قد سبقناه فحاولنا التشهيرَ به لضمان سمعتنا ؟. هل فكَّرنا يوما بأنَّ الحقيقة لا تغيب عن الله (يو16: 30)، لأنه ” فاحصُ الكلى والقلوب ” (إر11: 20؛ رم 8: 27)؟

الغريزة تدفعنا الى إعتبار أنفسنا أفضل من غيرنا ، وإدانةِ الآخرين حيثُ نمدح ذواتنا. أما الكتاب فيعلمنا أنَّ أفضل السلوك وآمنَه هو التخلق بأخلاق المسيح فـنتواضع ، ونعُّد الآخر أفضل منا (في2: 3-5)، ونحبه (متى22: 39)، ونفديه بحياتِنا (يو15: 13). وهذا عن وعي وقناعةٍ وتصميم

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO