موعظة عيد العنصرة ، حلول الروح القدس على الرسل

موعظة عيد العنصرة ، حلول الروح القدس على الرسل

العنصرة كلِمة آرامية عِبرية تعني الحَصاد. في العهد القديم العبراني، عيد العنصرة اسمه عيد الأسابيع لأنه يقَع بعد سبعةِ أسابيع من عيدِ الفصح. في الترجمة السبعينية للعهد القديم اسمه اليوم الخمسين، وفي الترجمة العربية للعهد الجديد عن اليونانية، إسمُه كذلك يوم الخمسين. في اليوم الخمسين من عيدِ الفصح كان التلاميذ الذين حَضروا صعود يسوع المسيح في يوم الخميس مجتمعينَ بِقلبٍ واحدٍ كما أوصاهُم الربّ يسوع، يداومون على الصلاة وإنتظار حلول الروح القدس الذي وَعدَهم به الربُّ يسوع مِراراً وبخاصةً يومَ الخميس العظيم وبعدَ القيامة. بأعمال الرسل، نعلم أن الربَّ يسوع بقيَ معهم بعد قيامتِه من بين الأموات أربعينَ يوماً يظهرُ لتلاميذه ويفتحُ أذهانَهم ليفهَموا الكتب المقدَّسة ويُعِدُّهم لأستقبال الروح القدس، ويوصيهِم بالبقاء في اورشليم حتى يحلَّ عليهِم الروحَ القدس. كانوا إذاً في لهيبٍ في حضور ذلك اليوم المنشود العظيم. في ذلك اليوم العظيم، حضَرَ الروح القدس عليهم بشكلِ ألسنةٍ نارية وقَفَت على رؤوسهِم. عيدُ العنصرة هو عيدٌ للثالوث القدوس مثل عيد الظهور الآلهي وعيد التجلّي الآلهي.
فالعنصرة هي عيد الوحدة الإنسانيّة التي هي اتّحاد الإنسان بالله خالقه من خلال تحوّله الى هيكل للرّوح القدّوس، فتنتهي كلّ عداوة مع الله بسبب الخطيئة ويعود الإنسان الى حالة البنّوة، الى حالة البرارة، الى الحبّ الإلهي. وهي وحدة الإنسان مع الآخرين، حين تصبح إنسانيّتنا كلّها هيكلاً للرّوح القدس، حين يعود التواصل ممكناً رغم اختلاف اللّغات، والثقافات والتطلّعات والإختبارات. فما يوحّد البشر هو اكثر بكثير ممّا يفرّقهم، إذ يوحّدهم الرّوح القدس، الإله المحيي والمعزّي. هو رباط وحدة الحبّ بين الآب والإبن يصبح رباط وحدة الحبّ بين الإنسان والله، وبين الإنسان وأخيه. والوحدة الثالثة التي يحقّقها الرّوح القدّوس، روح الله الخالق، هي وحدة الإنسان الداخليّة، فلا يعود الإنسان منقسماً بين ما يريد وما يفعل، بين قناعاته وتصرّفاته، بين أقواله وأعماله، بل يصبح كائناً موحدّاً داخلياً، غير منقسم ومشرذم، إنسان يسعى بكلّ مكوّناته الى أن يكون وفيّاً للدعوة التي دعي إليها. حين تنتهي عبوديّة الخطيئة في داخله ويحرّره الرّوح من سلاسل الحقد والإنغلاق على الذّات، فيتصالح مع ذاته، ومع الآخر، ومع الله، وتصبح حياته نشيد شكرٍ لله بواسطة الرّوح الساكن فيه والصارخ فيه “أبّا، يا أبي”.
إن مريم الحاضرة مع الرّسل تقتبل الرّوح، هي مثال لنا، لكلّ تلميذ، في كيف نحيا طاعة الإيمان لإرادة الرّب في حياتنا. هي التي حلّ عليها الرّوح في عنصرتها الخاصّة فقبلت كلمة الله تحلّ متجسّدة في أحشائها، هي تعلّمنا كيف نكون تلاميذاّ نحمل الرّب الى الآخرين في صمت الإيمان وقداسة الحياة. هي الصامتة التي جعلت نفسها رهن إرادة السيّد فأعطت الكون يسوع، إنجيل الحياة الأبديّة، وجعلت من حياتها نشيد مديح دائم وأبدّي للرّب في مسيرة تتلمذ دائم على دروب الروح القدس.
صلاة: أيها الروح القدّس، يا من اضرمت قلوب الرسل في العليّة بألسنة من نار حبّك. جدّد وجه وطننا المضطّرب وبدّد كل ظلمة من كنف نفوسنا. أخلق فينا قلباً جديداً وانزع من صدورنا قلوبنا المتصلّبة ومن ضمائرنا أشواق الغضب والمعصية. ألهم عقولنا لكي نسبر سّر صمتك الذي يعمل في كياننا ويصلّي فينا بأنّات لا توصف. انك تنمو فينا دون أن ندرك ذلك وتسيّرنا عندما تتعطّل إرادتنا وتنعدم حريتنا. انك تعضد ضعفنا وتبكّتنا على كلّ خطيئة، تخلقنا وتذكّرنا بكل ما أوصانا به الإبن الوحيد. فيا روح الحق قُد عالمنا إلى الحقّ كله، حرّر حكّامنا وشعبنا من روح البلبلة والتشتّت لكي لا نعود نتكلّم سوى لغة حبّك وغفرانك. لك المجد إلى الأبد أمين.
أختيار: الأب إيهاب نافع

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO