ما هو مصير الناس الذين لا يؤمنون بالمسيح؟

ما هو مصير الناس الذين لا يؤمنون بالمسيح؟

 

 

 

المطران سعد سيروب

 

سألني أحدهم السؤال التالي: ما هو مصير الناس الذين لا يؤمنون بالمسيح؟ هلى سيشملهم خلاص المسيح؟ وهل سيذهب هؤلاء الى جهنم؟ من الصعب جدا الاجابة على هذا السؤال باختصار، يتطلب محاضرة وربما كتاب! ولكني سأحاول أن أجيب مختصراً… 

أحدث المجمع الفاتيكاني الثاني ثورة كبيرة في اللاهوت المسيحي بشان مسألة خلاص غير المسيحيين! فأعتبر المجمع أن الكنيسة الكاثوليكية ليست الطريق الوحيد الفريد لخلاص الجنس البشري، إذ ثمة طرق دينية أخرى يستخدمها الله الآب في الابن المسيح لتحقيق خلاص غير المسيحيين. ميّزَ المجمع بين خلاص الفرد الغير المسيحي، كاليهودي والمسلم والبوذي إلخ، وبين قيمة الوساطة الخلاصية التي تحملها هذه الأديان. يقول المجمع: “بيد أن تدبير الخلاص يشمل أيضاً أولئك الذين يؤمنون بالخالق، واولهم المسلمون الذين يُعلنون أنهم على إيمان ابراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمان الرحيم، الذي يدين الناس في اليوم الآخر” (دستور عقائدي في الكنيسة، رقم 16). 

وبهذا أكد آباء المجمع ان خلاص المسيح يطال غير المسيحيين، الذين يؤمنون بالله الواحد الخالق واليوم الآخر: “بامكان الله أن يقود إلى الايمان الذي يستحيل أرضاء الله بدونه، بطرق يعرفها هو، أناساً يجهلون الانجيل عن غير خطأ منهم” (رقم 16). فأولئك الذين يجتهدون، لا بمعزل عن مؤزارة النعمة، أن يسلكوا مسلكاً مستقيماً، فأن العناية الالهية لا تحبس عنهم المساعدات الضرورية لخلاصهم. ذلك بان كلّ ما فيهم من صلاح وحق وخير وحب ورحمة هو في نظر الكنيسة تمهيد للانجيل ونعمة من ذاك الذي ينير كلّ أنسان لكي تكون له الحياة أخيراً. 

أي أن كان الايمان بالمسيح وتقبّل المعموذية والدخول في الكنيسة والعيش من أسرارها والسلوك بموجب التعاليم الانجيلية هي الوسائل الأساسية التي يتحقق من خلالها خلاص المسيح للمسيحي المؤمن، فان غير المسيحي يخلص بطرق يعرفها الله وحده ولا ضير ان بقي البشر بمنأى عن معرفتها: “يأتون من المشارق والمغارب ويجلسون على مائدة الملكوت، وبنو الملكوت يطرحون خارجاً” (متى 8/ 11). فخلاص غير المسيحيين هو خلاص في المسيح الذي هو الأكبر من الكنيسة بحضوره وأوسع من المعرفة البشرية له. فهو السرّ العظيم. وهنا أريد أن استشهد بما قاله أحد اللاهوتيين الكاثوليك الالمان وهو الكاردينال فالتر كاسبر بهذا الخصوص: “ان خلاص غير المسيحيين، الذين يعيشون بحسب ضميرهم، ليس خلاص خارج يسوع المسيح أو بدونه، بل انه خلاص في يسوع المسيح وبواسطته”. خلاص يفوق معرفتنا له وادراكنا البشري المحدود! 

يقول اللاهوتي الكاثوليكي كارل راهنر بأن إرادة الله العامة والشاملة للخلاص التي تهتم بخلاص الجميع، فالعلاقة بين الخلاص الشخصي والانتماء الى تقليد ديني معين (غير مسيحي) علاقة أشكالية جداً: “ان البعد “الاجتماعي – التاريخي” يعتبر بُعداً اساسياً في بناء الانسان وبما ان هذا الاخير واقع تحت تأثير النعمة الالهية التي وضعت بالفطرة في جميع الناس خبرة متسامية تدفع الانسان للاعتراف بالله والتوجه نحوه”. 

لا أريد ان نجعل جميع الاديان على نفس المستوى وبالتالي نلغي الخصوصيات في كلّ دين وانما أريد الاشارة الى ان الحقيقة أكبر منّا جميعاً. فمن شخص يسوع المسيح ينبع هذا التقييم الايجابي للآخر المختلف ولخبرته الدينية. يقول الرسول بولس: “فالمَسيحُ هوَ سلامُنا، جعَلَ اليَهودَ وغَيرَ اليَهودِ شَعبًا واحدًا وهدَمَ الحاجِزَ الذي يَفصِلُ بَينَهُما، أيِ العَداوَةَ، وألغى بِجَسَدِهِ شَريعَةَ موسى بأحكامِها ووَصاياها لِـيَخلُقَ في شَخصِهِ مِنْ هاتَينِ الجَماعتَينِ، بَعدَما أحَلَّ السَّلامَ بَينَهُما، إنسانًا واحدًا جَديدًا ويُصْلِـحَ بَينَهُما وبَينَ اللهِ بِصَليبِهِ، فقَضى على العَداوةِ وجعَلَهُما جسَدًا واحدًا. جاءَ وبَشَّرَكُم بالسَّلامِ أنتُمُ الذينَ كُنتُم بعيدينَ، كما بَشَّرَ بالسَّلامِ الذينَ كانوا قَريبـينَ، لأنَّ لنا بِه جميعًا سَبـيلَ الوُصولِ إلى الآبِ في الرُّوحِ الواحِدِ” (افسس 2/ 14-21). 

ليس الايمان المسيحي امتيازاً خاصاً، بل مسؤولية تتحول الى بحث مستمر عن اللقاء والعيش مع الآخر. فما نظنه خيراً معطى وأكيد في زمن معين، قد يصبح خيراً هارباً اذا لم نعرف صيانته وتنميته لبناء حقيقة الملكوت فينا وفي الآخرين. يستخدم يسوع كلاماً قاسياً لمن يُريد أن يدعي البنوّة لابراهيم: “لا تقولوا لأنفسكم: أن أبانا هو أبراهيم. أقول لكم: أن الله قادرٌ أن يجعل من هذه الحجارة أبناء لابراهيم” (متى 3/ 9). الايمان المسيحي ايمان متواضع. يحوي الايمان داخله على امكانية عدم الايمان، وعلى المؤمن ان يعرف بانه مدعو الى رؤية ايمانه على اساس الحوار مع الحقيقة التي تتجاوزه والتي لا يُمكن ان تُحصر فيما يعرفه تقليدياً أو دراسياً عنها وان ينفتح على الآخر المختلف. لا توجد امتيازات في الايمان بيسوع المسيح: “الحق أقول لكم: جباة الضرائب والزواني يسبقونكم الى ملكوت الله” (متى 21/ 31). موقف المسيحي الاساسي أمام الله والآخرين هو التوبة.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO