الأحــد السادس للقـيامة

الأحــد السادس للقـيامة

2014.05.25

الحياة الأبدية هي أن نعرفَ اللـه

يُتلى علينا اليوم إنجـيل يوحنا( 17: 1-26 ) ويُسَّمى بـ  صلاة يسوع الكهنوتية . وفيها يُعلن يسوع أنَّ ساعة مجده قد اقتربت . يطلب من الله أن يكتملَ هذا المجد له وللآب . فيتسَّلمُ المسيح ” الابن”  ابن الله وابن البشر الابن البكر حصرًا  (رم8: 29)، قيادة الكون ويجازي بالحياة الحقة الأبرار الذين ساروا على دربه وتخَلقوا بأخلاقِه (في2: 5). لقد كمَّلَ الأبن عملَ الله على الأرض فيتابعه ويكمله ايضا في السماء. لقد سمع عبر الأجيال و الأزمان أناسٌ أبرارٌ صوتَ الله وحفظوا وصاياه. وقد آمن بيسوع تلاميذ وسيؤمن على يدهم آخرون. كل هؤلاء يريد الأبن أن يروا مجده ويشتركوا فيه (آيات 24-27). هذه هي الساعة التي من أجلها(يو12: 23-27) تجسَّدَ الكلمة الإلهية وصار أبنا للبشر(يو1: 14). وها هي تلك الساعة المجيدة تكتمَلُ اليومَ بموت يسوع وقيامته

•       ساعة الحياة الأبــدية

لقد وعَدنا الله بحياةٍ أبدية ، لا يوجدُ فيها موت أو نهاية ، يتوَّفرُ فيها كلُّ ما تشتهيه النفسُ و تطلبه من راحةٍ وهناء. وقد وفرها الله لأتباع يسوع ،:” ولم يبقَ للموت وجود ، ولا للبكاء ولا للصراخ ولا للألم… فلن يجوعوا ولن يعطشوا ولن تلفحهم الشمس ولا السموم. لأنَّ الحمل .. يرعاهم و يهديهم الى ينابيع ماء الحياة. واللهُ يمسحُ كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عيونهم ” (رؤ21: 3-4 ؛ 7: 16-17). إنها الحياة الأبدية التي نتمناها لموتانا ونسأل الله أن يوَّفرَها لهم. وها هو يسوع يطلبها لكل من يؤمن به وينتمي اليه ويسلكُ دربَه ،” دربَ الحَّقِ والمحَّبة “،لا فقط للأموات

منهم بل للأحياءِ أيضا. لأنَّ اللهَ ألاهُ أحياءٍ لا أموات (متى22: 32). ولأنَّ اللهُ أبــديٌ. فتبدأُ ساعة الأبدية من الآن ، من لحظة معرفة الله والانتماء اليه

•       جوهر الحياة الأبـدية

على الأرض نأكل ونشرب ، نلبس ونتـنَّزه ، نلعب ونمرح ، نتعَّلم ونُعَّلم ، نغَّني ونرقص ، نشتري ونبيع ، نتعب ونشقى، نتألم ونتنَّعم ، نفـرح ونحزن ، نتـزوَّج ونرَّبي ، نقتني ونبني و أخيرا نموت ونخَّلفُ وراءَنا كلَّ ما كسبناه. ولن يرافقنا بعد الموت سوى أخلاقنا وآدابنا. يبقى معنا الحَّق الذي تبعناه في تدابيرنا والمحبة التي مارسناها في سيرتنا. وأما الملكوت فـ ” ليس هو أكلاً وشربا بل برٌّ وسلام وفرح في الروح القدس “(رم14: 17) وقد قال يسوع : “أطلبوا ملكوتَ الله وبرَّه وهذا كله يُوَّفرُ لكم ” (متى6: 33).. كما قال ايضا :” ملكوتُ الله في داخلكم “(لو17: 21).

لقد دخلنا إطار الملكوت منذ عمادنا ، وحلَّ الله فينا وأصبحنا في مملكَتِه. لقد أصبح الله ملكَنا. ولكن هل عرفه البشَر على حقيقتِه ؟. قال يسوع عن العالم أنه لم يعرفه (آية 25) ، وعن قادة اليهود وعلمائهم :” أنتم لا تعرفوني ولا تعرفون أبي”(يو8: 19). وأضاف :” أنتم في ضلال لأنكم تجهلون الكتبَ وقدرةَ الله ” (متى22: 29). الأبنُ هو الذي كشفَ الآب أى جوهر اللاهوت الثالوث (متى11: 27).لأنه ” ما من أحد رأى الله. الأبن الواحد الذي في حضن الآب هو الذي أخبرعنه “(يو1: 18)

ونحن ” قد رأينا الأبن وسمعناه وتأملناه ولمسناه …لأنَّ الحياةَ تجَّلت فرأيناها ونشهد لها ونبَّشركم بتلك الحياة الأبدية “(1يو1: 1-2). وقال يسوع :” من رآني فقد رأى الله ” (يو14: 9). ولكن هل عرفنا الله حقا كما هو ، وماذا يريدُ لنا، ومنا؟. يقول مار بولس :” نحن اليوم نرى في مِرآةٍ رؤية ملتبسة. وأما يومَ ذاك فتكون رؤيتنا وجها لوجه. اليوم أعرفُ معرفة ناقصة. وأما يومذاك فسأعرفُ مثلما أنا معروفٌ ” (1كور13: 12). الآن نعرف ونهتدي بالأيمان ، أما عندئذ فبالعيان (2كور5: 7). وهـذا هو ما قاله يسوع :” والحياة الأبدية هي أن يعرفوكَ أنت الآلهُ الحق وحدَك. وأن يعرفوا الذي

أرسلتَه يسوع المسيح “(آية 3). نعيشُ أبديتنا ونحن نتعَّرفُ على الله.  لا حسب مفاهيمنا و آرائنا، بل حسب طبيعة جوهر الله :   ( كما هو ، وكما يعرفُ نفسَه)

•       أن نعرف الله كما يعرفنا

قال الرسول :” قد عرفتم الله ، بل عرفكم الله ” (غل4: 9). وهذا يعني أنَّ الله أهتم بنا فمَّيزنا قبل أن نعرفه نحن. ومَّيزنا تعني أنه أعطانا أن نكون مثله آلهـة :” قلتُ إنكم آلهة “(مز81: 6) فنشاركه قدرته ومجدَه وراحتَه. ” لقد صرنا شركاءَ المسيح ” (عب 3: 14) بالطبيعة فأصبحنا إخوته (رم8: 29)، و شركاء الله بالنعمة فأصبحنا أولاده (يو1: 12) نتقاسم معه ميراثه ومجده(عب4: 7؛ رم8: 17). هذه هي أن نعرفَ الله ، وهذه هي الحياة الأبدية التي وعدها لنا يسوع وسأل الآب أنَّ ساعة المجد قد حانت فيشربُ كأس الآلام وينال ، بعد إكليل الشوك ، إكليل المجد الذي كان له من قبل إنشاء العالم

والذي سيتَّوجُ به كلَّ الذين مثله : ” جاهدوا في سبيل الحق وحافظوا على الأيمان وأتمموا شوطهم من الرسالة الموكولة اليهم ، وفاءًا بالوعد ومجازاة للعدالة ” (2طيم 7-8).

أن نعرفَ الله إذن تعني أن نرتفعَ الى مستواه في الفكر والشعور ، في الآراء والأعمال. حياة الله هي ” محبة “(1يو4: 8) فأن نعرفَ الله يعني أن نتحَّولَ الى نبع من المحبة : محبة الله ومحبة القريب (متى22: 40؛ رم13: 10): محبة في التفاهم والحوار! محبة في التعاون و الخدمة ! محبة في الصبر والمسامحة ! محبة في البذل والعطاء ! محبة في الصدق والعدالة! محبة في عدم الإساءةٍ والظلم ! محبة في التواضع ! محبة في تحَّمل الضيق والشدة ! محبة في التلاشي والتجّرد ! محبة في العطف والرحمة ! محبة في الرجاء والثقـة !!.

فإذا أحببنا الله من كل قلبنا وفكرنا وكذلك القريب أى لم يبقَ في قلبنا مكان للحقد والكراهية ولا حتى للأنانية نكون عندئذ في قلب الله لأنَّ اللهَ يكون فينا ! و نكون قد أصبحنا واحدًا معه وفيه (آية 21-23)، ونكون قد دخلنا الحياة الأبدية ونتمتع بالجزءِ الأرضي منها

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO