الأحـد الخامس للقـيامة

الأحـد الخامس للقـيامة

2014.05.18

تذكار مار أدّي رسول كنيسة المشرق

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< يوحنا 21: 1-14 >::- ويروي لنا خبرالصيد العجائبي بعد القيامة. يقررُ بطرس العودة الى الصيد. يقررُ ستة آخرون من الرسل أن يرافقوهُ ، وفي سفينته فقط. لا يصيبون شيئا طوالَ الليل. وكاد الصبحُ أن ينبلجَ فيتوقفوا عن متابعة الصيد عندما داهمهم ضيفٌ غريب طلبَ منهم قوتا. ولما عرفَ أنهم لم يصيدوا شيئا أرشدَهم الى إلقاء الشبكة من يمين السفينة. فآمتلأت  الى درجة أنه صعبَ عليهم جرها الى البر. فعرفوا أنَّ الغريبَ هو يسوع نفسُه.

•       ســفينة بطرس

ركَّز يوحنا على أمرين تفَّـردَ بهما بطرس : إتخـاذ بادرة الصـيد فـقيادة العملية ، و آمتلاك السفينة. وبالتالي يبرزُ دورَ بقية الرسل مثل ” تابعين ” لبطرس ، مهمتهم ثانوية مقابل دور بطرس القيادي وسيادة تصَّرفه. إنهم يتبعونه فيتقَّيدون بأوامره ويُنَّـفذون ما يُرشدهم اليه. حتى لما عرفَ بطرس أن الغريبَ هو يسوع يدعهم يتابعون العمل مثل موظفين بينما يتفرَّغُ  هو بآستقبال الضيف العزيز الكبير كما يليقُ بالمقام وكما ينبغي أن يتصَّرفَ أي مسؤول عن مجموعة معينة ، جمعية كانت أو دائرة أو منشأة. إنما يبقى بطرس ربانا للسفينة يعرفُ وحده كيف ” يجذبها

الى البَر

يكتبُ يوحنا بعد إستشهادِ بطرس بحوالي 30 سنة. وقد خلفَ بطرس على رئاسة كرسي روما ثلاثة باباوات. وقد دَّبت بين المؤمنين خلافات تقومُ على إعتراضِ بعضهم على سلطة أسقف روما ويوحنا الرسول وغيره من الرسل مازالوا أحياء. ورغم أن يوحنا هو التلميذ الذي أحَّبه يسوع أكثر من بقية الرسل لكنه يظلُ يعملُ ، حتى هو، تحت إمرة أسقف روما ، الذي هو بطرس زمانه. تبقى السفينة في عهدة بطرس. والسفينة رمزُ الكنيسة. ويعملُ رسلُ المسيح في كل الأزمنة ضمن الكنيسة التي يقودها بطرس. هكذا نظَّمَ يسوع كنيسته. إن من  يمسك زمام قيادة الكنيسة هو بطرس ومن يخلفه عبر الأجيال

يجب أن يتمَّ العمل الجماعي داخل سفينة بطرس لا خارجها. كلُ من إستقَّلَ عن قيادة بطرس فهو خارج كنيسة المسيح. بطرس هو الشخصية الرئيسية لللوحة والبقية إطارها

يسوع يُحب يوحنا أكثر من البقية، لكن مواهب يوحنا القيادية لا توازي موهبة بطرس. و ربما حتى حُّبُ يوحنا ليسوع لا يوازي حبَّ بطرس. وهذا ما أكده يسوع في القسم الباقي من خبر الترائي عندما سألَ بطرس ثلاث مرات ” هل تُحّبُني أكثر من هؤلاء “؟ (آية15). لاحظوا أنَّ يسوع لا يقولُ :” هل تحبني أكثر من يوحنا أو أي رسول آخر، رغم نكرانِه له ثلاث مرات. بل يُشَّددُ يوحنا على ” أكثر مما يحبني هؤلاء “. أى أكثر من حبِ الرسل كلهم مجتمعين !. ولما إعترفَ بطرس أنه يحبه فعلا ، أكَّدَ يسوع صحَّة إدّعاءِ بطرس فـثَّبتَه في قيادةِ الكنيسة. تلك المهمة كانت قد إهتّزت

مقوماتها في ضمير الرسل عند نكران بطرس. و ربما أدى هذا النكران الى حرمان بطرس وخلفائه من إمتيازهم لولا هذا التثبيتُ الرسمي والعلني من قبلِ الرب لدورهم

•       بطرس عُريـان

كان نكران بطرس فعلا أمرا خطيرا زعزع حتى ثقة بطرس نفسِه بنفسه أنه جديرٌ بعد بالمهمة. وها هو يوحنا يقدمه أثناء الصيد ” عرُيانا “. لم يكن مهما ليوحنا أن يذكر عريَ بطرس. وإن كان قد ذكره فليُذَّكرنا بجسامة نكرانه. فقد عّراهُ النكران من نعمة حضور الله معه. لذا ليس بطرس أولَ من يتعَّرفُ على يسوع. وإذا كان بطرس قد أسرعَ، حال معرفته أنه يسوع، فلبس ثوبه فلأنه خجلان أمام يسوع بسبب فعلتِه. مع أن نكرانه ليس أكثرجسامة ً  من هروب بقية الرسل وتركهم يسوع وحده يواجهُ مصيره الأليم. وبالإضافة الى ذلك فقد ” بكى على إثمِه بكاءًا مُرًّا”، أي أعلن ندامته

وتوبته العميقة. مع ذلك لا يبدو بطرس واثقًا من جدارتِه. وما لبسُ الثوبِ من جديد سوى رمزٍ الى الغفـران الذي قد حصلَ عليه نتيجة توبته. إنه ثوبُ البرارة كالتي لبسها الأبن الضال بعد توبتِه (لو15: 22) ، والتي يلبسُها الأبرار في السماء (زك 3: 3-4؛ رؤ6: 11). هذا هو ثمر الخطيئة أنه يُعَّري الأنسان من نعمة صداقةِ اللـه وحمايتِه. أ  ليسَ هذا ما حصلَ لأبوينا الأولين عندما أخطأا حتى إستحَيا فآختبأا عن أنظار الله (تك3: 7-8)؟

لكن ما حصل مع بطرس لم يحصل مع آدم وحواء. لم يعرفا الحاجةَ والطريق الى التوبة. لقد أحَّسا على غلطتهما و تنَّدما على مخالفتهما لوصية الله ، لكنهما لم يتوبا ولا إعتذرا. بل بَّررَ كلُ واحد نفسه ملقيا تبعية المسؤولية على غيره. أما بطرس فقد ” بكى بكاءًا مرا ” وطلب من الله أن يعامله بكثرةِ رحمتِه العظيمة لا بحسب الغباءِ الأنساني الذي بدر منه لدقائق عندما فاجأَه رعبُ الموت يهَّددُ حياتَه. كان النكران خطأ ً جسيما. لكن التوبة أيضا كانت مُرَّة وبمستوى الجسامة. فمحا الغفرانَ أثرَ الخطأ بسبب المحبة العظيمة التي أبـداها مُتحَّملا نتائج

تصَّرفِه. فـتوبة مثل توبة بطرس قادرةٌ على غسل أفدح الخطايا

•       153 ســـــمكة

إنه عددٌ كبير، ومن النوع الجيد. ويُنَّبهُ الكاتب :” ومع ذلك لم تتمَّزق الشبكة “!. ويمكنُنا أنْ نضيفَ :” ولم تغرق السفينة”!. إنها سفينة بطرس وشبكته التي فرشَها الرب لكل البشر. لن يبقَ العالمُ بعدُ منقسمًا بين يهود مؤمنين بالله ووثنيين يجهلونه. لقد وحَّدت سفينة بطرس البشرية في رعية واحدة : رعية يسوع. لأنَّ الشبكة بالتالي إصطادت بأمر يسوع ، وجمعت برغبته هذا العدد الذي لم يكن الرسل بحاجة اليه. إنما اللهُ الذي ماتَ من أجلهم ، ولا يريدُ  هلاكهم ، هو قادهم ، وسيقودُ غيرَهم، الى سفينة بطرس. أما لماذا 153 بالتمام والكمال؟. ربما عَّدَ الرسول السمك

وربما لم يعُّدها أصلا ، كما يُنّوهُ بعضُ المفَّسرين ، بل هو لغزٌ ساقه يوحنا كما سبقَ له وساق لغز العدد 666 في سفر الرؤيا 13: 18. كان ذاك رمزَ إنسان إضطهد الكنيسة في زمن يوحنا، وكان أحد أباطرة روما وهو، بالتالي ، رمز كل طاغية يبيعُ نفسه للشرير، و يقاومُ الحقَّ ، ويضطهدُ شهودَه

وقد لا يكون هنا ايضا بعيدا عن أشخاص وأماكن تلك الأحداث. جاءَ في رؤيا 17: 3 ذكر وحشٍ له سبعة أرؤس وعشرة قرون. وفي الآيات9-14 تفسيرٌعنها : ” فالأرؤُسُ السبعة هي التلال السبعة التي قامت عليها المرأة (روما). و هي أيضا سبعة ملوك منهم خمسة مضوا…والقرون العشرة هي عشرة ملوك…سيحاربون الحمل والحملُ يغلبهم”. والحديثُ عن 7+10 و يساوي 17. العدد7 هو رمز الكمال، و10 هو رمزالكثرة. وإذا جمعنا الأعداد من 1 الى 17 يكون حاصلُ جمعها = 153 !. والتعليم يكون : أعداد هائلة تدخل كنيسة بطرس ويكتملُ شعبُ الله وتبلغُ كلمات الله العشر كمالها. وغالبية هؤلاء المؤمنين يأتون من

إمبراطورية روما الوثنية التي يُبَّشرها بطرس ويدخلون سفينته. ويتم كلُ ذلك بقوة المسيح الحمل الألهي!. الأمبراطورية تمَّزقت ،لأن البحر الذي قاوم صيد الرسل لمْ يقوَعلى مواجهة قوة المسيح. أما شبكة بطرس فلم ولن تتمزق ، ولا تغرق سفينته لأن المسيحَ حارسُه وقائده

•       قيـادة إلهية ، ووسيلة بشرية

سأل يسوع الرسل ” أكلاً “. ولكن الرسل أبصروا أمام يسوع، عندما نزلوا الى البر،” جمرًا متقدا عليه سمك، وخبزًا”. مع ذلك طلبَ يسوع منهم:” هاتوا من السمك الذي إصطدتموه “.  وفي الأخير يناولهم يسوع من ” خبزِه وسمكه “!. ساعدهم على الصيد الذي لولاه لما تحَّقق ، فيتم قول يسوع : ” بدوني لا تستطيعون أن تعملوا شيئا … أما إذا ثبتم فيَّ وسمعتم كلامي فآسألوا ما تشاؤون ، تحصلوا عليه “(يو15: 5-7). وقد هَّيأ لهم أيضا مائدة < في ملكوتِه > فدعاهم اليها : ” هلموا الى الطعام “، ويتحقق بذلك كلامه الآخر: ” فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي” (لو22: 30). فهذا الخبز والسمك

استمرارٌ لمعجزة تكثيرها (يو6: 1-15) ودليلٌ على أنَّ عهد المسيح هو زمن فيض خيراتِ الله.  فالصيدُ عملُ الله وبقوتِه ، و الطعام من مائدتِه. ولكن هذه المرة إشتركَ فيه الرسل. ألقوا الشبكة حيث أرشدهم يسوع. وجَّروا الشبكة. وجلبوا من السمك الذي أصابوه. لكن يسوع أرشدَ ، وهيَّأَ الطعام ، وناولَهم الخبزَوالسمك !. عمل مشترك بين يسوع والرسل ، يتبَّوأُ يسوعُ قيادَتَه والرسلُ التعاونَ معه وتنفيذُ ما يطلبه منهم. المعرفة لله والوسيلة للبشر. هكذا يُبنى ملكوتُ الله على الأرض : الله مهندسُه والرسلُ عمالُ بنائِه. يعملُ الله من خلال البشر لأجل تحقيق

خلاصهم. ويعملُ البشر بالأتكال على الله لتتحَّققَ مشيئَته. تلك مشاركةٌ فعالة في العمل تأتي بنتيجةٍ مضمونة

•       خـيبــة .. و .. تضأمن

أعلن بطرس :” أنا ذاهبٌ للصيد “!. رَّدَ عليه ستة آخرون من رفقـائِه :” ونحن نذهبُ معك”  !.ربما أرادَ بطرس ذلك للتنفيس عن الذات وهو قابعٌ في القدس ضيفا بّطالا. وربما فعله إنهاءًا لليأس الذي ما يزالُ ينخرُ قلبَه لنكرانه معَّلمَه وفقدانِه بالتالي الضمان بآستمرار اختيار يسوع له رئيسا للجماعة. على أيةِ حال لا يهمنا بأي هدف عاد بطرس الى الصيد. ما يهُّمُنا هو أنَّه لم يترك الجماعة خفية وعلى غفلة. بل إستشارَهم ، وهم تضامنوا معه في السَّراءِ و الضَّراء!. كانت خـيبة ً قاسية ومُرَّة. خبراءُ الصيد وسادتُه لم ” يصيبوا في تلك الليلة شيئا “. وربما كانت

ستتكررُعملية الفشل لياليَ أخرى لو لم تَعضُدهم السماء

ولكن بقدر ما جاءَ عونُ يسوع مفرحًا ومنعشا كان بقدر ذلك تضامن الرسل مع بطرس عظيما وفعّالا لســنده في معاناتِه وفي محاولاتِه لأداءِ دورِه القيادي بسلاسةٍ وهدوء ، دون تذَّمرٍ ولا تشَّكٍ ولا آنتقـاد ولا إنفصألٍ عنه. إنه موقفٌ رائع عن فهم كل واحد موقعه من الأعراب ، والشعور بمعاناة الآخر وعدم تركه بل الوقوفِ الى جانبه. لقد كانت خبرتهم ترك يسوع في آلامِه قاسية علمَّتهم درسًا بليغا أنْ ليست الحياة حدثا واحدا عابرا تنتهي معه العشرة. الحياة حقلُ آختبار من أحداث عديدة يضع الأنسان وجها الى وجه أمام من إلتقى به مرة،ويقطف ثمارذلك اللقاء أو

يدفع ثمنه. وقفَ الستة الآخرون مع بطرس. وكانت سعادتهم غامرة عندما حظيوا بلقاء المعلم وجلسوا على مائدته ولاسيما أعلن الغفران لجميعهم في شخص بطرس وثبَّتهم كلُ واحد في مهمـته. لقد قطفوا ثمرَ تضامنهم

•       دعوا السمك ، أُطلبـوا البشر

هذا هو ثمر العمل الجماعي الذي يريده يسوع في كنيسته. هذا هو التحَّلي بروح المسؤولية والخدمة. وهو أيضا روح الوثوقِ بكلام الله والأستماع اليه. اليأسُ ، الأنتقادُ ، الثـورةُ ، التراجعُ و الأنعزالُ كلها أفعالٌ تنُّمُ عن عدم إيمان وعن تكريس الفكر الدنيوي وأسلوب أهل العالم ولا تحَّققُ النتيجة المرجُّوة. أما أبناء الله ، ولاسيما من إختارهم يسوع ودعاهم الى إتباعهِ ومتابعة رسالتِه ، فعليهم أن يتحَّلوا بروح الله ، روح المحبة والثقةِ والصبر والتعاون والتكاتفِ والصمود. فإن كان صيد السمك تطلبَ كلَ هذه الفضائل فكم بالأحرى صيد البشر الذي دعا

يسوع الرسل اليه (متى4: 19) ، ومن أجله جاءَ يُذكرهم بأنه قد حان أوان ذلك ، فليستعدوا للمهمة و يتركوا السمك لغيرهم

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO