ملكوت الله

ملكوت الله

 

 

المطران سعد سيروب

 

 

سألني أحدهم عن ملكوت الله: هل هو حقيقة ستأتي في نهاية الازمنة أم أنه حاضر معنا اليوم؟ وماهي علاقته بالابدية والحياة الآخرة؟ وأنا أجيب باختصار… 

مفهوم “الملكوت” يشير الى سيادة الله على الكون باكمله. ولكن هذا التعبير له معنى خاص عند يسوع. لو رجعنا الى النصوص الانجيلية التي تتحدث عن ملكوت الله، لوجدناها تحمل اتجاهين مختلفين ظاهرياً، فبعضها يقدم لنا الملكوت على انه حدث في المستقبل (سوف يأتي). هذا المستقبل رهن الاشارة الالهية. فالله وحده يعلم الزمان والمكان لمجيء الملكوت المنتظر ومع ذلك فهذا المستقبل مستقبل قريب. من ناحية أخرى نجد وجها آخر لمفهوم يسوع يمكن اعتباره مكملا للسابق، وهو أن الملكوت “حاضر الآن في العالم”، وان هذا الحضور مرتبط ارتباطاً جوهريا وعميقاً بحضور المسيح في العالم. فالمسيح هو المرسل من قبل الله لكي يفتتح الازمنة الاخيرة. 

الامثال التي تتكلم عن ملكوت الله (متى 13) تشير الى انه حقيقة حاضرة في العالم، ويجعلنا نحن أيضا ومنذ الآن ندخل فيه ونحيا روحانيته ونجعل من انفسنا، بالمسيح هبة كاملة وبصورة جذرية لله، مثلما فعل يسوع الذي جعل نفسه هبة لأبيه بدون أي تحفظ. غاية يسوع كانت دعوة الانسان الى حياة تشبه حياة الله وتجسيدها في جماعة يسود عليها الله ويعيش بينهم ويكون لهم الها ويكونون له شعبا. هذه المجموعة تحيا هذه الحقيقة منذ الآن. 

المسيح يعلن ان ملكوت الله هو “بيننا وفينا”.وليس هذا التاكيد متناقضا. فملكوت الله في صيغته الخاصة والنهائية مرتبط بالمستقبل وما وراء هذه الحياة. ولكنه حاضر بشكل خفي، في قلب التاريخ البشري المستمر. ولهذا يمكننا ان نقول بانه يوجد معنى مزدوج في الملكوت: هو في مرحلة الاستباق ومرحلة الظهور الكامل. فنحن نعيش بشكل سرآني وخفي ومنذ الآن حقيقة ملكوت الله ومع ذلك فما زلنا نمتد بالايمان الى مشاهدة وجه يسوع المسيح. فالله اراد تواطؤ الزمن لينمو ملكوت الله ويبلغ كماله فينا وفي العالم. 

ومن هنا فان الملكوت ينطوي على فكرة ان الحاضر هو المستقبل في طور التحقيق. فنهاية الازمنة مستبقة في كل حياة من حياتنا. ولن تكون “ساعة” الدينونة الا الظهور المجيد لكياننا النهائي، هذا الكيان الذي نبنيه يوما فيوما في صراعات حالتنا كخطأة وتمزقاتها. هناك استمرارية بين ما نحن عليه الآن وهنا وما سنكون عليه في العالم الآخر أو ملكوت الله القادم. يجب اعطاء معنى عميق للحقائق الاخيرة واظهار الاستمرارية بين ما نحن عليه اليوم وما سنكون عليه في العالم الآخر. فثمة سماء للذين اختاروا الشركة مع الله. وثمة جهنم للذين اختاروا العزلة مع ذواتهم بحرية, وانما الله سيقر اختيارهم هذا.

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO