الأحـد الثـالث للقـيامـة

الأحـد الثـالث للقـيامـة

2014.05.04

يُتلى علينا اليوم انجيلُ ( يو14: 1-14 ) وينقلُ لنا وداع يسوع لتلاميذه وقلقهم لفراقه ، خّاصة ً وهم يجهلون كيف يتركهم ، وأين يذهب ، وماذا يحصلُ لهم ، لاسيما وأنه يؤكدُ لهم أنه ” حيثُ أنا ذاهب لا تستطيعون أن تأتوا “(يو13: 33). الى أين يذهب ؟ ولماذا لا يقوون اللحاقَ به ؟. بطرس يعترضُ ويبدي استعداده لأن يتبعه حتى إلى الموت ؛ ” وهكذا قال التلاميذ كلهم “(متى26: 35). لذا يبدأ يسوع حديثه بـ ” لا تضطرب قلوبُكم “. ثم يدعوهم الى الأيمان ، والى الوثوق به

•       أنا الطـريـــق

خفَّفَ عنهم  يسوعُ قليلا وطأة الصدمة عندما أكدَّ لهم أنه ذاهب ” ليُهيّئ لهم مكانا “. لكنهم لم يطمأنوا كليا لأنَّ جهلهم بما سيحدث لمْ ينجل ِ. ولما أضاف يسوع بأنهم يعرفون الطريق “الى حيثُ يذهب ” انتفضوا من جديد معترضين بسؤال أخر والناطقُ عنهم توما :” إن كنا لا نعرفُ أين تذهب ، فكيف نعرفُ الطريق “؟. حزنهم على فراقِه ، وجهلهم بمصيره يغَّوشُ الرؤية ولا يسمح لهم أن يفهموا كلامه. فالألغاز تزيدُهم قلقا. فيُضطرُ يسوع الى مواجهتهم بعبارات أفصح وأصرح.  “أنا هو الطريقُ ” يقول لهم. ماذا يعني أنه الطريق ؟. ويُضطَّرُ لأن يفَّسرَه لهم : ” لا أحد يمضي الى

الآب إلا إذا مَّرَ بي “. الآن اتضحت الرؤية قليلا وبدئوا  يفهمون جزءًا مما سألوا عنه. إنه يذهب الى الآب. إنه ينتقل الى السماء. هناك يُعّدُ لهم مكانا

ولكن كيف سيتم كل ذلك ؟ لن يُدرِكَ التلاميذ كنهَ الحديث. لقد حدَّثهم مرارا عن ” أبيه ” الذي في السماء. بل علمهم أن يدعوه هم أيضا أباهم ” الذي في السماوات “(متى6: 9-13)، بل وألا يكون لهم أبُ غيره حتى ولا على الأرض (متى23: 9). لكنَّها ظلت حسرةً في قلبهم إذ لم يروا ” أباه السماوي ” وكاد يسوع يفارقهم. كم جهلهم كبير، وكم حظهم تعيس !. لقد أثار ذلك حفيظة يسوع حتى تشكى منهم مرةً : ” حتى متى أبقى معكم ؟. والى متى أحتملكم ” ؟    (متى 17:17). إنهم بطيئوا فهم الجديد الذي أعلنه يسوع عليهم. أما أن يُغَّيروا ما في ذهنهم فشبه مستحيل. ولولا تعلقهم بالمعلم بسبب حبه العظيم لهم

ونقاوة سيرته والآمال التي عقدوه عليه لكانوا قد تراجعوا عنه من زمان (يو6: 66-67). لقد أمنوا أنه المسيح ” قدّوسُ الله ” (يو6: 69). لكنها ظلت الحسرة في قلبهم أنهم اشتهوا كثيرا أن يروا هذا الله أباه ، كما أشتهى أن يراهُ موسى (خر33: 18) وإيليا (1مل19: 10)

•       أنا والأب واحد

وبعدَ أن كَّلوا عن معرفة وجهة سفره والطريق اليها أظهروا شوقهم الدفين الى رؤية اللـه الذي سَّماه ” الآب “. إذا كان الله أباهم أليس من حقهم أن يروه ؟. فرؤية الأب ومعرفته تثلجُ الصدرَ وتشَّددُ معنويات الأبناء. فرفع فيلبس هذه المرة صوتَه بخجل وترَّدد : ” ربَّنا ، أرِنا الآبَ وحسبُنا “!. ولمْ يتأخرْ جواب يسوع بنبرتِه الشجية الحاملةِ لومًا أخويا :” أ لمْ تعرفني ، طوالَ هذه المدة ، يا فيلبس؟. كيفَ تسألُ هذا السؤال  ؟. أ لْم أقل لكم منذ زمن أنني أنا والأب واحدٌ ؟(يو10: 30). أفهموا بقى | من رآني رأى الآب ؟ “أفهموا أني  اللـه ” ألا تُمَّيزون بأنَّ

أقوالي وأعمالي هي أقوالُ اللهِ وأعمالُ ه؟. صَّدقوا وكفاكم الترَّدد !.  آمنوا و بَّطلوا من أن تقيسوا كلَّ الأمور بمنظاركم البشري الحّسي المحدود. أرفعوا أفكارَكم وقلوبكم الى فوق. أنتم محظوظون. لقد أُنعِمَ عليكم ما لم يُعطَ لغيركم. تمَّنى ملوكٌ وأنبياء أن يحصلَ في زمانهم ما ترونه أنتم وتسمعونه لكنهم لم ينالوا مأربهم (لو10: 24)

•       صراعٌ كسَــبَه الحُّب

يومَ خلقَ الله الإنسان حَّذرَه من تبعية الشهوة الحسية ودعاهُ الى التسامي في الروح وتغليب

الفكر على اللذة. لكنه لم يكن قد إختبرَ الحُّبَ ولا كان قد تعَّلقَ بالله. وعند هبوب أولى ريح التجربة سقط. واليوم وبعد خبرةِ ملايين السنين من التمَّرغ في وحل الجهل ، وبعد ألوف السنين من إختبار حُّبِ الله ومَّدِه يد العون له ، وبعد ثلاث سنوات جهادية من عيش الله بينهم مقتسما معهم معاناتِهم وآمالهم ما زالَ القلقُ يلفُ حياتهم والجهلُ يُغَّوشُ رؤيتهم للواقع؛ لكنهم إقتنوا بالمقابل حسًّـا أقوى عن التعَّلق الشديد بمن ، حتى إذا لم يكتشفوا عمليا هويته ، رأوا فيه نموذجا للحق والعدل والرحمة وتيَّقنوا من قدرتِه الفائقة بل من تفّوقهِ على كل

قوة أو سلطان في الكون كله إذ كانت القوى الشّريرة نفسها تخضع له (مر1: 27). لم يروا ولا سمعوا أن إنسانا أحَّبَ مثله وغفر ورحم وساعد. لقد إلتصقوا به مثل ظلِهِ ، ولم يكونوا بعدُ قادرين أن يتصَّوروا حياتهم من دونه أو بعيدا عنه. فمأساته لم تعمل سوى على الوثوق أكثر ببراءَته. وجهلهم دفعهم بثقة أعظم نحو الاعتراف معلمه اليقين. الآن قد عرفوا من هو الله ! وكيف يكون الله ! وماذا يريدُ الله ! لقد رأوه. لذا لن يغويهم من جديد التنين القديم ، ولن تقومَ في الدنيا قوة تحولُ بينهم وبين يسوع ، بينهم وبين الله.  فالمحبة التي زرعها يسوع قد أينعت (رم 8: 35-39).

الحُّب أنتصر ، وسينتصرُ أبــدا

•       المؤمن ، مسيح آخر

الحُّبُ رأى ما لم تره العين !. الحبُ سمع ما لم تسمعه الأذن !. والحبُ أحَّسَ بما لم تشعرْ به الحواس !. والرسلُ عاينوا ما لم يختبرْه الغير. لقد كانوا الشهود الأوحد لما عمله الله ولن يتكررَ مرة أخرى : لقد عاينوا موت الله وآحتياءَه بسبب حبه وقدرتِه العظيمة لخلاص الإنسان. لن يرَ التأريخ آخرَ مثله. إنما يتحَّولُ تلاميذه إلى صورة ً أخرى منه يُمَّددونه عبر الأمكنة والأزمان. لأنَّ من آمن به ” يعملُ هو أيضا الأعمالَ التي أعملها. بل يعمل أعظمَ منها ” لأنَّ المسيح يتشفع له عند ” الآب ” ويستجيبُ له مهما سأله (آية 14

وكم يقلق إنسانُ اليوم وكم يضطربُ المسيحيون وهم يعيشون أحداثا شبيهة بأحداث موتِ يسوع المسيح. تطمئِنهم الكنيسة وتقول لهم :” لا تضطربْ قلوبكم. آمنوا بالمسيح الذي غلب العالم “. اللـه بينكم ومعكم. حاولوا أن تعرفوه جيّدا ، وأن تحبوه كثيرا وأن تثقوا به وحدَه. وآهتموا بأن تحققوا دعوتَكم فتكونوا ” يسوعًا ” آخر تنشرون أعمال الله في العالم. ولا تنسوا أن تتكلوا عليه وتسـألونه كلَّ حاجاتِكم. إنه السميعُ المجيب

القس بـول ربـان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO