الأحد الثالث من الصيف

الأحد الثالث من الصيف

النصوص التي تسبق هذا النص تبين لنا بأن المسيح يعلن لليهود أنه نور العالم. وجاء لكي يزيل الظلمة في بداية الأمر من قلوب البشر ويبددها، ويحملهم إلى نور مجده. وذلك لأنهم كانوا يحتاجون إلى المحرر الحقيقي ليهبهم
استنارة داخلية، ويتهللوا مع إبراهيم أبي المؤمنين بيوم الرب العجيب. وبعد كل هذا العمل أرادوا أن يرجموه فاختفى عنهم، وذلك ليس خوفاً بل من أجل أن يعمل لخدمة البشرية ويظهر لكي يهب البصر للمولود أعمى، فعلموا بعد أيامٍ أو شهورٍ قليلة من الحوار السابق. كان يجب عليهم أن يتلامسوا ويلتقوا مع واهب البصر، ليدركوا أنه واهب البصيرة أيضًا في هذا العالم الذي يعمه الظلام في كل مكان

لم يكن هناك أي نصوص لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد بخصوص فتح عيني مولود أعمى سوى في هذا النص، ولكن قد ورد في العهد الجديد عن عطية النظر للعميان كأحد أعمال المسيح المنتظر: “ويسمع في ذلك اليوم الصم أقوال السفر، وتنظر من القتام والظلمة عيون العمي” (إش ٢٩: ١٨)، “حينئذ تنفتح عيون العمي وآذان الصم تتفتح” (إش ٣٥: ٥)، كما قيل عن عبد الرب (الكلمة المتجسد): “أنا الرب قد دعوتك بالبرّ، فأمسك بيدك وأحفظك، وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم، لتفتح عيون العمي” (إش ٤٢: ٦-٧). ويسبح المرتل الرب قائلًا: “الرب يفتح أعين العمي” (مز ١٤٦: ٨

ولكن الإنجيليين وهم يشيرون إلى تفتيح أعين العميان، خاصة هذا المولود أعمى يعلنون تحقيق النبوات خلال شخص يسوع بكونه المسيا المنتظر، الرب الذي يفتح الأعين الداخلية للقلب مع العيون الجسمية. فيه قد تحققت النبوات، حيث تمم أعمالًا لا يمكن أن يمارسها غير الله نفسه، أو باسم الرب

فشفاء المولود الأعمى يعلن عن شخص السيد أنه جاء يفتح البصيرة الداخلية والخارجية، لكي يتعرف المؤمنون على أسرار الله. وفى نفس الوقت يفضح عمى القيادات المرائية المتعجرفة التي لم تستطع أن تكتشف عماها الروحي وخطاياها

فمع أهمية هذه الآية الفريدة من جهة خلق عيني مولود أعمى إلاَّ أن الإنجيلي لم يذكر لنا اسم الأعمى، ولا ذكر أي تفاصيل كثيرة عنها بل ركز على الحوار المتابدل بخصوص هذه الآية، فحديث المسيح مع تلاميذه ومع الأعمى نفس
الحديث مع الفريسيين. فإن ما يشغل ذهن الإنجيلي ليس إبراز ما في الآية من عملٍ معجزي فائق، وإنما في تمتع البشرية بعمل المسيح الإلهي في حياتهم وأفكارهم

فاستعمال التراب في خلقة العينين ليؤكد أنه الخالق المخلص، أما طلبه من الأعمى أن يغتسل في بركة سلوام ليؤكد الحاجة إلى مياه المعمودية وذلك للتنعم باستنارة الروح القدس خلال الميلاد الجديد. لقد طرد اليهود المتمتع الاستنارة ليجد له موضعًا لدى المسيح، مسيح المطرودين والمرذولين

فإن كان البعض من الشعب قد أدرك عماه الروحي أو الفكري أو أي عمى أخر وتعرف لهذا العمى الذي يحمله في حياته فهذا معناه إنه عاد إلى حضن الله مرة ثانية وأصبح أفضل من الفريسيين الذين مع عماهم ادعوا أنهم مبصرون فاصبحوا في غباوة بلا رجاء. فباب التوبة مفتوح للجميع بدون إستثناء وبدون تميز. أما الذي يعني عماه وخطيئته يكون على مثال العشار والزانية فإنهم أعترفا بعماهما ونفتح أمامهما باب الرجاء ليتمتعا ببصيرة فائقة وينعما بالحياة الأبدية في المسيح يسوع

فالمسيح يدعونا في كل يوم لفتح لا فقط أعيوننا بل الأهم من هذا أن نفتح أذاننا وأفكارنا لستقبال كلمة الله الحية لكي تكون واقع حقيقي في حياتنا من أجل تنوير رسالتنا ونصبح أبناء الله بعيدين عن كل خطء وخطيئة

الأب إيهاب نافع البورزان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO