الأحـد الأول للصـيف ســنة الأيمــان

الأحـد الأول للصـيف ســنة الأيمــان

 

نوسرديل : عــيد الله ٧ تموز ٢٠١٣

عـيد الـ ١٢ الأثني عشر رسولا

 

سمعنا في رسالة اليوم “> 1كور 4: 9-16<” عن أوضاع الرسل القاسية لأنهم يُهانون ويُعَّذبون ويُهَّدَدون بالقتل ، ومع ذلك لم يفُـه الرسول بكلمة تـذّمر ولا إعتراضٍ ولا تشَّكٍ ، ولا بالمطالبةِ بحَّـقٍ. بل يُصَّرحُ الرسول أنه لا يُهّمُه حكمُ البشرومواقفهم، ولا يُعَّـددُ محاسنَ كان من المفروض أن يعترفَ الناسُ بها. بل يكتفي براحةِ ضميرِه ، لأنه يؤدي المطلوب منه ، وكما هو مطلوب ، و ينتظرُ تقييمَ اللـه وحـدَهُ لعملهِ إذ ” ينالُ كلُ واحدٍ من اللـه ما يعودُ عليه من الثـناء “(1كور4: 5).

 

إستوقفني هذا الحديث وتساءَلتُ : هل هذا مقبولٌ في جيلنا بين المسيحيين وحتى بين الأكليروس ؟. هل يقبلُ حتى رسلُ اليوم بأن يعملوا ويتعبوا ويُضَّحوا ولا أحدَ يعترفُ بعملهم ؟ ولا أحدَ يُثني عليهم ؟ ولا أحد يُكافئُهم؟. بل أكثر من ذلك : هل يسكتون على الأهانات ؟ هل يقبلون عملاً إضافيا فوقَ مسؤوليتهم الرسمية ؟. هل يقدمون خدمةً لوجهِ اللـه ؟. ألا بتذَّرعون بألفِ حجّةٍ ليتمَّلصوا من تقديم مساعدةٍ ما؟. هل يقبلون أن يُضَّحوا براحتهم وبمالهم لأجل تحقيق رسالتِهم؟. أسمعُ كثيرًا: نحنُ أيضا بشر ! نحن أيضا نحتاجُ إلى دعم بالأعترافِ بعملنا وأتعابنا !. نحن أيضا نحتاج إلى الراحةِ وإلى مكافأةِ جهودِنا !.

 

وبينما أسمعُ هذه الأعتراضات رأيتُ يسوع المسيح ، المؤمنَ والكاهن والرسول الأول والذي دعا رسُلَ كل الأزمنة ليتابعوا رسالته ويتعاملوا مع الناس ومع العالم كما تعاملَ هو وأعطى مثال الخدمة (يو13: 15)، نعم أراهُ يخدُمُ مجّانا ، ويتجاوبُ مع متطلبات المحتاجين، ولاسيما بأنه يثبُت على قول الحَّـق قابلا أن يدفعَ ثمنَ ذلك بالسكوتِ على تعذيبِه وتعليقِه على الصليب وإهانتِه !!.ولا أسمعُه لا يتشكى ولا يتذمر ولا يعترض ولا يطالب لا بحَّـقٍ ولا بحقـوق!. وأكثر من ذلك أسمعُه بأنه يُسامحُ لا فقط صالبيه بل كل البشر وعلى جميع أخطائِهم.

 

ولما قرأتُ مار بولس لم أستغرب كلامَه فقد إفتهَمَ مُعَّلِمَه ، إفتهم قُّـوة رسالتِهِ، كما إفتهم أيضا عمقَ دعوتِه الخاصة كرسول للمسيح وليس لأىٍ آخر. إفتهمَ عمقَ الأيمان وقوة المحّبة التي ترافقُ آلامَ الرسول وشدائدَه. وإذا كان أهل العالم لم يفهموا قيمة الألم والصبرعليه فحسبوا ” الصليب جهالة وعـثرة” إلا إنَّ المؤمن الحقيقي رأى في الصليب وآلامه وإهاناتِه ” قدرة اللـه وحكمته ” (1كور1: 48). فلا يترَّددُ في إعلان إفتخارِه بالصليب ، لذا لا يُهّمُه إذا كان العالمُ يصلبُه بنبذِه ومقاومتِهِ ومضايقِته. وكم بالأحري لا يهمه ولا ينتظر لا تقييم الناسِ له ولا تكريمهم ولا حتى الأعترافَ بفضلِه أو حقوقِه. بل لم يبقَ له ، مثل معلمه يسوع ، لا حَّقٌ ولا أجرٌ. فالبشارة وتبعياتُها فريضةٌ عليه ،و يقول :” والويلُ لي إن لم أُبَّشر”(1كور9: 16). ورأى أنَّ آلامَه تمتزجُ في آلامِ المسيح فتؤولُ إلى بناءِ الكنيسة. فيُصَّرحُ :” يسُّرني الآن ما أعاني لأجلكم فأُتـمُ في جسدي ما نقصَ من آلام المسيح “(كو1: 24) ، ويُضيفُ :” لقد أُنعمَ عليكم أن تتألموا من أجلِ المسيح، لا أن تؤمنوا فقط “(في 1: 29). حياةُ المسيح هي ألم ونصر. وعلى التلميذ أن يكون مثلَ مُعَّلِمِه. فإذا أراد مجد النصرعليه أن يحملَ أولا صليبَ المحبة والتضحية في الألم (في3: 10-11)؛ ” إننا نحملُ في أجسادِنا كلَّ حينٍ آلامَ موتِ المسيح لتظهرَ في أجسادِنا حياةُ المسيح أيضا “(2كور4: 10).

 

فلا نستغربُ ، بعدَ هذا ، أن يدعونا الرسول إلى الأقتداءِ به. أما نحن فقد تعَّوَدنا على رفض الوجه الأليم لحياتِنا المسيحية ، لأننا نحهلُ قُّـوتهُ الأيمانية والخلاصية، ولأننا ننسى أن الصليب كان سُّلمًا إلى المجد. تعَّوَدنا على مطالبةِ حقوقٍ وقلما تساَءَلنا : هل نؤدي واجباتِنا كما ينبغي ؟

لقد إندمَجنا كثيراً مع أهل العالم وفكره وروحِه بحيثُ أضَعنا هوّيتنا الخاصة وأصبحنا أتباعًـا للعالم فأنطفأَ نورُنا ، وفقد ملحُنا طعمَه وفسدَت خميرتُنا فأصبحنا فريسة رخيصة للصَّيادين الذين كان يجبُ علينا أن نصطادَهم نحنُ للمسيح!. وهكذا لا فقط ضاعت حقوقنا بل ونسينا واجباتِنا. هل فكَّرنا يوما بأنَّ لاحق لنا على شي عند اللـه ، وأما واجباتنا تجاهه كثيرة وكثيرة ؟ هل نسينا أنه خلقنا ، وخلصَّنا وزَّودنا بروحِه القدوس ليسندَنا في جهادِنا ؟؟. هل عرفنا أنَّ أداءَ واجباتِنا هو الذي يُسَّجلُ لنا حقوقا ؟ أليست ساعاتُ العمل المضنية هي التي تضمن للعاملَ حقَّ نيل أجرةً عادلة؟. من يقدر أن يأخذَ دون أن يدفعَ أولا ويُعطي من جهدِه ودمعِهِ ودمه؟. لهذا إجتهدَ مار بولس أولا في تتميم واجبِه قبل أن يطالبَ بحّقه. بل لم يُطالب به أبدًا لدى البشر. لأنه وضع كلَّ رجائِهِ في تقييم اللـه وحده وآمن بمُجازاتِهِ العادلة (2طيم 4: ).

لم يتوقف اللـه عن العمل و كذلك المسيح (يو5: 17؛ يو9: 4)، ولم ينتظر يوما أن يشكره الناس لا بل حتى ولا أن يعترفوا به وبفضلِه. وإذ نكروه لم يُنكرهم هو بل ظلَّ يمُّدهم بالشمس والمطر ولم يتذمر من الناس. يستمرُّ يعملُ الخيرَ ولكن كم واحد يعترفُ بفضلِه ؟. هذا لا يعني أنه لا يُحاسبُهم بعدَه؟. او بالحري هذا لا يعني أنه يوافقُ على أخطائهم. لكنه لا يُطالبُ بحَّق لأنه يُحّبُ ويُساعدُ فيخدُمُ الأنسانيةَ. ويريدُنا أن نتعَّلمَ منه لا من العالم.

 

القس بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO