تكوين العهد الجديد ٨

الجزء الثاني: الحلقة الثامنة

تكوين العهد الجديد ٨ :

صياغة الأناجيل

 

 

3- انجيل قبل الاناجيل.

انجيل شفهي وصل إلى الناس قبل الاناجيل التي ستدوّن بعد سنة 70. سلّم بولس إلى المؤمنين ما تسلّمه. وظل يذكر الاعلان الشفهي الاول حول موت يسوع وقيامته (1 كور 15: 1- 11): هذه هي البشرى السعيدة (= الإنجيل) التي بدّلت حياته، بدّلت حياة الرسل وحياة الكورنثيين.

 

اولاً: ذكرت رسائل القديس بولس الموضوع الأساسي في الإنجيل. ولكنها وضحّت في نقاط خاصة سر يسوع المسيح. لماذا؟

* تعكس هذه النقاط الخاصة حاجات الجماعات الأولى، كما تنوّعت حسب الظروف. فكيف نستنبط في عالم القرن الاول المسيحي المعقّد، اسلوب حياة جديد ينعشه روح القائم من الموت، فيترجم ما في الحياة المسيحية من جديد؟ أي موقف نتخذ من الغنى؟ كيف تكون علاقاتنا مع الخطأة أو الوثنيين؟ ماذا نقول عن نهاية العالم؟ كيف يتميّز هذا الايمان الجديد عن العبادات السرّانية المعاصرة؟ هل يكون المؤمن مواطناً صالحاً دون أن يعبد الامبراطور؟ كيف نمارس وظائف في المدينة دون أن نشارك في شعائر العبادة الرسمية؟ ومجمل الكلام، كيف نستخرج في الحياة اليومية نتائج الارتداد الذي تمّ في حياة المؤمن؟

 

* يرى المسيحيون أن ما قاله يسوع وعمله يبقى أفضل تعليم في حياتهم اليومية. وتكرّرت الاسئلة في ظروف جديدة، فتقبلّت أقواله يسوع وأعماله رنّة جديدة وتفسيرات مختلفة: – عرفت المجموعة المسيحية الهجومات العنيفة أو الاضطهادات، فتذكّرت مجادلات يسوع مع خصومه. مثلاً، خبر شفاء المولود أعمى، يو 13:9- 34. – تنوّعت نسخات خبر العشاء السري، من جهة في مت 26:26- 29؛ مر 22:14- 25، ومن جهة ثانية في لو 14:22- 20، 1 كور 23:11- 25، فاستعادت تعابير مختلفة ثبتّها الاستعمال الليتورجي في هذه الجماعات. – تحدث مت 10: 10، عن أناس من فلسطين يعتبرون الحذاء ترفاً فقال: “لا تأخذوا حذاء”. وتكيّفت كلمات يسوع لأناس يعيشون في خارج فلسطين لم يعتادوا أن يمشوا حفاة. قال لهم مر 9:6 “إنتعلوا حذاء” دون ان يتنكّر لوصية الفقر التي يعلنها يسوع. وجوهر الحديث هو أن يكون المرسل مستعداً للانطلاق في كل ساعة حسب خر 12: 11. في هذه الحالة، ما أراد متى ومرقس أن يوردا كلام يسوع إلى الرسل على حرفيّته، بل أن يشددا على متطلبة الفقر المفروضة على كل المرسلين. غير أن هذه المتطلبة ترتدي أشكالاً تتنوع بتنوع البلدان.

 

* وهكذا، خلال أربعين سنة، تكوّنت تقاليد شفهيّة متعدّدة. وبرزت وحدات صغيرة حسب السامعين وحاجاتهم: أقوال، أخبار، ذكريات عن يسوع. وضعت في أشكال مختلفة فألقت ضوءاً على اسئلة المسيحيين الحالية. وإذ قام المسيحيون بهذا العمل، أعادوا قراءة كل حياة (أعمال، أقوال، شخصية) يسوع على ضوء الفصح. فبالقيامة أكّد الله طريق يسوع على الأرض. واكتشفت الكنيسة المعنى العميق لأعمال يسوع وأقواله بقيادة الروح الذي ذكّرها بكل ما قاله يسوع (يو 14: 26) وأوصلها إلى الحقيقة كلّها (يو 13:16).

 

ثانياً: وحين نعرف الرسمة المشتركة التي تؤسّس الكرازة الرسولية، نفهم الاختلافات بين النصوص الإنجيلية بتنوّع الظروف والسامعين. ماذا كان باستطاعة المرسلين أن يفعلوا أمام هذا التنوّع؟ كانوا متيقّنين أن قيامة يسوع التي دشّنت الازمنة المسيحانية، مهمة جداً لكل الذين تتوجّه إليهم. إذن، عليهم أن يختاروا الطريقة الفضلى لعرض ما يجب أن ينقلوه. لهذا لم يعلنوا القيامة لليهود كما أعلنوها لليونانيين. كما وجّهوا نداءهم إلى التوبة بصورة مختلفة. فعادوا إلى العهد القديم أو لم يعودوا. حين تحدّث بولس في مجمع انطاكية بسيدية، ذكر تاريخ إسرائيل الذي يعرفه سامعوه (أع 13: 16- 23). ولكنه حين تحدّث إلى أهل اثينة ذكر شعراء اليونان (أع 17: 22 ي). ولامست المسيحية الأولى بعض الافكار والمواقف والعقليات التي عرفها المرتدون أكانوا سامريين أم معمدانيين أم اسيانيين. وفي الوقت عينه، عرف المسيحيون أن يبتعدوا عن بعض الأفكار التي سيطرت في عصرهم. فالكلام عن المسيح سيصاغ بشكل مبتكر، ولكنه سينطلق من مواد عرفها العصر الأوّل المسيحي.

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO