الأحــد الثالث للرســـل

الأحــد الثالث للرســـل

ســنة الأيمـان

أحــد الكهنــوت

بدءًا من ترنيمة صلاة الرمش ومزموره ، مرورا بقلتا وقانونا ، و وصولا إلى دْ قنكى وزومارا كلُ هذه الأجزاء تشير إلى وتتحَّدَث عن الكهنوت فتقول :” نِعِـمَّ الكهنوت و درجتُه أسمى من الجسدانيين ، إستلمه موسى على جبل سيناء وسَّلمَه لهارون+ خدم كهنوت هارون ظلا ورمزا ، إلى أن أعطى ملكوتُ العلى رسالة شمعون + ” (حوذرا 3/ ص115). وأَّيَـدَ الأنجيلُ هذا بخبر اليهودي الذي وقع بأيدي اللصوص ولم يسُعفه لا الكاهن ولا اللاويُ بل غريبٌ هو السامريُ الصالح (لو10: 25-37). وبَّينَ بذلك بأنَّ الرحمةَ عنصرٌ هام للأيمان و وجهٌ مشّعٌ للمحَّبة. والرحمة تنبعُ من المحّبة ، والمحّبة تُنبتُ الرحمة ، وكلتاهما معا صورة حَّية عن اللـه وصدى لدعوتِه ومشيئتِه. ورسول اللـه شاهدٌ أولا لها وليس لتباهيه بالمنصب ولا حَّق له في إحتقـار البسطاء والمنبوذين

أما في الرسالة فيُقارنُ بولس بين الزواج والبتولية التي هي تكريسٌ لله. والبتولية أقربُ إلى الكهنوت ، وهي إحدى دعائِمُه. كلتا الحالتان مقَّـدَسةٌ. وكلُ مؤمن مدعـوٌ إلى واحدة من الحالتين (1كور 7: 1-7). ركَّـزَ بولس على أفضلية البتولية فقال :” يحسُنُ بالرجلِ أنْ لا يمَسَّ إمرأةً “(آية.1)، ثم أضافَ ” إني أَوَّدُ لو كان جميعُ الناسِ مثلي “( أية 6) ، أى بتولين لأنَّ بولسَ كان أعزبًا بتولا كَّرسَ حياتَه لخدمةِ الله. لكنه لافقط لا ينكُرُ شرعية الزواج بل ويعترفُ بقُدسيَتِهِ لأنه يُحَّققُ إرادةَ الله فيقولُ :” كلُ إنسانٍ ينالُ من الله مَوهَبةً خّاصة به ، فبعضُهم هذه (البتولية ) وبعضهم تِلكَ (الزواج (آية 7).ا

وقد يتساءَلُ أحدُنا من أين أتى بولس بفكرة ” البتولية “؟. لم يعرفْ تأريخُ شعب الله أنَّ إنسانًا إختارَ بملءِ فكرِه ورغبتِه حالة العزوبة؟. يبدو إيليا النبي أنه أعزب ولكن لم يذكر الكتابَ لماذا وكيف تمَّ ذلك ؟. يظهرُ فجأةً وبعد أحداثٍ يختفي ، كما ظهر، دون أن يُذكرَ له لا أصلٌ ولا نسلُ (1مل 17: 1؛ 2مل 2: 1-18). ما يمتازُ بهِ هو أنه رسولٌ لله يؤدي ما يطلبه منه. وكذلك أليشع ،تلميذ أيليا ، يبدو أيضا أعزبا لأنه هكذا كان عندما دعاه ايليا لخدمة الرب (1مل 19: 19- 21). لكنه هو أيضا لم يختر حالته بل جذبه ايليا بحركةٍ غريبة ” مُلقيًا عليه عباءَتَه”! رامزَا بذلكَ إلى أنه أصبحَ مُلكَهُ. هكذا طلبت راعوث من بوعز أن يبسطَ عليها طرفَ ثوبِه دلالةً على أنه ولِيُّ أمرِها (راع 3: 9). وحتى عزوبة إرميا النبي أتت بقرار إلهي لا بآختيار طوعي :” قبلَ أن أُصَّورَكَ في البطن إخترتُك. وقبلَ أن تخرجَ من الرحِم كَّرسْتُكَ .. “(ار1: 4-5)، فـ ” لا تأخذ لكَ إمرأة، ولا يكن لكَ بنون وبنات في هذا الموضع” (ار16: 2). بينما بكت إبنة يفتاح بتوليتها إذ حرمت من الزواج والنسل (قض11: 37-39). ا

أما بولس فمن أين أتته فكرة البتولية ؟. هل عرفَ ذلك من مريم العذراء؟. لا شيء يؤكدُ ذلك. كان بولسُ شابا متحَّمسا لأيمانِه عندما دعاهُ الرب. لا بد وأنه سمعَ من الرسل عن تعليم يسوع الذي يؤكدُ ، كما نقله لنا متى ، أنَّ بعضَ الناس ” خصوا أنفسَهم من أجل ملكوتِ السماوات “(متى 19: 12). وكلامُ يسوع واضحٌ أنه بالأضافةِ إلى دعوةِ الله هناكَ إختيارٌ شخصي وطوعي لحالة البتولية لرغبةٍ وأسبابٍ شخصية. لقد تسَّربَ هذا التعليمُ إلى عمقِ كيان بولس وهو الفّريسي المتشَّبع من الشريعة ” حفيظا على العمل لله ” (أع22: 3). ا

لقدَ آمنَ بولسُ بأنَّ التعليم الجديد يتطلبُ إطـارًا جديدًا.لأنَّ ” الخمرَةَ الجديدة يجب أن توضعَ في زِقاقٍ جديدة ” (لو5: 38). ويتطلبُ رُسلا لا يكتفون بإعلان الخبروالتشديدِ على حرفيتِه بل يؤدون عنه الشهادة في حياتِهِم (لو24: 48؛ أع 1: 8 )، فلا يحيون هم بشريا بل المسيحُ يحيا فيهم (غل2: 20). ومُهّمةٌ كهذه تتطلبُ التفَّرغَ الكامل والتجَّردَ عن كل ما يُعيقُ رسالتهم. بل وتتطلبُ من الرسولِ أن يتعَّلقَ بمحبةِ معَّلمهِ فوقَ كلِ شيء بحيثُ يكونُ مُستعّدًا أن يتخّلى عن أقرب الأقرباء وأحَّب الأحباب، حتى الوالدين والزوج والأولاد ، بل حتى عن ذاتِهِ فيحمل صليبَه ويتبع يسوع عائشا نموذجه (لو14: 26-27 ) ، لأجلِ تلمذةِ الله وبناءِ ملكوتِه. هذا الأمتلاكُ الكلي من قبل الله لمن يُحّبُ ان يكون تلميذا له ورسولا شاهدا على حياتِه لا يقبل لا الشكَ ولا الأعتراض. لأن من إختارَه الله رسولا له عليه أن يتشَّبه بالله في كل شيء ، ويكون قد كَّرَسَ له ذاتَه بكليتِها. هذا الأمر لا يقبلُ لا الترَّدُد ولا النقاش ولا الرفض. فمن دعاهُ الله يريدُ أن يُشركَه بحياتِه وأن يخَّولَه عملَه وسُلطانَه


وبولس هو الذي أعمى الرَّبُ ،على طريق دمشق، بصرَه عن حياةِ الجسد والعالم وفتحَ بصيرَتَه على حياةِ اللـه ، وأذاقَه طعمَ مشاركةِ مجد الله ، هذا بولس لم يكن بوسعهِ غيرَ أن يكَّرسَ حياتَه بدقائق تفاصيلها لله. وآفتهمَ بسهولةٍ لم ينلها ربما غيرُه سمُّوَ مجد حياةِ البتولية وتفَّـوقَ العزوبية على الزواج الذي ليس سوى من متطلباتِ حياةِ الأرض ويزولُ بالموتِ إذ تنتفى الحاجةُ إليه في السماء ” حيثُ لا الرجالُ يتزوجون ولا النساءُ يُزَّوجنَ ، وانما هم كالملائكة ” (متى22: 30). ا

ولهذا لا نستغرب عندما نقراُ بولس يقول:” المتزوجُ يصرفُ هَّمَـهُ إلى أمورِ العالم والوسائل التي يُرضي بها زوجه ، فهو منقسم. ..أما غيرُ المتزوج فيصرفُ هَّمَـهُ إلى أمور الرب لينالَ القداسةَ جسدًا وروحاً “(1كور7: 33-34). وهذا ما يدفعُهُ أيضا إلى القول :” نحن نسلكُ سبيلَ الروحِ. والذين يسلكون سبيل الجسد ينزعون إلى ما هو للجسد … والجسد ينزعُ الى الموت.. أما الروحُ فينزعُ إلى الحياةِ والسلام… والذين ينقادون الى روحِ الله يكونون حَّـقا أبناءَ الله ..”(روم 8: 4- 14). لأنه كما قالَ الرب :” الروحُ هو الذي يُحيي. أما الجسدَ فلا ينفعُ شـيئا..” (يو6: 63). ا

هكذا قد أخذ يسوع بمجامعِ قلب بولس بحيثُ لمْ يرَ الحياةَ في غيرهِ. وأما فيه فرأى المجدَ والهناءَ في قمَّـتِها وفي ذروةِ إشعاعِها وبهائِها. وما إختبَرَه عرِفَ أن الربَ يعرُضُه على كل من يدعوهم ليُشاركوا مـجدَه وراحَـتِه (يو17: 24؛ عب4: 2-11). ولهذا لم يخجلْ ولا ترَّددَ في دعـوةِ المؤمنين إلى البتولية بعدَ أن إختارَها لنفسِه لأنها صورةُ الحياةِ الأبدية

ولهذا أيضا لا نستغربُ إذ نرى أنَّ الكنيسةَ تُصّرُ وتُلِـحُ على بتولية الكهـنة رغمَ كل المشاكل وجميع الأحتجاجات من الذين لم يفهموا سّرَ التكرُسِ للـه في محَّـبةٍ عميقة للمعَّـلم والتشَّبُثٍ به. ولا حسبوا حسابًا لكون البتوليةِ صورةً لحياةِ اللـه ،وتسبيقٌ فشهادةٌ لعيشِ الحياة بأسلوبِ السماء من الآن. إنَّ الكنيسة تُعلنُ سُّـمُوَ الدعوةِ الكهنوتية. وتدعو الكهنة إلى الأرتفاع إلى مستوى قامةِ المسيح كما دعاهم الربُ نفسُه. و في صلاتها الطقسية لصباح اليوم تقولُ الكنيسة : ” عندما يدخلُ الكاهنُ بيتَ المقدس تقفُ فوقَهُ أجواقُ الروحانيين وتتطلّعُ إلى الكاهن الذي يكسرُ جسدَ المسيح ويُوَّزعُه لغفـرانِ الذنوب ” ( حوذرا 3/ ص117) ، و تُضيفُ :” تعالوا نتقَّـربُ الى الكهنوتِ ملحِ الأرض الذي يُعطي، بقوةِ الروح، طعما للفاهين ” ( ص115).ا

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO