تكوين قانون الكتاب المقدس للعهد القديم ٤

الفصل الثاني: الحلقة الرابعة

توسع قانون الكتب المقدسة للعهد القديم

 

إنّ القانون المسيحي للعهد القديم يحتوي كل الكتب المقدّسة كما نقرأها في الترجمة اليونانية، وهذا يعني أنّ الكنيسة تضيف إلى الكتب القانونية الأولى (أي تلك المكتوبة بالعبرانية والآرامية والتي أقرّت في مجمع “يمنية”) الكتب القانونية الثانية، فتعتبر أنّ الإلهام يشمل أسفار طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروك وسفرَيْ المكّابيين، عدا بعض فصول من أستير ودانيال كتبت باللغة اليونانية. ويجدر القول إنّ الكنائس البروتستانتية تعتبر الكتب القانونية الثانية كتبًا منحولة تهدف إلى تغذية التقوى المسيحية دون أن يشملها الإلهام كالكتب القانونية الأولى. كرّس المسيح والرسل من بعده سلطة كتب العهد القديم، ورجعوا إليها مرارًا معتبرينها كلام الله. فيسوع يوبّخ الفريسيين لأنّهم “ينقضون كلام الله بسنّة من عندهم ” (مر 13:7)، والقدّيس بولس يعدّ العهد القديم “كلام الله الذي اؤتمن عليه اليهود” (روم 2:3). ولقد لجأ المسيح ورسله مرارًا إلى شهادات من العهد القديم في بشارتهم وفي كتاباتهم، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ العهد الجديد قد اتخذ العهد القديم على أنّه كلام الله وأساس إيمان. فالعهد الجديد يذكر تقريبًا جميع الكتب القانونية الأولى وهو يورد آيات من سفر التكوين وسفر الخروج وسفر اللاويين والعدد… كما أنّه يذكر نصوصًا من الكتب القانونية الثانية فيورد أو يلمح إلى آيات مأخوذة من طوبيا ويهوديت وسفر الحكمة وابن سيراخ والمكّابيين الثاني. ومجمل القول أنّنا نجد ما يقارب ثلاثماية وخمسين استشهادًا من العهد القديم في العهد الجديد، أخذ أكثرها عن النص اليوناني السبعيني وليس عن النص العبراني الماسوري. كما أنّه عندما يرد أحد النصوص في الأناجيل تسبقه عادة العبارة التالية: “لتتم الآية”، “ليتم الكتاب ” (مت 1: 22 ؛ لو 22: 37؛ 24: 44؛ يو 12: 38 ؛ 13: 18…). وهذه العبارة ترد سبعًا وثمانين مرة لتبيّن العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد، ولتدل على أنّ ما وعد به العهد القديم، قد تحقّق في العهد الجديد بشخص يسوع المسيح الذي هو نقطة الوصل بين العهدين.

 

نورد نصيّن من العهد الجديد. الأوّل ( 2 طيم 14:3- 17): “فاثبتْ أنت على ما تعلمته وكنت منه على يقين. فأنت تعرف عمّن أخذته، وتعلم الكتب المقدّسة منذ نعومة أظفارك، فهي قادرة على أن تزوّدك بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بالمسيح يسوع. فالكتاب كلّه من وحي الله يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر، ليكون رجل الله كاملاً معدًّا لكل عمل صالح “. والنص الثاني ( 2 بط 1: 19- 21): “فازداد كلام الأنبياء ثباتًا عندنا، وانكم لتَحسنون عملاً إذا نظرتم إليه كأنّه مصباح يضيء في مكان مظلم، حتّى يطلع النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم. واعلموا قبل كل شيء أنّه ما من نبوءة في الكتاب تقبل تفسيرًا يأتي به أحد من عنده، إذ لم تأت نبوءة قط بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلّموا من قِبَل الله “. من هذين النصين نستنتج أنّ كل الكتاب من وحي الله، وأنّ الكتب المقدّسة التي تعلّمها تيموثاوس على يد أُمّه اليهودية (أع 16: 1) تعني أوّلاً كتب العهد القديم، وهي تهدي إلى الخلاص في الإيمان بيسوع المسيح. فالنبوءات كالشرائع لم تأتِ بإرادة بشر، ولكن الروح القدس حمل بعض الناس على أن يتكلّموا من قِبَل الله.

 

فكلام الله وصلَنا عن طريق الآباء والانبياء كما وصلنا عن طريق المسيح، وهو كلمة الله ذاتها نقرأها في العهدين القديم والجديد. يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين (1: 2): إنّ الله، بعدما كلّم آباءنا قديمًا مرات كثيرة بلسان الأنبياء كلامًا مختلف الوسائل، كلّمنا في هذه الايام، وهي آخر الأيّام، بلسان الابن الذي جعله وارثًا لكل شيء وبه أنشأ العالمين. اعتاد آباء الكنيسة أن يوردوا الآيات من العهد الجديد والقديم على السواء، ليبرهنوا عن عقائد الإيمان، كما أنّهم أخذوا يشرحون للمؤمنين على السواء كتب العهد القديم والعهد الجديد، لأنّهم اعتبروا أنّ ما كتب قبل المسيح هو أيضاً كلام الله وقد كُتب بوحي الروح القدس. لا شك في أن كل ما كُتب قبل المسيح يجد كماله في المسيح، ولكنّه يبقى كلام الله.

هناك اختلافات طفيفة اذن ما بين قانون الكتب المقدسة العبري وما بين قانون الكتب المقدسة المسيحي للعهد القديم. يعود هذا الاختلاف الى انه كان هناك قانونين للكتب المقدسة العبرية في بداية العهد المسيحي: القانون الفلسطيني باللغة العبرية والذي تمت الموافقة عليه من قبل اليهود، والقانون الاسكندري باللغة اليونانية، والذي كان اوسع من الاول والذي كان يدعى ايضا “السبعينية” والذي تم تبنيه من قبل المسيحيين. ولكن عدد الكتب لم يكن محددا في فلسطين او في المهجر.

 

بما ان اكثر المسيحيين الاوائل كانو من اصل يهودي فلسطيني (عبرانيين او يونانيين) (اع 6: 1) فانهم في البداية تبنوا الكتب المقدسة العبرية. ولكن من خلال كتب العهد الجديد نستطيع ان نفهم بانه كانت هناك كتبا اخرى غير محسوبة ضمن الكتب العبرية. لان ما يستعمله كتاب العهد الجديد يدل على ان عدد الكتب المستعلمة في ذلك الوقت كان يفوق ليس فقط القانون الفلسطيني العبري ولكن حتى القانون الاسكندري اليوناني. عندما انتشرت المسيحية في العالم اليوناني كان المسيحيون الاوائل يستعملون ايضا الكتب المترجمة الى اللغة اليونانية. هكذا فان المسيحيين الاوائل استعملوا بصورة اكثر الترجمة السبعينية.

 

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO