صـلاة الجّــناز قبـلَ الدفنــة

صـلاة الجّــناز قبـلَ الدفنــة !ا

ســنة الأيمــان

أهلا وسهلا بالسائلة الكريمة والأخت العزيزة ، التي يبدو من كلامها أنها مهتَّـمةٌ بالأمور الطقسية. كيفَ لا وهي تقودُ من سنين جوقة الكنيسة، بصوتها البلبلي، في الألحان الطقسية ولاسيما، بإيمانها ، في طريق المسيح الروحي بغية بناءِ إيمان أبناءِ اللـه. وَّفقكِ اللـه وجازاكِ نعمةً وعافيـة

سألتْ جوليت يونان تقول : ” هل يجوزُ إقامةُ صلاةِ الجناز عن روحِ مَّيِتٍ لم يُـدفنْ بعدُ “؟. وآنتهزت الفرصة فطمعت لتضيفَ سؤالاً ثانيا ، تقول :” هل يجوزُ لمريضٍ حصلَ على مسحةِ المرضى وشُـفيَ. وبعدَ مرورِ سنين إحتاجَ إلى مسحةٍ أخرى ، هل سيحصلُ عليها ؟


أولا ً:   الجــناز والدفـنة

الجواب : يجـوزُ، بل وأقولُ مُفَّضـلٌ ومفروضٌ في ظروفنا المُعاصرة ، لاسيما في أوربا والعالم الغربي عامةً. لمـاذا ؟

أبـدأُ جوابي بطرحِ السؤال :” ولماذا لا يجوز؟ ماذا تعني صلاةُ الجـناز؟. هل تعني مساعدة ذوي المتوفي على البكاء بعد أن توارى عنهم وبدأوا ينسونه ، وبالتالي حتى يَدعـوا ” عَّـداداتٍ ” تصرخُ وتلطمُ وتُعَّـددُ مناقبَ المتوفي وتحاولُ إثارةَ عطفِ الحاضرين ودفعهم إلى البكاء ؟ وما الهدفُ من هذا البُـكاء ؟ هل يبغي تسلية المُصابين بسكبِ دموعِهم ، أم لآبراز عملية العزاء ليمدَحها المشتركون فيقولوا :” كانت أحسن تعزية “!، أم ليكونَ ربحُ العَّداداتِ أعلى وأبهَج ؟

أُذّكرُ القـراءَ الكرام بأنَّ الجناز ليس لآعطاء أهميةٍ للمتوفي أو لأهلِه. بل هو صلاةٌ خاصة ترفعُها الكنيسة من أجل المتوفى ليقبله اللـهُ في ملكوتِه بعدَ تنقيتِه من كل شائبة أو نقص إذا كان بحاجةٍ إليها. وبالنسبة إلى ذوي المتوفى تحاولُ الصلاة ، ولاسيما المِدراش ، بأن ترفعَ قلوبَهم بإيمان نحو اللـه وتذكرهم برجائهم في الحياةِ الأبدية ، وبالتالي بأن الميّت لم يُمحَ من الوجود بل هو باقٍ حَّـيًا ولا ينفعه البكاء بقدر ما يَنفعُه الدعاء من أجلهِ. البكاء قد يَنفعُ الأهلَ الأحياء ليتسَّلوا، أما الصلاة فتدعو إلى التفكير بالنهاية الخاصة لكل فرد ، وأنَّ الموتَ يأتي كسارق حسب قول الرب ولذا تحُّـثهم على السهروالأستعداد لمواجهة المصير في نهاية الحياة. وهكذا تُغّذي الصلاةُ رجاءَ المؤمنين وتُعَّـزيهم في مصابهم الأليم

وإذا كان الجنازُ صلاةً فما هو المانع ، أو ما الفرق من أن يُقامَ قبل الدفنة أو بعدها؟. هل نعتقدُ أنَّ اللـه لا يحاسبُ المتوفي حالَ وفاتِه بل يَتنظرُ أن يدفنهُ البشر حتى يُعلمَه بمصيرهِ الأبدي؟. بل أكَّدَ الرَّبُ للص اليمين :” اليومَ تكون معي في الفردوس” (لو23: 43)، أى لا ينتظرُ الله ماذا يجري للجسد بل يقررُ مصير الأنسان حالا بعد الوفاة. أما قالَ الأنجيلُ أيضا بأنَّ لعازر المسكين البار حصلَ الأقامة في الجنة مع إبراهيم حالَ وفاتِه وأن الغني الأناني الشقي نالَ العذابَ القاسي في الجحيم ؟ (لو16: 22). ثم هل يُحاسبُ اللـهُ الجسدَ الذي سيبلى ويعودُ إلى عناصرهِ الأولـية المادية ” أنتَ من التراب وإلى الترابِ تعود ” ، أم يُحاسبُ النفسَ ، صورتَه وروحًا من نسمتِه ، على أمانتِها وعلى الرسالةِ التي دعاها إليها وكلفها أن تؤديها ؟

يُبَّررُ البعضُ إعتراضَهم أو حتى رفضَهم ، خلا فا للأيمان المستقيم ، بأنهم لم يروا ، في أوطانِهم الشرقية ذي الغالبيةِ الأسلامية ، أحدًا يُجَّـنَزُ لهُ قبلَ أن يُدفَـنَ. صحيح. ولكن لنُفكّـرْ معا لماذا لم يكن يحدُثُ ذلك؟. هل لأنَّ الأيمانَ يمنعُ ذلك؟. هل لأنَّ تعليمًا كتابيا أو كنسيًا يحرُمُ ذلك؟. أبـدًا. بل لأنَّه لم يكن بالأمكان ببساطة حفظُ الأجسادِ من الفساد ، ولا كانت توجد مجَّمِدات لصيانة الأجساد ، ولا كانت قوانينُ أوأنظمة تمنعَ دفنها قبل 48 ثمان و أربعين ساعة!. بل كان النظامُ السائد واجبُ دفن الميّت بأسرع وقت إحترامًا له بالظاهر، و قبلَ أنْ يَّدُبَ الفسادُ فيه. أما في الواقع فلأنَّ الأعتقادَ الشعبي كان يُرَّوجُ لشُئمِ بقاء الجثة في البيت ، ويَّدعي أنَّ روحَ الميَّت تجولُ لتأخذ معها شخصًا آخر يُرافقُها. ولذا كانوا يرفضون إبقاءَ الميت في البيت ويُسرعون في دفنِه. وإذا آقتضت الحاجة لأبقاء الجثة إلى صباح اليوم التالي فكانوا يودعون الجثة في المعابد الدينية. ولم يكن مجالٌ لإقامة جناز. كانوا يدعون الكاهن فيصلي على الميت صلاة الوداع وتسليم النفس إلى اللـه ، وفي تلك الأثناء تتـخَذُ الأجراءات الأعتيادية لمراسيم الدفنة

هذا في بلاد الشرق وفي المحيط أو البيئة الأسلامية. أما ونحن هنا في الغربِ المسيحي وفي محيط القوانين والأنظمة الأجتماعية فلا بُـدَّ لنا أن نتكَّـيفَ ونؤدي واجبنا تجاه موتانا بشكل يليقُ بهم وبنا ولاسيما ينفعُهم. وإذا كانَ ميّتٌ خاطئ تابَ على حافةِ القبر ولم يكن له الوقت الكافي ليتطهرَ ويتنقى من وسخ خطاياه ولاسيما أن يرتفعَ في محَّبةِ اللـه وبالقياس اللائق به

فهذا يحتاجُ إلى فترةِ تطهير، ويمكن للكنيسة أن تُسعِفه بصلاتِها. فالمَّيتُ تنفعه الصلاة في أقرب وقت دون إنتظار دفنة الجسد ما دام النفعَ للروح لا للجسد. وعليه عندما يتوفى البابا في روما يُسَّـجى الجثمانُ في الكنيسة وتُـتلى عليه ، يوميا، صلاةُ التجـنيـز طوالَ الأيام التي ينتظرون فيها الدفنة طالت أم قصُرَتْ

وربما أهَّـمُ من كلِ هذا هو أنَّ أهلَ المتوفي يستقبلون المُعَّزين ، ويُقيمونَ العزاءَ بشكل رسمي في قاعاتٍ مُؤَّجـرة ، والمُعَّـزون يُصَّـلون عادةً من أجل المتوفى ، وكلُ هذا قبلَ الدفنـة ، فأينَ الخطأٌ أن تصَّلي الكنيسةُ أيضا ؟. أم لا يجوزُ للكنيسة ما يجوزُ للأهل؟. ثمَّ أوَّدُ أن يقـدمَ لي مُعترضٌ وثيقـةً ايمانية أو مصدرًا كتابيًا يمنعُ ذلك ؟. وإذا لم يوجد لا تعليمٌ ولا وثيقة تُبَّـررُ تأخير صلاة الجناز إلى ما بعد الدفنة التي تتأخرأسبوعا أو أكثرعن الوفاة فلماذا يرفضُ البعضُ دعوةَ المسؤولين إلى التصَّرفِ بإيمان وليس استنادا إلى آراء الناس الذين باتوا أغلبهم مُلحِـدين ، ولا يتعاملون مع الموتى إلا بما يبرزُ هويتهم ومقامهم الأجتماعي؟. هل مكتوبٌ علينا أن نُصغيَ إلى تعليم العجائز، وأن نتقَّـيَدَ بآفكار أهل العالم ونرفضُ إرشادَ الأيمان ؟. هكذا فعلَ اليهودُ ورفضوا المسيحَ المخلص لأنه رفضَ ان يتبعَ تقاليدَهم ، فقالَ عنهم : ” جئتُ بآسم أبي فلم تقبلوني, ولو جاءَكم غيري بآسم نفسِه قبلتموهُ. أنَّى لكم أن تؤمنوا ، وبعضُكم يقبلُ المجدَ من بعضٍ. وأما المجدُ الذي يأتي من اللـه دون غيرِه فلا تطلبونه ” (يو 5: 43-44).ا


القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO