تكوين قانون الكتاب المقدس للعهد القديم ٣

الفصل الثاني : الحلقة الثالثة

تكوين قانون الكتاب المقدس للعهد القديم

كل جماعة دينية لها كُتُبها المقدّسة تقرأها وتسمعها وتتأمّلها لتجد فيها قاعدة حياة لها في الزمن الحاضر وتتميّز هذه الكتب التي نسمّيها كتبًا قانونية عن سائر الكتب التي تغذّي روح التقوى والإيمان دون أن يكون لها الطابع المقدّس. فالكتب القانونية تعتبر حاملة كلام الله. هكذا فعل اليهود خاصة في اجتماع “يمنية” على شاطئ البحر المتوسط حول السنة 90 ب. م. فأقرّوا لائحة الكتب المقدّسة بطريقة نهائية واعتبروا أنّ كل ما كتب حتّى ذلك الوقت باللغة العبرية والآرامية هو كلام الله، وأنّ ما عداه لا يتعدّى أن يكون كتبًا تقوية. هكذا يعتبراليهود أسفار الشريعة الخمسة هي كلام الله لموسى، والكتاب يقول إنّ “موسى كتب جميع أقوال الرب ” (خر 24: 4)، وإنّه كتب ما كتب بناء على طلب الرب. فبعد الحرب مع بني عماليق، قال الرب لموسى: “اكتب هذا لتحفظه ذكرًا، واقرأه على مسامع يشوع ” (خر 17: 14). وقبل الوصول إلى أرض الميعاد، “كتب موسى مسيرتهم مرحلة مرحلة بعد خروجهم كما أمره الرب ” (عد 2:33). وعندما اكتشف الكاهن حلقيا في بيت الرب “كتاب الشريعة” الذي هو كتاب القوانين التي فرضها الله على شعبه، قرأ أمام الملك يوشيا (640- 609) وكل سكّان أورشليم كلام كتاب الشريعة ذاك (2 مل 23: 2). ومنذ ذلك الوقت أخذ الكتّاب يستندون إلى نصوص كتاب الشريعة. فيروي سفر الملوك الأوَّل (2: 1- 3) كيف أنّ داود طلب إلى ابنه سليمان أن يسير في طرق الرب ويحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه كما هو مكتوب في شريعة موسى (تث 29: . ويذكّر سفر الملوك الثاني (14: 6) بأنّ سفر شريعة موسى يمنع قتل الآباء من أجل البنين، والبنين من أجل الآباء (تث 16:24).

وفي زمن الجلاء، وبعد أن هُدم الهيكل وزالت الملكية، أخذ نفوذ الشريعة وتأثيرها يزدادان، فكان المنفيون يجتمعون حول الكهنة يستمعون اليهم يقرأون عليهم فصولاً من أسفار موسى. وبعد الرجوع من المنفى ستقرّ الجماعة اليهودية بالشريعة دستورها المقدّس، كل من لا يعمل بها يقضى عليه بالموت أو بالنفي أو بالحبس (عز 26:7). وابتداء من القرن الخامس، كانت شريعة موسى تقرأ في مجامع فلسطين والشتات، وكان الكتبة يدرسونها ويشرحونها، والمؤمنون الأتقياء يحفظونها ويردّدونها. ولمّا انفصل السامريون عن الجماعة اليهودية (سنة 408 ق. م.) حملوا معهم كتب موسى دستورًا مقدّسًا دون غيره من الكتب.

ولكن اليهود كان لهم مع التوراة كتب الأنبياء. فإرميا كتب ما كتب المرّة تِلوَ المرّة بناء على طلب الرب ( 36: 2، 28، 32)، وكذلك فعل حزقيال وأشعيا (30: ؛ أمّا المزامير فقد اعتاد المؤمنون تلاوتها في اجتماعاتهم خلال المنفى ثمّ في الهيكل وفي المجامع، فصارت كتاب صلاة شعب الله؛ أمّا سائر الكتب الحكمية فقد أخذت مكانتها في الحفلات الدينية فكان المؤمنون يقرأون نشيد الأناشيد في عيد الفصح، وسفر راعوت في عيد العنصرة، ومراثي إرميا في ذكرى خراب أورشليم (586)، وسفر الجامعة في عيد المظال، وسفر أستير في عيد خاص يُحتفل به في 14 و 15 آذار.

ثمّ نقرأ في سفر المكّابيين الثاني (13:2) رسالة تقول إنّ نحميا أنشأ مكتبة جمع فيها أخبار الملوك (ما نسميه الكتب التاريخية) والأنبياء وكتابات داود (أي المزامير). كما نقرأ في مقدمة سفر يشوع بن سيراخ (كتب حول سنة 180 ق. م.) تقسيم العهد القديم ثلاثة أقسام: الشريعة أي كتب موسى الخمسة، والأنبياء، أي ما نسميه الكتب التاريخية (الأنبياء الأوّلون) والكتب النبوية (أي الأنبياء اللاحقون)، وسائر الكتب أي المزامير وبقيّة الكتب الحكمية. وسيذكر سفر يشوع بن سيراخ، في سياق كلامه، يشوع بن نون (46: 1 ) والقضاة (46: 13) وصموئيل (46: 16) والملوك (47 :1) وأشعيا النبي (48: 25) وارميا (8:49) وحزقيال (49: 10) وسائر الأنبياء الاثني عشر (49: 12، نسميهم الأنبياء الصغار لأنّ ما كتبوه كان قليلاً). ولم ينسَ أن يذكر سفر الأمثال (16:47) وأيوب (49: 9 في النص العبري) ونحميا (49: 15).

ونرى كل جماعة يهودية تهتم بأن يكون لها أسفار الشريعة الخمسة وسائر الكتب التي تُقرأ في اورشليم. فالرسالة إلى أرستيس (القرن الثاني ق. م.) التي تسمي الأسفار المقدسة الكتابَ (بيبلوس في اليونانية) والتي تتحدّث عن ترجمة النصوص العبرية إلى اليونانية، تذكر كيف أنّ رئيس كهنة اورشليم، اليعازر، أرسل إلى الاسكندرية نسخة كاملة عن الكتب المقدّسة.

أمّا يوسيفوس المؤرّخ فقد كتب بحثًا “ضدّ أبيون ” (سنة 97- 98 ب. م.) يقول فيه: لا تجد عندنا عددًا غير محدود من الكتب (كما عند اليونان) بل اثنين وعشرين كتابًا فقط (بعدد الحروف الأبجدية) تحتوي أخبار كل زمان… أوّلاً كُتب موسى وعددها خمسة… ثمّ الأنبياء الذين جاؤوا بعد موسى… والكتب الأربعة الأخيرة تحتوي أناشيد الله وفرائض أدبية للناس… إنّ الاحداث تبيّن بأي احترام نقرب من كتبنا الخاصة… فهي كتب يحرّم علينا أن نمسّها بسبب طابعها المقدّس كما يقول سفر عزرا الرابع (23:14- 47) الذي كتب في القرن الأوّل ب. م.

لقد قيل: الجماعات تعيش ثمّ تفكّر بطريقة عيشها. والجماعات الدينية لا تسعى إلى تحديد إيمانها أو إلى إقرار كتبها المقدّسة إلاّ إذا داهمها خطر. فالجماعة اليهودية لم تشعر في البدء بالحاجة إلى تحديد لائحة الكتب المقدّسة التي تعتبر قاعدة إيمانها. ولكن عندما هُدم الهيكل مرة أولى، تعلّق الشعب بالتوراة كعلامة حضور الله بينه. وعندما هدم الهيكل مرّة ثانية وتشتّت الشعب اليهودي أحسّ المؤمنون بالحاجة الى إعلان لائحة بكتبهم المقدّسة كما بدأوا بتدوين التقاليد الشفهية كالتلمود والتراجيم لئلاّ تضيع.

والكنيسة التي تعدّ نفسها شعب الله الجديد، قد تسلّمت من شعب الله القديم الكتب المقدسة على أن الله قد أوحاها، فصارت الكتب القانونية عند الشعب اليهودي كتبًا قانونية عند الشعب المسيحي.(بولس الفغالي، المدخل، 181-185).

الاب د. غزوان يوسف بحو شهارا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO