الأحـد الأول للرسـل ســنة الأيمـان

الأحـد الأول للرسـل ســنة الأيمـان

عــيد العنصرة ، حلول الروح القـدس

أخبرتنا قراءة اليوم : أع 2: 12:- عن حلول الروح القدس على التلاميذ المجتمعين في العلية حيثُ أكلوا الفصحَ القديم وكَّملوه بالفصح الجديد فتناولوا جسد ودم المسيح في سّرِ الأوخارستيا. هنا حَّلَ روحُ اللـه ، الذي كان يُرفرفُ في البدء على الكون(تك 1: 2)، على سَّيدِ الكون الأنسان صورةِ اللـه، الذي إجتمعَ ممثلوهُ الوفودُ السبعة عشر، القادمين من كلِ أُمَّـةٍ تحت قبةِ السماء ، ليتوَّحَدوا مع بعضهم ويتباركوا ويتفاهموا بقُّـوةِ هذا الروح الألهي الذي سبق و غادرهم فـترةً فتبلبلوا وتشَّردوا في الأرضِ كلها(تك 11: 9).ا

والأنجيلُ قرأ علينا : يوحنا 14: 25-26؛ و15: 26-27؛ و16: 12-15 :- وبيَّنَ لنا هوية هذا الروح القدوس و دورَه في مسيرةِ الكنيسة وفي حياة كلِ مؤمن. فالروحُ القدس هو الاه. إنه مُرسَلُ الآب بآسم المسيح ، الذي وعد تلاميذه أنه سيرسله لهم حسبَ وعد الآب (لو24: 49) وسيعَّمدون به (أع1: 5). الآب أرسلَ الأبن(يو20: 20) ويرسلُ الروحَ أيضا بآسم الأبن. والأبنُ أيضا يُرسلُ الروحَ من لدنِ الآب. وهكذا يكون الروحُ منبثقا من الآب ، أي من القدرة الألهية. لأنَّ ” الآبَ ” في منطوقِ الأنجيل يعني اللـه. فالآبُ أعظم من الأبن لأنَّ اللاهوت أعظم من الناسوت (يو14: 28) ، مع أنَّ الآبَ والأبنَ واحدٌ (يو10: 30) ، ومن رأى الأبنَ فقد رأى الآب (يو14: 9). ا

إنَّ جميعُ ما للآب هو للأبن ايضا، والروح إذا أخذ من الأبن فهو يأخذ من الآب أيضا، وإذا كان ينبثقُ من الآب فهو ينبثقُ إذن من الأبن أيضا. والأبنُ سيُّسَّلمُ الملك للآب ويَخضَعُ نفسُهُ لمن أخضَعَ له كلَّ شيء ” فيكونُ اللـهُ كلَّ شيءٍ في كلِ شيء ” (1كور 15: 21-28) ، لأنَّ يسوعَ إستعادَ في ناسوتِه سيادة الخليقةِ ، وكَّملَ التدبيرَالألهي فتعودُ البشرية كلها خاضعة للـه الخالق. فلو إختلفت ، في اللـه ، الوجوهُ والصفات إلا إنَّ اللاهوتَ فيه واحدٌ وكذا العمل. فاللـهُ ثالوثٌ : آب (القدرة ) والأبن (الحكمة ) والروح (الحياة). ا

أما دورُ الروح القدس فقد أوضحَتْهُ قراءةُ الأنجيل وحَّـدَدتْهُ بثلاث نقاطٍ رئيسـية ، هي : ا
1- يُـذكرنا بتعليم يسوع الألهي
ينشغلُ الأنسان كثيرا، لاسيما في هذا العصر، بعلوم وأخبار قلَّـما تنطلقُ من اللـه ، ولا تتماشى مع مبادئِه ، بل تعارضُه أحيانا. إنَّ وسائلَ الإعلام والأتصال فارغة عن ذكر اللـه وأعمالِه، ومليئة بأفكار ومبادئَ مغايرة لتعليم اللـه. إنَّ الصحفَ والقنوات الفضائية تملأُ الدنيا بمبادئ العالم الخدّاعة ، بالغش والمكر والعنف والحقد. وفي هذا إعصار الشر والضلال قد يتيه المؤمنُ ولا يعرفُ أن يُمَّيزَ الصحيح من الخطأ. هنا يأتي الروح القدس ليذكرَ المؤمنين بتعاليم اللـه التي كشفها وأعلنها يسوع و ينقلها إلينا الأنجيلُ الطاهر. يُذكرنا الروحُ بكلام الرب حتى نستطيع أن نختار المواقف الصحيحة ولا ننخدعَ بالعالم ولا يغوينا إبليسُ ” الكّذاب “.ا

2- يُعًّلمُنا جميعَ الأشياء
إن كلام اللـه إلينا وحيٌ يحتوي الحقيقة كما يعرفها اللـه نفسُه. إنما نحن البشر قد لا نفهم دوما عمقَ المعنى الذي يعنيه وذلك بسبب محدودية فكرنا والإطار المادي الحّسي الذي يُغَّـلفُهُ. أما قالَ يسوع مرةً للتلاميذ :” من لم يكن له سيفٌ فليَبعْ رداءَه ويَشْتـرِهِ”. فأجابَ الرسل :” رَّبنا ههنا سيفان”. رَّدَ عليهم يسوع :” كفـاكم ” (لو22: 36-38)!!. لم يفهم التلاميذ أن يسوع يعني الأستعداد للمحنة القادمة ،وليس إقتناءَ سيوفٍ مادية للمقاومة، أنما سيوف روحية لمجابهة الشر المُحدق بهم. كما لم يفهموا أنه عنى هيكل جسده لما تحَّدَثَ عن هدمِ الهيكل وإقامتِه (يو2: 21-22). والسبب كما قال الأنجيل :” لم يكن الروحُ يومئذٍ قد أُعطيَ بعدُ “(يو7: 39). وهؤلاء التلاميذ أنفسهم حَّيروا قادة اليهود بأجوبتهم وأعمالهم العجيبة بعد أن نالوا الروح القدس (أع 4: 13). فالروح يَفتحُ آفاقَ فكر الأنسان ليفهم الأمور على طبيعتها وكما أوحى بها اللـه ،:” حينئذٍ فتحَ أذهانهم ليفهموا الكتب “(لو24: 45). ا

3- يُرشدُنا إلى الحَّـق كلِهِ
لقد أعلنَ يسوع المسيح الحقيقة كلها عن ذاتِه الألهية ، وعن السلوك الذي يجب أن يتبناهُ الناس. ولن بقي كلامُهُ وحيا إلهيا. ويبقى المسيحيون ، أعضاء كنيسته أى جسده السري، بَشرًا مُعَّرضين للنسيان وللشك ولاسيما للتعَّلق بالقديم وبالتقليد ، فقد يتخاذلُون في متابعة التجدد اليومي والآني في كل العصور والأمصار. والمسيحية ليست مبادئ توضع على الرفوف ، بل توجيهات حيوية يتبعها المؤمن ليؤّديَ الشهادة ليسوع في كل زمان ومكان. والحياة لا تستمر على وتيرة واحدة ، بل تتجدد وتتغير. وعلى المؤمن مواكبة هذا التجدد بآستمرار. وهذا التجديد ” يأتي من الروح القدس ” (طي3: 5). جدَّدَ الربُ يسوع البشرية فوق الصليب وختمها بقيامتِه ، ويقودُ الروح العملية عبر الأجيال. لذا نصَّلي الى اللـه قائلين :” أرسلْ روحَك فيُخلقون. وتُجَّددُ وجه الأرض “. ا

تتـكَّون لدى المؤمن، عبر الأجيال، حِكّـمٌ وعاداتٌ وتقاليد قد تصُّدُه عن التجدّد والتقدم. فالروح يكشفَ للكنيسة ما عليها أن تتبَّناهُ أو تتخلى عنه لتواكبَ ظروفَ الأنسانية الجديدة وتقودها حسب الحق وليس حسب حكمة البشر. ويُركزُ الروح في كل فترةٍ أو جيل على ما أصبحَ في حاجةٍ إلى إبرازهِ لتخدمَ المسيحيةُ الخليقة والأنسانية كلها. يُرشد الروح المؤمنين ليُصلح فيهم ما قد بدأ يلتوي أو يشيخ ، أو يدفعهم إلى القيام بما يقتضيه خلاصُ البشرية خارجا عن إطار التقليد مع تبني أساليب جديدة للتعامل مع الآخرين كما يريده اللـه

4- كيفَ نُحّسُ بإرشادِ الروح
إنَّ الروح لن يرسل لنا رسائل أو يكتب في الصحف ولا يظهر على شاشة الفضائيات ليتحَّدثَ إلينا. إنه يُحَّدثنا في فكرنا وقلبنا. إنه الضمير، الصوت الألهي، المزروع فينا يُنَّبهنا أو يوَّجهُنا. اللـه هو داخل المؤمن. وحتى ملكوت اللـه في داخلنا كما قال الرب ،” لو17: 21). فلا ننتظر اللـه وروحَه في الخارج. بل لنُصغِ إليه في داخلنا. وحتى نسمعه جيدا لنُفرِغ حياتِنا من فكر العالم وروحه حتى يبرزَ فكرُ اللـه وروحُه فينا. من يُصغي على الدوام إلى التلفاز لا يسمع غيرَه. وهكذا من لا يقفلُ قنوات الجسد لا يقدر أن يُصغي إلى الروح. وأيضًا من يُصغي إلى الروح فقط دون أن يتقَّـيدَ بإرشادِه لن ينتفِعَ شيئا. علينا أن نصغي ونلتزم بما قاله الروحُ لنا واثقين أنَّ ما يدعونا إليه هو ذاك الحَّـق والصدقَ والبر

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO