القنــاعة كنــزٌ لا يــفني

القنــاعة كنــزٌ لا يــفني

 

 

 

حكمةٌ لا يجهَلُها أحد. ويُرَّدِدُها القاصي والداني للتأكـيد على الأبتعاد عن الطمع والحسد. وقد طالبَ بها يوحنا المعمدان وأرشدَ إليها الجنود الذين إعتمدوا منه وسألوه ماذا يفعلون لتكون توبتهم كاملة ، فأجابهم :” إقنعوا بوظائفكم ” أو رواتبكم (لو3: 14). ربما سار يوحنا على خطى العهد القديم فدعا الناس إلى القناعة في المورد الذي يضمن العيش وعَّـلمَ عدمَ الطمع في الأكثار من إقتنائها، كما نصحَ إستعمالها بحكمة وأدب، لأن خيرات الأرض هي لضمان المعيشة ، ولم يُعطِها اللـهُ للأستزادةِ منها والأغتناء ، حتى قال : ” في جميع أعمالك كن معتدِلا ً” (سيراخ 31: 22؛ 37: 29) لأنَّ القناعةَ وجهٌ من الأعتدال والتأدُّب ، وكلها ثمارٌ للحكمـةِ و مخافةِ اللـه.

أما بولس فيبدو أنه يعطي بُعدًا أعمق لهذه الحكمة. إنه يحتفظ ُ ويُنادي بالبعدِ المادي وهو يوصي بها تلميذه :” حَّـقًا إنَّ التقوى تجارةٌ (ربحٌ) إذا آقترنت بالقناعة. لأننا لمْ نأتِ العالمَ ومعنا شيءٌ، ولا نستطيعُ أن نخرجَ منه ومعنا شيء. إن كانَ لدينا قوتٌ وكِسوةٌ فعلينا أن نقنـعَ بهما “(1طيم6 : 6-8؛ أيوب 1: 29). ويتعَّدى بولسُ هذا البعدَ المادي ليكشفَ لها بُعدًا آخرَ هو” الروحي “. فللقناعةِ بعدٌ في الأيمان والتبشير أيضا. و بكلام آخر للقناعة بُعدٌ في الحياة والمصير، لأنَّ الأيمان والتبشير ليسا للتباهي انما هما لضمان الحياة و المصير المُشتَهى للذات وللآخرين.

يكتبُ بولس للرومانيين :” إحفظ في قرارةِ نفسِكَ ، أمامَ اللـه، قناعَتَكَ ( أو يقـينَكَ ) الذي يُمليهِ عليكَ إيمانُكَ “. ولا فقط يُعَّلمَ الألتزامَ بالتصَّرفِ حسبَ القناعة بل ويزيدُ فيقول : “فكلُّ شيءٍ لا يأتي عن يقينِ الأيمان فهو خطيئة ” (رم 14: 22-23).

نحنُ أمامَ أمرين خطيرين تتحكمُ فيهما القناعة :

1+ |>> القــناعة صخرة الأيمان

يقومُ بناءُ الأيمان على صخرةِ القناعة. والقناعة تعني أن يرى المرءُ الحقيقةَ في ذهنِه ويحُّسُ بها في كيانِهِ كله دون أن يجمعَ دوما بين يديه الأدلة الحسية التي تؤَّطرُ تلك الحقيقة وتُثَّبتُها. القناعةُ تبدو عندما تكثرُ الأدلة للشهادة لحدثٍ ما ، و يبقى الضميرُ يقاومُ تلك الأدلة بإحساسٍ قوي أن الحقيقة في غير ما يبدو للعيان أو للمنطق. إنَّ أحد قوانين المحاكم الكنسية يرفضُ للحاكم أن يقَّـرِرَ ما لم يقتنعْ ضميريا عن صحَّةِ ما ينوي إعلانه. لا يجوز أن يُبنى أى قرارٍ على أساس غير ثابت ، أو على رأى مُتـرَّدد.

هكذا الأيمانُ لا يقبلُ أى ترَّدُدٍ أو شك. أما سارَ بُطرسُ على الماء بدعوةٍ من يسوع لكنه بدأ يغرقُ عندما دبَّ الشكُ والترَّددُ إلى ذهنه وقلبه؟ (متى14: 28-31). أما تشَّكى الرسل من خشونةِ كلامِ يسوع بخصوص أكلِ جسدِهِ وشربِ دمِهِ ، وبدأ إيمانُهم به يتزعزعُ ، و قالوا :

“هذا كلامٌ عسير من يستطيعُ سماعَهُ.. وتوَّلى عنه كثيرٌ من تلاميذهِ وآنقطعوا عن مصاحبتِهِ” ؟ (يو6: 60-66). و ماذا كان جوابُ يسوع لرسله ؟. كان : ما دمتم غيرُ مقتنعين بكلامي يمكنكم أن تتراجعوا عني أنتم أيضا كما فعلَ غيرُكم، ” فيكم من لا يؤمنون ” (يو6: 63 و 67). يرفضُ الأيمان كلَّ شَّـكٍ ويدينُ كلَّ تـرَّدُد. ويرتضي الربُ كلَّ إيمان يقومُ على قناعةٍ راسخة ويستجيبُ كلَّ سؤالٍ صادرٍمن كذا إيمان (متى21: 21-22).

إذن شهادتُنا عن يسوع وإيماننا لا يجوزُ أن يشوبَهُما عيبُ. لا تكون شهادتنا صادقة إذا أعلننا إيماننا بيسوع ولكننا عشنا حسبَ مبادئ العالم. ولن يكون إيماننا صحيحا إذا خلطنا به آراءَ ومبادئ دنيوية محضة تشَّككُ بآلوهية المسيح وأحَّقانيةِ تعاليمِهِ.

2+ | >> التصَّرفُ بدون قنـاعة ” خطـيئة ” !

عظمةُ القناعةِ عن إيماننا تجعلهُ صخرةً أساسية ينهارُ بدونها بناءُ حياتِنا الروحية. وتصبحُ حياتُنا عندئذ شَّـكًا للآخرين ،أو روتينا يُفرغُ بالتالي أعمالنا من كل قيمةٍ أدبية ، إيجابية كانت أو سـلبية. وقد يُصبحُ إيمان بلا قناعة معـثرةً أو مانعًا لنمـو إيمان الآخرين. مثلَ مُعَّـلم للتعليم المسيحي شرحَ درسًا عن الغفـران بموجب كتاب التعليم. ولما أنهى سألَ الطلابَ هل إفتهموا الدرسَ ؟ أجابوا ” نعم “. وسألهُ طالبٌ كيف يغفرُ لقاتِلِ أبيه ؟ أجابه :” المُهم إفتهمت الدرس. أما الباقي فأنا شخصيا لستُ مقتنعا بما شرحته لكم. ولا أعتقد أني أطبقهُ. اما بالنسبة إليكم يُهم أن تجاوبوا في الأمتحان كما جاءَ في النص. أما تطبيقه فكلُ واحد حرٌ ان يُصَّدقَ أو لا يُصَّدق !”.

وهذا الآخر كان يُنادي بتعاليم المسيح وحرية كل واحد في تقرير المصير. ولما حان الوقتُ أن يتزوجَّ وعارضَ والداهُ زواجَه من فتاةٍ غريبة عن إيمانِهم تحَّدى الكل وتزوَّجَ على رغبتِه مبَّررًا بأنَّ زواجَه من حقـهِ الطبيعي والشرعي ولا يحق لأحد أن يتدَّخلَ فيه. ودارت الأيامُ وكبرَت إبنتُه. وأحَّبت شابا. ولما تقدم لخطبتها رفضَ الوالدُ لها الحَّق في إختيارها وأصَّرَعلى أنْ يُقـررَ هو مصيرَها ويزَّوجها بمن يختارُه مناسبًا لها !. وقال :” إنَّ اللـهَ أعطى هذا الحق للوالدين ،عندما قالت الوصية : أكرم أباكَ وأمَّـكَ “!.

وأخـيرًا : إنتمى شابٌ إلى الرهبنة. ثم إكتشفَ أنه لا يتوالمُ مع الحياةِ الرهبانية. فكَّرَ بالعودة إلى العالم. لكنَّ المجتمع يلومه، وأهله يرفضون ذلك. فصار يعيش حياةَ مزدوجة. يتظاهرُ بالأيمان والدعوة ، أما في سلوكه فيُخفي كلَّ ما هو ضد نظام الحياة الرهبانية إلى درجة أنه أصبحَ يُـبَّررُسلوكه ولا يُبالي بالشكِ الذي يُسَّببُه. وآنتهى به المطاف أنه فقدَ كل رغبةٍ للعيشِ في الدير، ولم يُكَّـون لنفسه مكانة اجتماعية. فَـقَـدَ المسيرتين وصارَ منبوذا من الديرومحتَقَرًا من أهل العالم.

…… هذه خطـايا إيمانٍ بلا قـناعة !.

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO