الأحد السابع للقيامة سنة الأيمــان

الأحــد السـابع للقــيامة ســنة الأيمــان

 

 

قرأنا في إنجيل اليوم – مر 16: 9-20 – أخبار ترائي يسوع بعد القيامة لتلاميذه وعدم ايمان الرسل بشهادة الرؤاة ، ثم توصية يسوع بإعلان انجيل الخلاص لكل العالم ، ويختم الأنجيل بتمجيد المسيح وآستلامه حكم الكون. وفي تاملنا اليوم نقفُ عند ثلاثة نقــاط نرَّكزُ عليها لنستجلي معانيها ودروسِها لنا.

 

1-عـدم إيمــان الرسل

رأت المجدلية يسوعَ حَّـيا وأسرعت فنقلت البُشرى إلى الرسل. صنعَ كذلك تلميذا عماوس أولَ ما تعَّرفا على يسوع الحَّي مُسرعَين في نقل بشرى الفرح للرسل ليُشاركوهم فرحَتهم وعزاءَهم ، مزيلين هَّمَهم وحزنَهم. لكن الرسل ،كما قال الكتاب ، ” لم يُصَّـدقوهم “!. لماذا ؟ ألا يفرحُ إنسانٌ بعودةِ قريب حَّيًا بعد فقدانِه؟. بلى يفرح. و الرسل ايضا لم يتمالكوا إنشراحَهم ولا قدروا أن يحبسوا شدَّة دقات قلبهم المبتهج في داخلهم. ولكن هل يسمحون لأحساسهم أن يتغلَّب على رؤيتهم ؟. ليس الأمرُ بهذه السهولة. فبالإضافة إلى وحشية قتل المسيح هناك ما يُقلقهم : يسوع أقامَ إبنة يائير وآبن أرملة نائين ولاسيما لعازر بعد أربعة أيام من دفنِه، ولكن هو ” مَن أقامَه”؟. أ لا تكون خديعة من إبليس ؟. ألا تكون أحاسيسهم في محَّبتهم الشديدة للمعلم قد خانتهم فبلبلت خيالهم وصَّورت لهم ما تتمناهُ نفوسُهم ويصبو إليه وُجدانُهم دون أن يكون للحقيقة فيها خيطٌ ملموس ؟ ؛ ” دُهشوا وخافوا وتوَّهموا أنهم يرون روحا… لم يُصَّدقوا من الفرح وظلوا يتعَّجبون ” ( لو24: 37-41). أما توَّهمت به المجدلية نفسها فحسبت يسوع حارسَ البستان؟. أما غشي الحزن على التلميذين حتى لم يتعَّرفا على يسوع وهو يسير معهما ويحاورهما ؟.

 

ليسَ عيبًا ولا خطأ ً أن يتحَّذرَ الرسل خوفا من أن يقعوا هم أيضا فريسة لأخبارٍ وهمية !. خاصَّة لا فقط لم يتعَّودوا على الكذبِ بل وإنها مسؤولية جسيمة تصديقٌ أمر خطير قبل أن تصبحَ قناعتهم عنه حقيقة واقعة لا تقبل لا الجدل ولا الرَّد. ليس سهلاً إعلان شخصٍ حَّيًا وقد شاهدوا موته المؤلم ودفنه ، والعالمُ كله، دينيا ومدنيا ، وقَّـعَ على التخلصِ منه وسَّجلَّ نهايتِه المأساوية. كيفَ سيبررون القيامة ؟ بأي برهان وآستنادا على أى إيمان ؟. يؤكدُ لوقا ومرقس أن الرسلَ لم يفهموا ماذا عنى يسوع ، عندما أنبأهم عن آلامه ، بقوله أنه ” سيُقتَلُ ويقوم ” (مر9: 10؛ لو9: 45؛ 18: 34). وبعد القيامة فقط ” فتح يسوع أذهانهم ليفهموا الكتب… وأنه يتألم ويقوم في اليوم الثالث” (لو24: 45)؛ يوحنا ايضا يؤكدُ ذلك: ” لم يفهم التلاميذ أولَ الأمر معنى هذه الأشياء. لكنهم تذكروا ، بعد ما مُّجدَ يسوع ، أنها فيه كتبت وأنها هي نفسُها لأجله صُنعت ” (يو12: 16).

 

فقد لا يُلامُ الرسل على شَّكهم. لكن ما يُلامون عليه هو أنهم عوضًا عن أن يتذكروا كلامَ معلمهم وينفتحوا للجديد الذي أخبرهم عنه ودعاهم إليه ، ظلوا هم متمسكين بذهنيتهم القديمة و تصَّرفوا كأي إنسان إعتيادي ،وكأن رفقة يسوع وتعليمه لم يُغيرا فيهم شيئا !. ظلوا على قسـاوة قلوبهم العاطفية دون أن يعجنها روحُ اللـه فتسمو في التفكير والتدبير.

 

ورغمَ ذلك نفرحُ نحن اليومَ ونُهَّنيءُ الرسل لأنهم لم ينقلوا إلينا إيمانا يستندُ إلى أقاويل هذا وذاك. بل نقلوا إلينا قناعةً تكوَّنت لديهم من واقعٍ عايشوه ولا قوة في الكون تقدرُ ان تغَّيرَ رأيهم. لآنهم لا يعلنون إستنتاجات من ثمار فكرهم بل حقيقة تيَّقنوا منها بالرؤية والحس واللمس (1يوحنا 1: 1-4) إضافةً إلى الأيمان الذي ترَّسخَ فيهم عن شخص المعلم أنه هو المسيحُ المخَّـلص الموعود والمنتظر. وقد ختمَ أكثرُهم شهادتهم بدمائهم فخورين مسرورين أنهم كانوا جديرين بالشهادة للحق (يو18: 37) الذي عاشه يسوع ودعا إليه.

 

2-البشــارة لجميع الناس

صَّرَحَ يسوع قبلَ القيامة أنه جاءَ إلى العالم ليَخْلُصَ به العالم (بو3: 17؛ 12: 47). إنه يُمَّثلُ كلَّ البشر، ولا يريدُ أن يحكمَ على أحد ولا أن يَخسُرَهُ . والآن يُرسلُ رسُلَه / كنيستَه ” في الأرضِ كلِها ” ويطلبُ منهم أن ” يُتلمِذوا جميعَ الناس ” (متى 28: 19). الله يُحّبُ جميع الناس. كلُهم أبناؤُه كانوا صالحين أو عاقّـين. وغفـرَ يسوع فوقَ الصليب خطيئة كل أبناءِ آدم (لو23: 34) ، وخَّولَ الرسلَ سُلطانه في غفران الخطايا الخاصَّة بكل فرد :” من غفرتم له خطاياه تُغفرُ له، ومن أمسكتم عليه الغفران يُمسَـكُ عليه ” (يو20: 23).

 

ولكن يبدو كلامُ يسوع ، في ظاهرِه ، وكأنه يستثني البعضَ عن الخلاص ، وهم : من لا يؤمنُ بيسوع ولا يعتمدْ بآسمه!. إذا لم يؤمن أحدٌ بيسوع ورفضَه رغمَ علمِه اليقين بأنه وحده الأله المخلص فطبيعي أن مثلَ هذا لن يتمتَّع براحةِ يسوع ومجدِهِ. لأنَّ من يرفضُ أن يسمعَ كلامَ اللـه و يحفظه فلن يُرغمُه اللـه على إتّـباعِهِ. ولكن من لم يعتمِد بسبب عدم إدراكِهِ كُنهَ المسيحية أو قُوَّةَ المعمودية لكنه يُحّبُ المباديءِ المسيحية ويحياها على قدر ما تسمح له بيئَتُه أو ظروفُه هل له ذنبٌ حتى يُحرَمَ الحياة الأبدية ؟. إنَّ مار بولس يُسعفُنا قائلا : “.. إنَّ الذين بلا شريعة ( أو لم يعرفوا المسيح أو لم يعتمدوا ) إذا عملوا بالفطرة ما تأمرُ به الشريعة، كانوا شريعة لأنفسهم،…،فيدُّلون على أنَّ ما تأمرُ به الشريعة من الأعمال مكتوبٌ في قلوبهم وتشهَدُ لهم ضمائرُهم وأفكارهم …” (رم2: 14-16). إذن لا يستثني اللـه أحدًا من الخلاص إلا من بإرادتِه إستثنى نفسَه وآبتعدَ بأعماله عن درب الخلاص. بما أنَّ المسيحَ هو الوسيطُ الوحيد بين اللـه والناس (1طيم 2: 5) فلا خلاصَ بدونه لأنه هو وحدَه دفع ثمن الخطيئة بسفك دمه. وهو وحده الطريق إلى الآب (يو14: 6: متى 11: 27) لأنه “هو الحياة لكل موجود ” (يو1: 4). وقد دعا جميع الشعوب الى عُرسِه (متى22: 8)؛ وكلَّ عطشانٍ إلى الأرتواءِ من ماءِ الحياةِ (يو7: 38؛ 4: 13-14) الذي يوَّفره يسوع لجميع البشر. وحتى الذين يرفضون يسوع سوفَ لن يَحكُم عليهم (يو8: 15). بل يُدانون أى يُقاضون لكشفِ سبب عدم إيمانِهِم، لأنَّ الأيمان من السماع ، والسماعُ هو من المناداة بكلامِ المسيح !. فهل سمعوا ؟ هل فهموا ؟. مهما كان الأمر فإنَّ الربَ عادلٌ وأكثر لإنَّ رحمَتَه تفوقُ عدلَه.

 

3-جلس الأنسانُ عن يمين اللـه

طُرِدَ الأنسانُ من الفردوس (تك 3: 23-24) بسبب عدم سماعِه نصيحةَ اللـه والبحثِ في التحَّرر منهُ و بذلك فقدَ إمتيازَه بسيادةِ الكون. كان غضًا طريًا وجاهلاً بريئًا بلا علمٍ ولا خبرةٍ ولا حِسٍّ سّـوي، فأغواه إبليسُ عـدُّوُ اللـه. وها هو آدمُ الجديد (1كور15: 45) يستعيدُ مجدَه ويجلسَ في السماء ، بالأضافة إلى الأرض ، عن يمين اللـه حاكما للكون كلِه وسّيدا للذي أغوى مثالَه آدم الأول. ممثلُ البشرية الساقطة أطاعَ اللـه وخَّيَبَ تجاربَ إبليس وسحبَ البساطَ من تحتهِ فسقطَ وهو يصرخُ ويُعربدُ يائسًا : ” لما صعد مخَّلصُنا من مياه المعمودية إرتعدَ العدو الشرير وبدأ يقول: أنا الذي إستعبدتُ بمكري آدم رئيس الخلائق وجعلته يخطأ. وأنا الذي بحيلي دليتُ حواء الراخية على الشجرة. وعلمتُ أيضا قائين قتلَ الأخ في السهل. وأنا الذي نصحتُ هيرودس ليقتل الأطفال. فمن هو هذا الذي ينعمُ بهكذا سلطان حتى يرتعبَ يوحنا من كلامِه ويهربَ الأردن أمامه ، ويأمر الرياحَ فتخضعُ له ؟. ربما مملكته هي أقوى من مملكتنا بكثير؟ (الحوذرا 2- ص 55).

 

ولم يكتفِ يسوع بأن ضمنَ لنفسه حياةَ الراحةِ والمجد. بل وعد وطلبَ من الآب أن يُشركَ بتلك حياة المجد تلاميذه أيضا بل وكل الذين يؤمنون بسبب تبشيرِهم (يو17: 5، 20 ، 24 ؛ 14: 3). وبهذا الأيمان والثقة يُعلنُ الرسول :” جاهدتُ جهادا حسنا وأتممتُ شوطي وحافظتُ على الأيمان، وقد أُعّدَ لي إكليلُ البر يجزيني به الرب الدَّيانُ العادلُ.. لا وحدي، بل جميعَ الذين يشتاقون ظهوره ” (2طيم4: 7-8). لنتمَّسكْ بهذا الرجاء ونجاهد مثل بولس.

 

القس بول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO