المجمع الفتيكاني الثاني الحلقة 11

المجمع الفتيكاني الثاني

الحلقة (11)ا

الضمير الاخلاقي وعظمة الحرية

قراءة من سفر أرميا النبي 31/ 31-34

«هَا أَيَّامٌ مُقْبِلَةٌ»، يَقُولُ الرَّبُّ أَقْطَعُ فِيهَا عَهْداً جَدِيداً مَعَ ذُرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا، لاَ كَالْعَهْدِ الَّذِي أَبْرَمْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ، يَوْمَ أَخَذْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ، فَنَقَضُوا عَهْدِي، لِذَلِكَ أَهْمَلْتُهُمْ. وَلَكِنْ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أُبْرِمُهُ مَعَ ذُرِّيَّةِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ»، يَقُولُ الرَّبُّ: «سَأَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَوَاخِلِهِمْ، وَأُدَوِّنُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً. وَلاَ يَحُضُّ فِي مَا بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ قَرِيبَهُ قَائِلاً: اعْرِفِ الرَّبَّ إِلَهَكَ لأَنَّهُمْ جَمِيعاً سَيَعْرِفُونَنِي، مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، لأَنِّي سَأَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ مِنْ بَعْدُ». ا

أين الله؟ وكيف يمكن أن نعرفه؟ وكيف يمكن الدخول في علاقة معه؟ ما معنى الصلاة الى “شخص” الذي لا يمكن رؤيته ولمسه؟ هذه الاسئلة وغيرها مشابهة عذبت قلب الانسان لسنين طويلة. فمنذ أوغسطينوس، صارت هذه الاسئلة آنية. يعلمنا الايمان بانه قبل الدخول الى معرفة الله بواسطة العقل، نحن نعرفه من خلال قناة عميقة: الاصغاء الصادق والامين الى صوت الضمير. ليس الانسان هو الذي يصل الى الله، بل أنه الله الذي يأتي إلينا، ويتكلم في قلب كلّ واحد منّا. كان القديس أوغسطينوس يقول

“In interiore hominis habitat veritas”

“في قلب الانسان تسكن الحقيقة”. يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني بأن الروحانية المسيحية الحقّة (أخلاق ودين) تكمن في لقاء حقيقي وأصيل بين الله والانسان

قراءة من الدستور العقائدي (الكنيسة في عالم اليوم) رقم 16-17

يكتشفُ الإنسانُ في أعماقِ ضميره وجودَ شريعةٍ لم يسنّها لنفسه ولكن عليه أن يخضع لها. إن هذا الصوت، الذي لا ينفك يُحرجه ليعملَ الخير ويحبّه ويتجنب الشر، يدوي في الوقت المناسب في صميم قلبه: “أصنع هذا وتجنب ذلك” لأن هذه هي شريعةٌ وضَعها الله في قلبِ الإنسان؛ وإن كرامته تقومُ بالخضوعِ لها لأنها هي التي ستحكم عليه (16). فالضميرُ هو أعمقُ ما في الإنسان من مركزٍ، هو المَقْدِسُ الذي يَلقى فيه اللهَ وحده ليسمع صوته (17). إن هذه الشريعة التي تبلغ كمالها بحبِّ الله والقريب تَظهر للضمير بطريقةٍ عجيبة (18). وعلى المسيحيين، أمانةً لضميرهم، أن يَبحثوا بإتحادٍ مع سائر الناس عن الحقيقةِ وعن الحل العادل لمشاكل أخلاقية متعددة تتأتى عن الحياة الفردية والحياة الإجتماعية أيضاً. وبقدر ما ينتصرُ الضميرُ المستقيم، يبتعدُ الأشخاصُ والفئات عن إتخاذِ قرارٍ أعمى ويميلون إلى أن يُطابقوا سلوكَهم على نواميسِ الأخلاق الموضوعية. ولكن غالباً ما يَضلُّ الضمير، نتيجةَ جهلٍ لا يُغلب، ولكن دون أن يخسر كرامته. وهذا ما لا نستطيع أن نقوله عندما لا يأبه الإنسان إلا قليلاً للبحث عن الحق والخير، وعندما يدبّ العمى رويداً رويداً في ضميره وقد تعوَّدَ على الخطيئة

غير أن الإنسانَ يتجه نحو الخيرِ بملءِ حريته. هذه الحرية التي يعتبرُها معاصرونا إعتباراً عظيماً ويبحثون عنها بكل حماسٍ، وهم في ذلك على حق. ولكن غالباً ما يعززونها بطريقةٍ منحرفةٍ إذ يعتقدون أنها إستباحةٌ لكلِّ شيءٍ يجلب السرورحتى وإن كان شراً. غير أن الحريةَ الحقيقيةَ هي في الإنسانِ علامةً مميزة عن صورةِ الله فيه. لأن الله أرادَ أن “يتركه لمشورته الخاصة” (19) حتى يتمكن بذاتِهِ من أن يبحث عن خالقِهِ، ويلتحقَ به بحريةٍ، ويبلغ هكذا إلى تمام سعادتِهِ الكاملة. إنَّ كرامةَ الإنسانِ تتطلَّبُ منه أن يتصرَّفَ إستناداً إلى إختيارٍ حرٍّ وواعٍ مدفوعاً بإقتناعٍ شخصيٍّ يُحدِّدُ موقفَهُ، لا تحت الدوافعِ الغريزية أو الضغط الخارجي. ويحصلُ الإنسانُ على هذه الكرامة عندما يتخلَّصُ من عبودية الأهواءِ، إذ يختارُ الخيرَ حُراً، فيسيرُ نحو مصيرِهِ ويسعى حثيثاً مرتكزاً على مهارتِه، ليؤمِّنَ فعلاً الوسائلَ لتحقيقه. غير أن الحريةَ الإنسانيةَ التي جرحتها الخطيئة، لا تستطيعُ أن تسير نحو الله كلياً وبطريقةٍ فاعلة، إلا بمعونةِ النعمةِ الإلهية. وعلى كل إنسانٍ أن يؤدي حساباً عن حياتِه أمامَ منبر الله، عن الخير أو الشر الذي فعل

اسئلة للحوار والمناقشة
1. “صوت الضمير” هو قدس الاقداس الذي به نقرب الى الله. هل تنشئت على سماع صوت الضمير؟ هل يمكن أن تذكر بعض الخبرات التي يمكن ان تكون قد عشت خبر النداء – الاصغاء – القبول – الرفض من الجانب الداخلي

2. الدين الحقّ هو الدين الذي يتأسس على “صوت القلب”، والذي يخاطب الضمائر الشخصية ويفتح أمام الانسان والانسانية أبواباً لتحقيق السلام والعدالة. الدين المتعصب هو الدين الذي يقف على الحرف ولا يعرف كيف يقبل الروح. هل تحتاج ديانتنا الى ان تنمو وتتطور على ضوء هذا المعنى الاصيل والعميق للدين؟

صلاة
أيها الاله الحيّ، أضرم في قلوبنا المضلمة ناراً لا تنطفىء أبداً. فبروح الحمد تخرجنا من أنفسنا. لقد أتمنتنا نحن الفقراء على خدمة الرجاء. ووضعت في إنسانيتنا الضعيفة قوةً روحية لا تعرف الانسحاب والانقهار. حتى عندما نتجاهلها تبقى هي مستعدة لكي ما تقودنا. فأشعل في ضلماتنا ناراً لا ينطفىء أبداً. قدّنا بقوة روحك القدوس الذي يرّن في أعماقنا وهبّنا القوة لكي ما نتبعه حيثما يريد. بالمسيح يسوع ربنا. (الأخ روجر، جماعة تيزيه).ا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO