موعظة الأحد الثالث من القيامة

الأحد الثالث من القيامة

(يوحنا 14: 1-14)

يشعل الرب يسوع نوراً في قلب بطرس الرسول، الذي أنكره في ليلة خميس الفصح ثلاث مرات ويدعوه إلى البحث عن الراحة الحقيقية. كما يدعو الرب يسوع تلاميذه إلى الراحة، وهو بكلمات نص هذا الأحد يدعو جميع البشر وفي كل أنحاء العالم للبحث عن الراحة الحقيقية. لكن نسأل أين يمكننا أن نجد الراحة الحقيقية؟ فالجواب على هذا السؤال نجده في كلمات يسوع نفسها: لا تضطرب قلوبكم، أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضاً(يو 14: 1).ا

عندما نقول إننا نؤمن بشخص يعني أن هناك إيمان فعّال يشدّنا نحو شيء ما. هذا ما تعنيه كلماته في إنجيل متى تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقلي الأحمال وأنا أريحكم(متى 11: 28). الإيمان هو عكس اللا إيمان الذي هو إغلاق الطرق بوجه الخلاص. ونحن نعلم جيّداً من خلال الإنجيل أن يسوع كان يطلب دوما من الجموع إظهار الإيمان لأجل الحصول على الخلاص أو الشفاء. هذا ما يعنيه الإيمان، هو الإنفتاح لكلمة الله، الذهاب إلى يسوع، هو أن نكون مع يسوع. فالإيمان وحده يستطيع أن يحررنا من قلقنا. فكلمات يسوع آمنوا بالله تعني آمنوا بحبه، آمنوا بيأي الإيمان بيسوع الذي يظهر محبته

في بيت أبي منازل كثيرة: وإلا لما قلت لكم أنا ذاهب لأهيّئ لكم مكاناً

إذا كان الله غير متناهي وأزلي، كيف ستكون منازله؟ بيت الآب يعني أن نكون في تواصل معه، التمتع بنوره، وسماعه. فهل سنرى الله؟ وسنعرفه؟ هل بإمكننا أن نميز مصدر النور عندما يشع النور بقوة دون أن يعمي نظرنا؟ نعم سنرى الله في حلّته التي يظهر نفسه بها للبشرية، أي من خلال يسوع المسيح. لأنه هو وحده الذي رأى الله

أنا ذاهب لأهيّئ لكم مكاناً

أي أنا ذاهب لأُعدَّ لكم ما لأجله تركتم كل شيء وتبعتموني. ستكونون معي سوية في السماء. يُعد يسوع المكان لنا جميعا نحن الذين ننتمي إليه. فهل هذا المكان هو مكان موضعي أم روحي؟ علينا أن نتذكر دائما أن الله روح. لهذا المكان سيكون حضور الله نفسه

ومتى ذهبتُ وهيَّأتُ لمن مكاناً، أرجعُ وآخُذُكم إليَّ لتكونوا حيثُ أكون. أنتم تعرفون الطريق إلى حيثُ أنا ذاهبٌ

هذه هي المرة الأولى في الكتاب المقدس حيث يتحدث عن أن الله سيأخذ شخصاً من هذه الأرض ويذهب به إلى مكان آخر اعدّه له، مكاناً ليس هو الأرض. لم يكن هذا رجاء آبائنا في الإيمان (إبراهيم واسحق ويعقوب …) ولا رجاء الأنبياء في العهد القديم. قال الله لإبراهيم أنه سيجعل ذريته أُمَّةً عظيمةً ونسله سيكون كتراب الأرض لا يُحصى، ولكن وعد الله له كان أنه يهبه الأرض كلّها (راجع تكوين 12-13). في خطاب يسوع الذي أدلى به لتلاميذه، يمكننا أن نكون متأكدين من شيء واحد: فقد قال أنه سيذهب، ومن ثم سيأتي ليأخذنا عنده فنكون حيث يكون هو

يحاول الرب يسوع من خلال هذا النص أن ينقلنا من موضوع هنا والآنإلى ما هو أبعد: ينقلنا من ما هو مادي إلى ذاك الروحي، من الأمور الأرضية إلى تلك السماوية. لذا فهو يتحدّث عن أمرين: مكان الذهاب أينووسيلة الذهاب كيف“.ا

قالَ له توما: ((يا ربّ، إِنَّنا لا نَعرِفُ إِلى أَينَ تَذهَب، فكَيفَ نَعرِفُ الطَّريق؟)) قالَ له يسوع: ((أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة. لا يَمْضي أَحَدٌ إِلى الآبِ إِلاَّ بي. فلَو كُنتُم تَعرِفوني لَعَرفتُم أَبي أَيضاً. مُنذُ الآنَ تَعرِفونَه وقَد رأَيتُموه)).ا

من المعروف عن القديس توما الرسول أنه رجل الأسئلة كانت له دوما أسئلة في فكره ويريد معرفة كل شيء قبل أن يفوت الآوان. والآن علينا أن نعرف ما معنى جواب يسوع: “أَنا الطَّريقُ والحَقُّ والحَياة“. فإذا كان يسوع فقط نبي أو واعظ لما أعطى هذا الجواب أنا هو الطريق“. ليس يسوع مجرد شخصاً يشير إلى الطريق، لكنه هو بالذات الطريق. فهو وحده يمكنه أن يقودنا إلى الآب. فهو الطريق، إذا كنت تؤمن بالمسيح أم لا! يبقى هو الطريق. كما قال يسوع أيضا أنه: “الحق، انه لا يدعي قول الحقيقة. انه الحقيقة بالذات. وأنه هو أيضا الحياة، فهو لا يقول أنه يعيش في الحياة، بل أنه هو مصدر وأصل الحياة

لم يكن لليهود طريقاً واضحاً بل كان لهم موسى والأنبياء الذين أظهروا لهم أين هو الطريق وما هو الطريق. أما الآن فالطريق أصبح مرئيا، بشخص يسوع المسيح، الذي من خلال تعليمه يمكننا التعرف على الحقيقة المطلقة. كل من يؤمن به، يسكن في منازل الآب الذي يهب الراحة: “في مراعٍ خُضُرٍ يُريحُني” (مز 23: 2).ا


الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO