زيارة القـبور بشكل مُنتـظم

زيارة القـبور بشكل مُنتـظم

أصدقائي الأعـزاء
طرحَ صديقٌ سؤالا عن ” ما هو رأيي ” بخصوص زيارة القـبور بشكل مُنتـظم. ويعني السائلُ ” بشكلٍ منتظم ” كلَّ أسبوع أو شهرٍ مثلا. بحيثُ يحدُثُ للبعض أنهم يُهملون مشاركة القداس بعض الآحاد إلا أنهم لا يهملون زيارة قبر عضوعزيز فصله الموت عنهم

قبلَ إبدائي رأيي أسألُ : ” هل المَّيتُ الذي يزورون قـبره ” موجودٌ داخلَ القبرِ ليزورَه أقرباؤُه أو أصدقاؤُه؟. كلنا نعلمُ أن الجسدَ يفسدُ وينحَّلُ إلى العناصر المادية الأولى ولا يبقى منه شيء بعدَ فترةٍ غير قصيرة. إلا اللهم إذا حُفظَ الجسمُ من الفساد وذلك بتدخلٍ إلهي ، مثل جسد القديسة ريتا ، والقديس شربل وغيرهم معدودين. وهل يعتقدُ أولئك الزائرون أن النفس أو الروحَ تظلُ سجينةَ القبر؟. نقرأُ في الأنجيل أن الرب يسوع أجابَ لصَّ اليمين قائلا :” اليومَ تكونُ معي في السماء ” (لو23: 43). ونعرفُ أنَّ جسدَه ألقي في الوادي أو قُـبِر ونالَ منه الفساد كمليارات بقية الأجساد. جسـدان وحيدان لم يُعثرْ لهما على أثر بعد الدفن ، هما جسدا يسوع ومريم اللذان تحَّولا حالا، بعد الوفاة الطبيعية ، إلى الحالةِ الروحانية المُـمَّـجدَة

تقتصرُ زيارة المقابر إذن على قبورٍ فارغة لا لأشخاص موجودين فيها. لأنَّ الميت يتحَّولُ إلى حالةٍ روحية لا تقَّـيدُه المادة ، ويمكنُه أن يتواجد في أي مكان كان، كما يمكننا نحن أن نتعاملَ معه بشكلٍ روحي

أما زيارةُ القـبر فليست بذاتها أمرًا خاطِئا. وقد تكون أحيانا بنَّـاءة. إننا نزورُ عزيزا في آخر مكان أسكناه فيه. حتى لو إنفصلَ عنا وآختفى عن أنظارِنا فهو يبقى حيًّـا في وجداننا. فالقبرُ رمزُ نهاية الأجساد البشرية والحياة الزمنية فقط. وهو تذكيرٌ للأحياءِ أنهم سينتهون إلى نفس الحالة. سيموتون وتنتهي حياتهم الزمنية. لا شيء يقدر ، لا الصحة ولا المال ولا المنصب، أن يبقينا أحياء على الأرض. إننا روحيون صورة اللـه فنحن مدعوون إلى الحياة الروحية مع اللـه للأبد. هذا من جهة. ومن أخرى تدُّلُ زيارتُنا على قناعَتنا بأنَّ عزيزنا لم يفنَ. بل إنتقلَ فقط. إنه حَّـيٌ ونقدر أن نتعاملَ معه فنُشعرُه بحُّبنا لهُ و تعَّلقنا به وآستعدادَنا أن نعملَ كلَّ ما بوسعنا لنُسعِفَه ونخدمَه بما يحتاجُهُ إليه. وإذا كان من أولياء اللـه يقدَرُ هو أن يُسعِفنا فنلجَأُ إلى شفاعَتِه ونطلبُ عونَ اللـه بواسطتِه

وبالتالي نحن أيضا لن يُمحينا الموت من الوجود. فالقبر إذن يُذكرُنا بهذه القـيم فلا أتصَّورُ أنه يوجد مانعٌ لزيارةِ القبوربهذا الأيمان وهذا الهدف. ولكن لا يجوزأن تفوقَ الحد المعقول. فلا يكن القبرُ أهمَّ من أمورٍ حياتية أخرى، ولاسيما من مكانةِ اللـه في قلوبنا. يجبُ أن تبقى محَّبةُ اللـه هي الأولى والأسمى ، كما قال الرب : ” من أحَّبَ أبًا أو أُمًّـا أكثرَ مني… أو إبنًا أو إبنةً أكثر مني ليس جديرًا بي “(متى10: 37). بجب أن يُعَّلمَنا رجاؤُنا بالحياة الأبدية كيف نعالجُ أحزاننا وكيفَ نرتفعُ من المستوى المادي الحسي الذي نعيشُ فيه إلى المستوى الروحي الألهي الذي نحن مدعوون إليه. أما إذا أخذنا معنا باقة وردٍ أو أشعلنا شموعًا على القبر مُعَّبرين بها عن رجائنا أو دُعائنا أن يتمتع أمواتُنا بالراحة والسعادة فلا ضررعلى أحد بذلك. إنما يبقى ألا يحولَ ذلك إلى تقديس الموت أكثر من الحياة. و ما فعلته المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة اللواتي أخذن الطيوب والعطور لتحنيط جسد الرب وتطييبِه، كان تعبيرا عن حبهن للرب وتأكيدا على إيمانهن باستمراره حَّـيًا في حياتِهنَّ

أما تنظيمُ زيارة القير كلَّ أسبوع مثلا فلا يبدو موافقا للآيمان الصحيح ، لأنَّ ذلك يعني قلـةَ الأيمان بالحياةِ الأبدية وتفضيل العاطفة على تعليم الأنجيل ولاسيما التمسُّك بالتقاليد البشرية حلى حساب الأيمان المستقيم. وكذلك تبدو أيضا غريبة ونافرة دعوةُ كهنة للصلاة على القبور بعد أشهر بل وسنين على موت أصحابها. كانت الطقوس تأمر سابقا بأداء صلاة اليوم الثالث على القبر لتقديس القبرلأن الراقد فيها ” مؤمن بالمسيح ” تناول الأقداس فتقدَّسَ بجسد ودم المسيح. إلا أن هذا كان يتمُّ مرة واحدة في الحياة فقط. أما الصلاة للموتى فلا ضرورة بأن تتلى على القبر. يمكن تلاوة الصلاة عن روحهم في أي مكان. ولاسيما يمكن إقامة القداس ، ذبيحةِ المسيح عن أرواحهم في الكنيسة

القس بول ربـان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO