صوموا ولا تعبسوا

صوموا ولا تعبسوا

عادة الصوم

الاحد 24 مارس 2013 – 08:29 م

المطران كريكور أوغسطينوس كوسا أسقف الإسكندرية للأرمن الكاثوليك

الصوم عادة قديمة احتلت مقام الصدارة بين اعمال التقوى التي تمرس بها الانسان اسغفارا للخطايا واستمطارا للنعم ، وتعبيرا عن توبة صادقة وإقرارا بسلطان الله . وكانت الشريعة تأمر بالصوم في يوم واحد من ايام السنةهو يوم التكفير، وجرت العادة ان يصوم الشعب في ذكرى الكوارث الوطنية الكبرى

الصوم عادة قديمة احتلت مقام الصدارة بين اعمال التقوى التي تمرس بها الانسان اسغفارا للخطايا واستمطارا للنعم ، وتعبيرا عن توبة صادقة وإقرارا بسلطان الله . وكانت الشريعة تأمر بالصوم في يوم واحد من ايام السنةهو يوم التكفير، وجرت العادة ان يصوم الشعب في ذكرى الكوارث الوطنية الكبرى ، مثل سقوط أورشليم بين ايدي الكلدانيين ، ولكن الفريسين كانوا يصومون في ايام اضافية خاصة بهم ، فقط لإعلان مظاهر التقوى . وقد اورد الكتاب المقدس العديد من الامثلة على الصوم الذي لجأ اليه من توخوا مرضاته في العهد القديم
جاء في سفر يونان ان الله هدد نينوى بالدمار وأرسل يونان الى اهلها ليذكرهم بوجوب التوبة اليه بالصلوات والاصوام . وامتثل يونان ،  لأمر الله ونادى في المدبنة وقال : ” بعد اربعين يوما تنقلب نينوى ، فأمن أهلها ونادوا بصوم ولبسوا مسوحا من كبيرهم الى صغيرهم وبلغ الكلام ملك نينوى فقام عن عرشه والقى عنه حلته الملوكية والتف بمسح وجلس على الرماد وامر أن ينادى ويقال في نينوى بقضاء الملك وعظمائه  لا يذق بشر ولا بهيمة ولا بقر ولا غنم  شيئا ولا ترعى ولا تشرب ماء . وليلتف البشر والبهائم بمسوح وليصرخوا الى الله بشدة ويتوبوا كل واحد عن طريقه الشرير ” ( يونان 3 : 5-9 ) . وعفا الله عن نينوى وأهلها
وأستهل السيد المسيح حياته العامة بالصوم ، ” فصام اربعين يوما واربعين ليلة حتى جاع ” (متى 4: 2 ) ، وأوضح  أن هناك نوعا من الشياطين لا يطرد إلا بالصلاة والصوم ( مرقس 9 : 29 ) . وتمرس بولس  رسوا الامم بالصوم هو برنابا كما جاء في كتاب اعمال الرسل : ثم أستودعاهم ، أي من بشراهم بالمسيح ، الرب الذي آمنوا به ، بعدما أقاما كهنة في كل كنيسة وصليا وصاما
( أعمال الرسل 14 : 23 ) ، وحذا الرسل حذوهما : ” فبينما هم يقضون فريضة العبادة ويصومون ، قال الروح القدس أفردوا شاول وبرنابا لأمر ندبتهما إليه ” (أعمال الرسل 13 : 2 )
صفات الصوم
الصوم لا يكون مرضيا ومقبولا  امام الله  إلا إذا اقترن بصفات تحببه إليه تعالى . وهذا ما أشار إليه السيد المسيح يوم قال : ” وإذا صمتم  ، فلا تعبسوا كالمرائين يكلحون وجوههم ، ليظهروا للناس أنهم صائمون . الحق الحق أقول لكم : ” انهم أخذوا أجرهم . أما أنت  ، فإذا صمت  فادهن رأسك واغسل وجهك ، لكيلا يظهر للناس أنك صائم ، بل لأبيك الذي في الخفية ، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك ” .! أحسن الصوم  أبعده عن كبرياء ورياء ، وقد رذل السيد المسيح صوم الفريسي  لبعد هذا الاخير عن البساطة وإغراقه في المباهاة . ونحن نعرف أن الصوم ، إذا فقد معناه ، رذله الله . وقد أريد بالصوم إذلال النفس في حضرة خالقها ، وتعبيرا عن توبة صادقة. لذلك يعتبر الصوم رمزا الى الإقرار  الباطني بسيادة الله المطلقة علينا ودليلا على اسف لامتهان كرامته   . فهو قد أراد  ان يتصف بالتواضع وانسحاق القلب والايمان العميق والابتعاد عن الرياء  ولا يظنن أحد ان الله يجني فائدة من رؤيتنا نصوم أو هو يسر لرؤيتنا نتعذب بالانقطاع عما لذ وطاب من المآكل والمشارب ، وما كان الله بظلام لمخلوقاته وعباده . فهو قد اراد الصوم وسيلة لا غاية ، فإذا كانت هناك وسيلة سواها ، فهو يرضاها ، ولذلك قال على لسان اشعيا النبي : ” أليس هذا هو الصوم الذي آثرته ، حل قيود النفاق وفك ربط النير وإطلاق المضغوطين أحرارا وكسر كل نير . أليس هو ان تكسر للجائع خبزك وان تدخل البائسين المطروحين بيتك واذا رايت العريان ان تكسوه وان لا تتوارى عن لحمك ” ( أشعيا 58 : 6- 7 ). وقد برر السيد المسيح تجاه تلاميذ يوحنا مسلك تلاميذه  الذين لا يصومون بقوله : ” أيستطيع هل العرس أن يصوموا والعروس بينهم  ؟ ” ( متى 9: 15 )
قدرة الصوم
لقد رأينا أن الله أنقذ نينوى من الدمار لانقطاع أهلها الى الصوم  والصلاة ، ووهب يوحنا المعمدان الجرأة على الجهر بكلام الله والاستشهاد في سبيله لأنه قضى حياته في تقشف وأصوام ، ودشن السيد المسيح حياته العامة بالصوم اربعين يوما واربعين ليلة ليعطينا مثلا في التمرس بهذا العمل التقوي ، وأوضح لنا ان هناك نوعا من الشياطين لا تخرج إلا بالصوم والصلاة ، وهذا ما تمرس به الرسل ولا سيما بولس الرسول الذي كان يفاخر بما تحمل من ” شدائد ومشقات وجلد وسجن وفتن وسهر وصوم ”  ( 2 قورنتس 6 : 5 ) . وقد اتبع اولياء الله وقديسوه هذه الخطة في كل عصر منذ انطلاقة المسيحية حتى يومنا هذا ، لانها تسعف على كبج الاميال وترويض الاهواء وتطهير النفوس وتسهيل الاتصال بالله والارتباط به ارتباطا وثيقا
أفما يليق بنا أن نصوم اقتداء  بالسيد المسيح ورسله وقديسه فنستخدمه وسيلة من وسائل العبادة الحقة والتقوى الراسخة ؟
اللهم اعطنا اذا صمنا ألا نعبس ونكلح الوجوه لكيلا يظهر صيامنا إلا لك وحدك ، انت االذي يجازي المؤمنين في العلن عما يأتونه من أعمال مبرورة في الخفية

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO