كرازة الأحد الأول من الصوم

الصوم من التجارب الى عيش الإختبارات

 

16واعتَمَدَ يسوع وخَرجَ لِوَقتِه مِنَ الماء، فإِذا السَّمَواتُ قدِ انفتَحَت فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. 17وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول:((هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت)).4 1ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس. 2فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع. 3فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له:((إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة)). 4فأَجابَه:
((مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله)).5فمَضى بِه إِبليسُ إِلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل، 6وقالَ لَه:((إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب:((يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ)).7فقالَ له يسوع((مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ)). 8ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، 9وقالَ له:((أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً)). 10فقالَ له يسوع:((اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد)).11ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه. متى (3: 16-4: 11) 

تأمل في انجيل الأحد الأول من الصوم

في الإسبوع الأول من موسم الصوم نتأمل في معناه السامي برفقة انجيل متى عن تجارب يسوع المسيح في البرية.

تذكرنا البرية هنا بالبرية في العهد القديم حيث تاه بنو اسرائيل لعشرات السنين، ولكن الله كان معهم فخلصهم بعد اربعين سنة ليصبح رقم اربعين رمزاً للصوم والإلتقاء المباشر مع الله حيث التجرد وأفق السماء امام الناظر. فالبرية هي رمز للمحل الذي اصغي فيه الى صوت الرب.

في الإنجيل نرى برية من طراز جديد، حيث يسوع، الإنسان الجديد وممثل شعب اسرائيل الجديد الذي سيفتتح ملكوت الله بفضل حياته وتضحيته. ستكون البرية بديلاً لبرية سيناء. هكذا كل لحظة من حياة الصائم ستصبح حياة في شعب الله الجديد.

التجارب والإختبارات

إن تجارب يسوع الثلاثة في البرية ترمز الى ما يواجهه الإنسان الجديد من تحديات بعد ولادته بالروح القدس من خلال المعمودية. تحديات الرغبة الإنسانية بشهوة الإمتلاك، وشهوة الكبرياء، وشهوة السلطة. الشهوات العالمية الثلاثة التي غالبا ما تصرع البشر. المسيحي منعم بحضور نعمة المسيح في قلبه، وبنعمة المسيح يحول التجارب الى اختبارات روحية عميقة: فتجربة الإمتلاك تتحول الى اختبار عيش القناعة، وتجربة الكبرياء تتحول الى اختبار سلوك التواضع، وتجربة السلطة تتحول الى اختبار خدمة الآخرين.

التجارب الثلاثة هي ابواب يدخل من خلالها المجرب ليبقى الإنسان قديماً كسيناء القديمة حيث جرب بنو اسرائيل الله. لكن ثمار الإختبارات الروحية الثلاثة تفتح الرجاء بأن يحلّ ملكوت الله كما علمنا الرب عند تلاوة الصلاة الربية قائلاً: ليأت ملكوتك.

قال الرب : ان الشرير لا يخرج من الانسان الا بالصوم والصلاة. الصوم والصلاة هما سمتا المسيحي طول العمر. فترة الصوم هي فترة الرجوع الى فحص الذات من جديد، وتأمل في الحياة، ومحاسبة الذات هل حولنا التجارب، التي نتعرض لها، الى اختبارات حياة لتجديد روحيتنا، وتقوية ارادتنا، والاستعداد الدائم لما سنواجهه من تجارب أخرى.

يؤكد معظم القديسون ان التجربة ستبقى معنا حتى آخر العمر، ونحن في حالة حرب مستمرة معها، ولكن مؤمنين اننا نتغلب دائما بقوة روح الرب في قلوبنا. لا بل اكثر من ذلك، فاللاهوتي كارل راهنر يقول ان الثالوث الأقدس (الآب والإبن والروح القدس) هو مع المسيحي في حياته اليومية ليستفاد من التجارب في تقوية مسيرته نحو القيامة النهائية.

خبرة النبي اشعيا

يقول النبي اشعيا عن الصوم: الصوم هو ان تفك قيود الاسير، وتكسر خبزك مع الجائع. هذه آيات مقدسة بحاجة الى تفعيل هذه الأسابيع. من هم الأسرى؟ الأسرى هم اخوتي من حولي الذين ربما اقيدهم نفسيا او روحيا بمثالي الغير مقبول، وعليّ ان احررهم من خلال افعال حب ورحمة وطلب غفران وعفو عمّا بدر مني من نظرة سيئة، او قول سيء تجاههم، فأسأت الى سمعتهم. عندما، بالنميمة مثلاً، اؤذي أخي أو أختي فهو اسير لديّ واستحق الدينونة. هنا كل قراءات الكتاب المقدس وصلواتي والمشاركة في القداديس تبقى ناقصة بحاجة الى ان تكتمل من خلال المصالحة كما قال الرب. كذلك الحال مع صوم الجسد؛ فإن لم اجمع ما اقتصده من الصوم من اشكال الأطعمة، وفي نهاية الصوم اعطيه للمحتاجين فالفائدة ناقصة.

بعدي الإنسان

للانسان بعدين ظاهري وباطني. البعد الظاهري موجود ومعروف من خلال تتبع رغبات الإنسان المادية التي يفترض ان تكون مصدرا للفرح الروحي له وللآخرين. والبعد الباطني يعني وعينا العميق بجوهرنا وهويتنا ووجودنا كمعمذين ولدينا رسالة مقدسة في هذه الحياة من خلال تفعيل علاقاتنا مع الله، ومع ذواتنا، ومع الآخر، ومع الطبيعة. لكن هل البعد الباطني له وجود فعال في افكارنا واقوالنا وافعالنا واعمالنا؟

لذلك جدير بنا تذكر ما يسعى اليه الرب وهو ان لا نكون موجودين على الارض ببعدنا الظاهري، فليس بالخبز وحده نحيا. بل أن نعمل ونتغذى من ثمار كلمات الرب وفعلها فينا في حياتنا اليومية. وهنا نعتمد، لتقوية ثقافتنا الروحية في أيام الصوم، على نصوص مختارة من الكتاب المقدس والكتب الروحية.

الاب حبيب هرمز

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO