البابا يترأس قداسا احتفاليا في البازيليك الفاتيكانية لمناسبة رأس السنة

البابا يترأس قداسا احتفاليا في البازيليك الفاتيكانية لمناسبة رأس السنة الميلادية

واحتفالا باليوم العالمي الـ46 للسلام حول موضوع “طوبى لصانعي السلام”ا

إذاعة الفاتيكان

ترأس قداسة البابا بندكتس السادس عشر صباح اليوم الثلاثاء قداسا احتفاليا في بازيليك القديس بطرس بالفاتيكان لمناسبة رأس السنة الميلادية وفي تذكار القديسة مريم والدة الله واحتفالا باليوم العالمي السادس والأربعين للسلام. تخللت الذبيحة الإلهية عظة للحبر الأعظم قال فيها:ا

أيها الأخوة والأخوات الأعزاء

“ليباركنا الله، وليشع بوجهه علينا”. بكلمات المزمور 66 هتفنا بعد أن استمعنا في القراءة الأولى إلى البركة الكهنوتية القديمة لشعب العهد. إنه لأمر مهم، مع بداية عام جديد أن يُلقي الله علينا نحن، شعبه، نور اسمه القدوس، الاسم الذي يُكرر ثلاث مرات في صيغة البركة الكتابية. إنه لأمر مهم أيضا أن يُعطى كلمة الله ـ “الذي صار بشرا وسكن بيننا” كـ”النور الحق الذي ينير كل إنسان” (يو 1، 9. 14) ـ اسم يسوع بعد ثمانية أيام على مولده كما يُخبرنا إنجيل اليوم (لو 2، 21).ا

إننا مجتمعون هنا بهذا الاسم. أحيي من صميم القلب جميع الحاضرين، بدءا من السفراء، أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي. أحيي بحرارة الكاردينال بيرتونيه، أمين سر الدولة، والكاردينال توركسون مع جميع أعضاء المجلس الحبري للعدالة والسلام؛ إني ممتنٌ لهم على التزامهم في نشر رسالة اليوم العالمي للسلام، وموضوعها هذا العام “طوبى لصانعي السلام”.ا

على الرغم من أن العالم ما يزال وللأسف مطبوعا بـ”انتشار التوتر والتصارع الناجمين عن عدم المساواة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء وعن هيمنة عقلية أنانية وفردانية معبر عنها أيضا برأسمالية النقدية الاعتباطية”، فضلا عن أشكال أخرى من الإرهاب والإجرام، إني مقتنع بأن “أعمال السلام المتعددة، والتي بها العالم غني تشهد على الدعوة الفطرية للإنسانية نحو السلام. إن التوق للسلام في داخل كل شخص، هو بمثابة تعطش أساسي يتوافق، بشكل ما، مع التوق إلى حياة متكاملة وسعيدة وتامة التحقيق. الإنسان خُلق من أجل السلام الذي هو عطية من لدن الله. كل هذا دفعني لاستلهم من أجل هذه الرسالة من كلمات يسوع المسيح: “طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يُدعون” (مت 5، 9)” (رسالة اليوم العالمي للسلام، 1). تقول هذه التطويبة “إن السلام هو عطية مسيحانية وعمل إنساني … إنه سلام مع الله من خلال العيش بحسب مشيئته. إنه سلام باطني مع أنفسنا وسلام خارجي مع القريب ومع كل الخليقة” (المرجع نفسه 2 و3). نعم، السلام هو خير بامتياز نبتهله كعطية من الله، وفي الوقت نفسه، نبنيه بكل جهد

يمكننا أن نتساءل: ما هو أساس ومصدر هذا السلام، وما هي جذوره؟ كيف يسعنا أن نشعر بالسلام في داخلنا على الرغم من المشاكل والظلمات والمخاوف؟ الإجابة تقدمها لنا قراءات ليتورجية اليوم. تقترح علينا النصوص الكتابية، لاسيما النص المأخوذ من إنجيل لوقا الذي قُرأ منذ قليل، التأمل بالسلام الداخلي لدى مريم، أم يسوع. فخلال الأيام التي “ولدت فيها ابنها البكر” (لو 2، 7) حصلت أحداث كثيرة لم تكن في الحسبان: لم تتم ولادة الابن وحسب، لكن قبل ذلك كان هناك السفر المضني من الناصرة إلى بيت لحم، عدم العثور على غرفة في النُزُل، البحث عن مأوى بعد هبوط الظلام؛ ثم ترانيم الملائكة، زيارة الرعاة التي لم تكن متوقعة. على الرغم من كل هذا لم تضطرب مريم، لم ترتبك نتيجة أحداث أكبر منها؛ فراحت بكل بساطة تفكر بما حصل بصمت، حفظته في ذهنها وقلبها، وتأملت بكل شيء بهدوء وطمأنينة. هذا هو السلام الداخلي الذي نود أن نناله وسط الأحداث المضطربة والمربكة في التاريخ، أحداث لا نفهم معناها غالبا، وتولد لينا الارتباك

ينتهي مقطع الإنجيل في إشارة إلى ختان يسوع. فبحسب شريعة موسى، على الطفل أن يُختن بعد ثمانية أيام على ولادته، وفي هذه المناسبة يُدعا الطفل. من خلال الملاك قال الله نفسه لمريم ـ وليوسف أيضا ـ إن الطفل يجب أن يُدعا “يسوع” (مت 1، 21؛ لو 1، 31)؛ وهذا ما حصل. هذا الاسم الذي اختاره الله قبل أن يُحبل بالطفل يُعطى له الآن رسميا خلال عملية الختان. وهذا طبع إلى الأبد هوية مريم: إنها “أم يسوع”، أي أم المخلص، المسيح، الرب. يسوع ليس إنسانا كباقي البشر، إنه كلمة الله، أحد الأشخاص الإلهيين، ابن الله: لذا منحت الكنيسة مريم لقب “تيوتوكوس“، أي “أم الله”.ا

تذكّرنا القراءة الأولى بأن السلام عطية من الله وهو مرتبط بتألق وجه الله، وفقا لنص سفر العدد، الذي يورّث بركة كهنة شعب إسرائيل خلال المناسبات الليتورجية. بركة تكرر ثلاث مرات اسم الله القدوس، اسم لا يمكن لفظه، وفي كل مرة يرتبط الاسم بفعلين يدلان على عمل لصالح الإنسان: “يباركك الرب ويحفظك، ويضيء الرب بوجهه عليك ويرحمك، ويرفع الرب وجهه نحوك. ويمنحك السلام” (6، 24-26). السلام إذا هو ذروة هذه الأفعال الستة التي يقوم بها الله من أجلنا، ومن خلالها ينحني علينا بتألق وجهه

إن التأمل بوجه الله، بالنسبة للكتاب المقدس، يشكل ذروة السعادة: يقول صاحب المزامير “تُسرّه سرورا أمام وجهك” (مز 21، 7). من التأمل بوجه الله يولد الفرح والأمان والسلام. لكن ما معنى التأمل بوجه الرب، حسب مفهوم العهد الجديد؟ يعني التعرف عليه مباشرة، وهذا ممكن في هذه الحياة بواسطة يسوع المسيح الذي فيه كشف الله عن وجهه. التمتع بتألق وجه الله يعني الولوج في سر اسمه الذي أظهره لنا يسوع، يعني فهْمَ شيء عن حياته الحميمة وعن مشيئته كي نتمكن من العيش وفقا لمخطط المحبة الذي شاءه للبشرية. هذا ما يعبر عنه الرسول بولس في القراءة الثانية، المأخوذة من الرسالة إلى أهل غلاطية (4، 4-7)، متحدثا عن الروح الذي ينادي من أعماق قلوبنا: “أبا! يا أبت!”. إنها الصيحة التي تنبعث من التأمل بوجه الله الحقيقي، من الكشف عن سر الاسم. يقول يسوع: “أظهرتُ اسمك للناس” (يو 17، 6). إن ابن الله الذي صار إنسانا جعلنا نتعرف على الآب، جعلنا نرى في وجهه البشري المرئي وجه الآب غير المرئي؛ من خلال هبة الروح القدس الذي أفيض في قلوبنا جعلنا نعرف أنه به هو نصير نحن أيضا أبناء لله، كما يؤكد القديس بولس في القراءة التي استمعنا إليها: “والدليل على كونكم أبناء أن الله أرسل روح ابنه إلى قلوبنا، الروح الذي ينادي: أبا! يا أبت !” (غلاطية 4، 6).ا

ها هو، أيها الأخوة الأعزاء، أساس سلامنا: اليقين بأننا نتأمل من خلال يسوع المسيح في تألق وجه الله الآب، بأننا أبناء في الابن، وبأن نشعر في مسيرة حياتنا بالأمان نفسه الذي يختبره طفل بين ذراعي أب طيب وكلي القدرة. تألق وجه الرب علينا، الذي يمنحنا السلام، هو التعبير عن أبويته؛ اليوم يُطل بوجهه علينا، يُظهر أنه أب ويهبنا السلام. هنا يكمن مبدأ هذا السلام العميق ـ “السلام مع الله” ـ الذي هو مرتبط بالإيمان والنعمة بشكل غير قابل للانحلال كما يكتب القديس بولس إلى مسيحيي روما (روما 5، 2). لا شيء يقدر على انتزاع هذا السلام من المؤمنين، ولا حتى صعوبات الحياة وآلامها. في الواقع إن الآلام والتجارب والظلمات لا تجعل رجاءنا يهترئ ويتآكل، بل تقويه، إنه رجاء لا يخيّب لأن “محبة الله أفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي وهب لنا” (روما 5، 5).ا

فلتساعدنا العذراء مريم، التي نكرمها اليوم كأم الله، على التأمل بوجه يسوع، أمير السلام. فلتعضدنا وترافقنا في هذا العام الجديد؛ ولتبتهل لنا وللعالم بأسره هبة السلام. آمين !ا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO