موعظة عيد الميلاد

موعظة عيد الميلاد
كل عام وانت بالف خير

الأب سعد سيروب حنا

يُبنى انجيل الطفولة عند لوقا على ثلاثة حركات أساسية، وهي الحركات الاساسية للبشارة المسيحية بالعموم: الحركة الاولى هي الحدث؛ الحركة الثانية على البشارة؛ الحركة الثالثة هي القبول. وهي سلسلة مرتبطة الواحدة بالاخرى. فالرعاة الذين قبلوا البشارة هم صاروا بدورهم مبشرين. وبهذا الشكل فان الحدث الذي يشكل قلب المسيحية انتقل من جيل الى جيل. الحدث المسيحي هو هو لا يتغير، حدث تاريخي وفريد: “طفل ملفوف بقماط وموضوع في مذود”. صحيح ان الاحتفال به يختلف من جيل الى جيل، إلا أن الحدث الاساسي هوهو لا يتغير 

ان صورة الطفل التي يكررها لوقا ثلاث مرات تدهشنا ببساطتها الكلية. فالعجيب هو في غياب مظاهر العجيب من هذا الطفل. الرعاة يخافون من صوت الملاك ويتعجبون من الاعلان ولكن العلامة التي يجدونها هي طفل ملفوف وموضوع في مذود

ان عجيبة الميلاد تكمن في هذا. فرواية الميلاد تمرّ من الفقر الى المجد: وكأن الفقر والمجد يفسران الواحد الآخر. فبدون المجد لن نفهم “ان الطفل الموضوع في مذود هو الرب”. ولكن بدون علامة الفقر ” الطفل الموضوع في مذود” لن نفهم أن مجد الله الحقيقي يختلف عن مجد الأنسان. فالعجب هو فان الذي يُعلن عنه مخلصاً، رباً، ومسيحياً هو الطفل الملفوف بقمط والموضوع في المذود. لا معنى للميلاد دون هذه العلاقة بين الطفل والرب، بين البساطة والمجد. ولهذا فان عجيبة الميلاد هي عجيبة تحتاج الى التوبة، توبة لاهوتية: فظهور الرب لا يتبع مقاييس بشرية، التي تحاول دائماً أن تخفي بساطة الطفل خلف اشكال مغرية من القدرة والبريستيج، وخلف اشكال غير اعتيادية للمجد البشري. وهنا نغامر بحقيقة الميلاد التي تريد ان تقول بان الله صار بشراً. والعجب العجاب والحقيقي هو ان الله ظهر في مشهد الطفل الذي لا عجب فيه. فغياب العظمة – العظمة التي نتصورها نحن البشر – هو جزء أساسي من البشارة الاساسية للحقيقة المسيحية. هذا هو برأي مركز رواية الميلاد وقلبها

يروي لنا الانجيلي لوقا بان يوسف “أخذ مريم خطيبته، وهي حبلى” وذهب ليكتتب في بيت لحم. المسافة بين الناصرة وبيت لحم تبلغ 150 كم، وكانت تقطع في ذلك الوقت بثلاثة أيام الى اربعة. ويقول الانجيل أن “زمانها تمّ لتلد، فولدت أبنها البكر، ولفته بقماط، ووضعته في مذود، لانه لم يكن لهما موضع في الفندق” (لوقا 2/ 6-7). يتكلم لوقا عن “فندق” ويقصد به فسحة بين جدارين وعلى جانبه توجد بعض الغرف الصغيرة للاغنياء، وغرفة للجلوس عامة. وكانت الحيوانات توضع في الفسحة الامامية وأما المسافرون فكان يتجمعون في الغرفة العامة، واذا لم يوجد مكان فانه كان يبيتون مع الحيوانات

مريم ويوسف لم يكن لهما موضع في الفندق (يقول الانجيل بانه لم يكن لهم مكان في الفندق، ولكن مكاناً للاغنياء كان يمكن ان يتوفر). ولهذا نراهم يلجأون الى الاسطبل حيث الحيوانات، أو في أحد المغاور التي كان تحفر على جانبي الفندق. وفي هذا المكان يولد يسوع الذي يقول عنه الانجيل بان المخلص، أي المسيح الرب

ومن هم الرعاة؟ كانت العائلة التي تملك عدد قليل من الحيوانات، تُدخل هذه الحيوانات الى البيت. وأما القطعان الاكبر فكانت تترك في العراء وكان بعض الرعاة يحرسونها. هؤلاء كان ناس تعيش في درجات المجتمع الاخيرة: كانوا يعتبون غير أهل للثقة، ظروف حياتهم تمنعهم من مراعاة الشريعة والطقوس التطهيرية التي تتطلبها، ولهذا كانوا يعتبرون غير طاهرين

لهؤلاء الرعاة تعلن الملائكة ولادة المسيح المخلص ويظهر لهم جوق الرعاة: “لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَعُمُّ الشَّعْبَ كُلَّهُ: قَدْ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ”. وملائكة السماء تُنشد: “المجد لله في العلى وعلى الارض السلام والرجاء الصالح لبني البشر” (لوقا 2/ 14). وأعتقد بان اعلان المسيح المخلص للرعاة هو استباق لحياة يسوع وتصرفه الذي كان يخالط الفقراء والعشارين والزناة وكان بهذا يثير الشك في قلوب الاغتياء والفريسيين والكتبة

ان السلام الذي يتكلم عنه النشيد الملائكي هو سلام يختلف عن السلام السياسي الذي كانت الامبراطورية الرومانية تنشره وتحافظ عليه. فقد كانت الامبراطورية تقوم بالحروب لكي ما تنشر السلام . ولكن لوقا يشير الى سلام يختلف عن سلام الامبراطور اوغسطس، أنه سلام الطفل الموضوع في مذود: ليس السلام الحقيقي هو سلام أوغسطس، أنه السلام الذي يأتينا من الله، سلام الله لبني البشر، موضوع محبته الدائم
في اليهودية السلام هو الاتفاق بين الاطراف، الذين يعترفون بحقوق وامكانية الحياة، وواجبات محددة لكل واحد. وان كان هذا صحيح، ولكنه يبقى سلاماً أرضياً. ولكن لوقا يريد أن يقول بان السلام هو عطية من الله، ومعجزة تدخله الخلاصي، وهبة لجميع بني البشر الذين يحبهم. وحب الله لا حدود له ولا يميز بين الناس

وملاحظة أخيرة عن السلام: السلام في الكتب المقدس هو ترجمة أرضية لما يحدث في السماء.، اي جواب الارض على مجد الله الذي تنشده الملائكة في السماء. وإذا أردنا ان نعطي المجد لله علينا ان نبني السلام على الارض

الانجيلي لوقا يصف المواقف التي يجب على الانسان أن يأخذها عندما يتكلم عن الرعاة. أول موقف هو “البحث المستعد وبلا تأخير”، كموقف الرعاة. والتعجب والحد والشكر في أخبار الاخرين بما صنع الله لنا. هذا هو موقف الرعاة

وهناك أيضا موقف مريم : ” فَكَانَتْ تَحْفَظُ هَذِهِ الأُمُورَ جَمِيعاً، وَتَتَأَمَّلُهَا فِي قَلْبِهَا” (لوقا 2/ 19). يصف لوقا بان تعجب الرعاة تحول الى ثناء وحمد، يقول بان تعجب مريم تحول الى صمت وأصغاء. ان الفعل “تحفظها في قلبها”، لا يعني مجرد تذكر هذه الاحداث، ولكنه يشير الى الاهتمام والعناية، كأنه يحفظ الجوهرة بين يديه. أنها تحفظها متأملة فيها

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO