الإيمان 5

الإيمان (5)

مفهوم الإيمان عند القديس يوحنا(2)


· الإيمان وكينونة الإنسان والنعمة

يتكلم يوحنا بإصرار على نعمة الحياة الأبدية بالمسيح، هذه النعمة التي تبدأ الآن وتكون من نصيب الذين يؤمنون بأن يسوع هو الطريق والحق والحياة. ويتميز يوحنا باستعمال أشياء الحياة العادية ليرمز بها إلى الحقائق الروحية، كإستعمال للخبز والماء والنور والراعي ورعيته والكرمة وثمرها.

فإذا أراد الإنسان ان يشترك في الواقع الروحي وجب أن يعود فيولد ولادة بتولية أي روحية من الماء والروح، وإلا فلا يقدر أن يدخل ملكوت الله الذي هو روح. فالإنسان هو خليقة من الله، لا الله بل هو مخلوق على صورة الله ومثاله. لهذا عالم الإنسان يعوزه النعمة والحق اي الحكمة من العلو: “والكَلِمَةُ صارَ بَشَراً فسَكَنَ بَينَنا فرأَينا مَجدَه مَجداً مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ” (يو 1: 14).

الحياة الأبدية هي شرط حاضر في الكيان المسيحي، هذا الشرط يمكّنه من الوصول إلى الاشتراك في ملء حياة الله التي يهبها لنا في سر بشرية المسيح. فمن ناحية، يضع المسيح بوضوح شمولية العـطية الإلهية التي تلبس الإنسان كاملة: حيث إن الله هو الذي ينقل الملء ليشمل الإنسان بكامله. هذا العمل هو عطية إلهيه لا تخنق الإنسانية، أي تصبح مثل قضاء وقدر ولا تقلل من حقيقتها، ولكن ترفع الإنسانية إلى سمو حيـوي فائق الطبيعة. ومن ناحية أخرى، تجعل حياة الإنسان في قانون المدى – الزمني وهذا أيضا هبة إلهية تعطى للإنسان، من هنا نفهم بان ملء الله لا يمكن أبطاله من قبل المحدودية البشرية. لهذا فالإنسان  يعيش دوماً في اشتراك جُهدي نحو الملء الأواخري. الحياة الإلهية تعطى للإنسان بكاملها، تعطى كحياة أبدية.

· الإيمان يعني نيل الحياة الأبدية من خلال الإشتراك في مائدة الرب وأعمال المحبة

عند القديس يوحنا بالذات نيل الحياة الأبدية ينسب إلى الافخارستيا: “فقالَ لَهم يسوع: ((الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة. مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه. وكما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب فكَذلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي. هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد))” (يوحنا 6: 54- 58). ومحبة القريب: “نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا انتَقَلْنا مِنَ المَوت إِلى الحَياة لأَنَّنا نُحِبُّ إِخوَتَنا. مَن لا يُحِبُّ بَقِيَ رَهْنَ المَوت” (1 يوحنا 3: 14)، لا لأن القربان ومحبة القريب هي طرق إلى جانب الإيمان، بل لأنها الأعمال التي تستطيع أن تكون محققة في معناها الكامل من خلال الإيمان. هذا التحديد على القربان سائد على كل الاسرار التي هي: علامات محسوسة عن الحياة بالمسيح لأن الأسرار هي الإيمان، علامات غير منفصلة عن الإيمان والحياة.

الحياة المسيحية، حياة لاهوتية، هي الاشتراك بالحياة الإلهية، المعطاة من الله للإنسان منذ الخلقة، التي فُقِدتْ بسبب الخطيئة وأُعيدت بعمل البِر بواسطة المسيح وبولادة الروح. الإنسان يقبلها ويعيشها كحياة جديدة بالاشتراك السري بفصح المسيح؛ الحياة الأبدية، مبدأ ملء الله؛ حياة الثالوث، كالاشتراك في الحب البنوي مع الآب بالإبن والروح. هذه الحياة لديها البعـد الكنسي لأنها تُدرَك وتُعاش في الكنيسة، انعكاسا لقداسة الله مُقدِسُنا.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO