ما معنى الايمان؟

ما معنى الايمان؟

الأب سعد سيروب حنا

يواجه الانسان الذي يريد تعريف الايمان وتضمنيه ضمن شكل أو صورة أو مفهوم محدّد صعوبة كبيرة، وخاصة لانه يعيش في عالم متعدّد الثقافة ومطبوع بالتعددية والنسبية والغموض في كثير من جوانبه. فالجميع يتسأل: ما معنى الايمان؟ والمؤمن خاصة وأكثر من غيره مدعو الى التسأول عن معنى الايمان، وأن لا ييبقى أسيراً للعالدة والتكرار الرتيب الذي لا يسمح بأي تغير وتجديد

 

الايمان فعل بشري

أولا ً:  الايمان و المعرفة
هل يتعارض الايمان مع العلم؟ الإيمان صورة أصيلة للعلاقة مع موضوع العلم. العلم هو “معرفة يقينية” ومواضيعه من النوع المؤسس على التجربة والاحساس. أما موضوع الايمان فيقع على مستوى الاقتناع الداخلي. فالايديولوجية السائدة اليوم تعطي أهمية للعلم والمعرفة العلمية التجريبية، وتحمل الكثير من التحفظات حول “الايمان”، التي تعتبره أدنى مستوى. فالايمان هو قناعة واعتقاد شخصي لا يمكن النقاش فيه ولا يمكن حتى اقتسامه مع الآخرين

أعتقد أن النظرة هذه هي نظرة سطحية لكلا المفهومين. إن فعل الايمان فعل يومي يعيشه الانسان في كلّ حدث ولا يمكن أن نعيش بدونه. كلّ معرفتنا تعتمد على معرفة الآخرين، وكلّ ما نتلقاه في صغرنا وشبابنا نقبله أو نؤمن به معتمدين على علم المعلّم. ففي حينها، كان مستحيلاً علينا التحقق منه أو أختباره علمياً. وسيكون لنا في المستقبل فحسب، عند تخصصنا في فرع علمي معين، أن نتحقق من مصداقية ما درسناه أو تعلمناه في صغرنا ومن معلمينا. وأعتقد بان البرهان عينه يجوز على المعلومات التي نقرأها أو نسمعها في الراديو: فقد يكون الصحفي قد حوّر أو حرّف الفكرة أو الحدث الى ما ليس هو الحدث بذاته! ألم يحدث وأن قامة القنوات الفضائية بتحريف الواقع والاخبار في كثير من الحالات؟ ونعرف جيداً أن درجة الثقة باشخاص في هذا المجال تختلف من شخص الى آخر! ولهذا فاننا نصغي ونقرأ هذه المواد والملعومات الاخبارية بحذر شديد وفي بعض الحالات بعدم ثقة. لا يمكن العيش بدون الايمان بالآخرين. الإيمان أساس الحياة المجتمعية، والكذب والخداع خطيئة كبرى تجاه المجتمع! الصدق هو الصورة الأولى من صور الأمانة

وأريد أن أتعمق في حجتي بصورة أكبر لأقول بان العلم يعتمد في جزء منه على الايمان. ولنأخذ مثلاً النظرية العلمية: فالنظرية تعني الاعتقاد بان مجموعة من القوانين المعينة تستطيع أن تشرح ظاهرة أو ظواهر معينة؟ والتجارب العلمية المختبرية هي تجارب غايتها اثبات النظرية. فشل التجربة يعني أن النظرية غير صحيحة، بكليتها أو بأجزاء منها. وهذا ما يجعلنا نعتقد أن نظرية كاملة أو صحيحة موجودة ولكنها غير مكتشفة للآن. ان نظرتي للعلم تعتمد على منطق الاختراع (invention) وليس على منطق البرهان (demonstration)

تعتمد العديد من القوانين الفيزيائية والرياضية على مفهموم عام مقبول من قبل العلماء. فاتفاق العلماء أساسي للاعتراف بنظرية معينة. والاتفاق أمر بشري، أكثر منه معطى تجريبي. فالإيمان ليس أمراً دينياً فحسب، بل أنه فعل يؤسس العلاقات المجتمعية، وان تناقضه مع العلم أمر معقد. فهو حاضر في مجتمع العلماء 

ثانيـًا:  الايمان بالآخرين
مجال أخر يمكننا الكلام عن الايمان فيه هو مجال العلاقات البشرية. لا يمكن العيش في مجتمع دون أن يكون هناك ولو نسبة ضيئلة من الثقة والإيمان بالآخرين. لا يمكن ان ندخل في علاقة حب أو صداقة بدون أن نؤمن ولو قليلاً بالآخرين. فالـ “نعم” التي يقولها الزوج لزوجته في يوم الزواج هي ثمرة الحبّ بينهما. ولكن هذا الحب لا يمكن أن يقوم بدون الإيمان بالآخر. ففعل الزواج مثال رائع للتضامن بين الايمان والرجاء والمحبة


أعتقد أن الصلة بين الايمان والرجاء والمحبة تجوز على كل إلتزاماتنا الآخرى. لا يمكن أن أكرّس نفسي لأي قيمة إنسانية أو عمل إنساني دون أن يكون عندي ولو نسبة ضئيلة من الحبّ، ودون أن يكون الايمان والرجاء قدمان يسوقان فعلي وعملي. لا يمكننا أن نُحبّ بدون فعل الإيمان

ثالثـًا:الايمان بالقيم
مهما كان أيماننا مختلفاً وإنتمائنا مختلفاً لا بد أن يكون لنا معرفة بالخير والشرّ. لا يهم إن كانت معرفتنا صحيحة أم خاطئة، متزمتة أم مرنة. لا يمكن للانسان أن يعيش بدون الايمان بقيمة أخلاقية معينة “القيم”، أياً كانت هذه القيمة. هناك أشياء أستحي من نفسي أن أقوم بها. ومهما كانت حالة الضعف أو الرفض التي أعيشها تجاه القيم إلا أنها تبقى تحتل مكانة في وجداني وأجد من الصعب التخلي عنها. لا يمكن للمجتمع أن يقوم بدون منظومة ثابتة من القيم تحمي وجوده: الحرية، والمساواة الاجتماعية، والحقوق المدنية… الخ

ليست القيم أشياء، بل انها صور مثالية لما يجب أن نسلك بحسبه ونتصرف بهديه. فماذا يبقى من إنسان يعيش بلا “قيم”؟! والقيم موضوع إيمان. فمهما كانت المعرفة العلمية والعقلية كبيرة عند الانسان إلا إنه يبقى هو المقياس الحقيقي لها. فالانسان أكبر وأعظم من المعارف العلمية. فهو الذي يجب أن يميّز ويحكم ويعطي لها معنى. وعندما يقوم الانسان بهذا فإنه يبدأ بالتساؤل عن المعنى والاتجاه والقصد، وعندها لابد له من أن يدخل في فعل الايمان

ولهذا نستنتج من كلّ ما قلناه فان فعل الايمان هو فعل بشري جوهري بالنسبة للانسان، فعلٌ إنساني نبيل وأصيل. ان يدخل في حياتنا بعيداً عن انتمائنا الديني. ولهذا فان العيش بدونه أو رفضه يوقعنا في تناقض حقيقي مع ذاتنا ووجودنا وخسارة كبيرة وجوهرية لنا 

رابعــًا:الايمان بقراراتنا
مفارقة أخرى تكتنف وجودنا البشري وهي أن الايمان حاضر في كلّ قرار يأخذه الانسان بشأن الأمور التي تواجهه في حياته. حتى عندما يقرّر أن لا يقرر فهو يتخذ قرّرًا، وهي الصيغة الأكثر سلبية التي يمكن تخيلها. فاختيار المهنة، والالتزام الشخصي بمسألة معينة، واختيار الزواج، كل هذه تحتاج الى قرار يذهب الى ما وراء مجرد الحسابات العملية والعلمية. ففي كلّ قضية نقرّر بشأنها هناك دائماً أسباب مع وأسباب ضدّ، ولكن يعود لنا قرار لمن نكون ومع من نكون ولماذا نقرّر. كلّ هذا يتناقض مع ما نحمله من يقين وثقة بالمستقبل. وهذا هو السبب الذي يدفع العديد من الناس الى عدم الالتزام بالاشياء وخاصة فيما يتعلق بأمور دائمة، كالزواج مثلاً

الايمان الديني
ان الايمان الديني هو أعلى صور الايمان. وعلى الرغم من تراجع الايمان في الديانات الكبرى الثلاث، وذلك بسبب التناقضات التي تعيشها في داخلها وفي علاقتها مع الواقع الخارجي، إلا أننا نشهد رجوعاً الى صيغ أخرى للديانة. بعض هذه الشيع الدينية تستثمر الضعف البشري (النفسي والاجتماعي) لكي ما تنشر أفكاراً غريبة تستغل هذا الضعف وتقود الى الانتحار…الخ 

الايمان الديني
لا يعبر كلّ موقف ديني بالضرورة عن الايمان. وهناك من يضع الإيمان في تعارض مع الديني، لانه يعتقد بأن الدين يحاول السيطرة على المقدّس والاستنفاع منه. الباحث الكبير في مجال الاديان

G. van der Leeuw (1890-1950)

يقول بان فكرة الايمان كثقة كاملة في الله الذي ألتقيه شخصياً ولدت عند اليهود

(La religioni dans son essence et ses manifestation, 620)

أول شكلٍ من أشكال الإيمان هو إيمان ابراهيم الذي يقول عنه الكتاب المقدس أنه: “أمن بالرب، فحسب له هذا برًّا” (تكوين 15/ 6). فماذا يعني هذا؟

ان محور قضية الايمان في العهد القديم ليس الله وحقيقته، فوجود الله معروف ومثبّت عند الجميع تقريباً. فالالهة موجودة وتظهر باشكال وصور وقوى مختلفة ومشخصنة، وهي التي تسيطر على حياة الانسان ومصيره. ولكن خطر السحر والوثنية هو الخطر الأكبر! فأرضاء البعض من هذه الألهة كان سبباً في الدخول في نوع من الشعور بالذنب والخوف في أن يكون قد أُهمِل أَحدُهم

إبراهيم هو الأول في قلب هذه القاعدة عندما قَبِل أن تكون له علاقة بإله واحد فقط. بدأت هذه العلاقة عندما وثق غبراهيم بكلمة الله ووعده له. فقدّ أمن إبراهيم بالله ووثق بالوعد الذي أعطاه اياه الله بأن يكون شعباً عضيماً. ولأجل هذا ترك وطنه وعشيرته وبيت أبيه (تكوين 12/ 1-2)، وذهب نحو المجهول. وتطوّر إيمان إبراهيم هذا الى عهد شخصي تأريخي ربطه بالله وثبّت ثقته به

ولهذا فان قضية الايمان الرئيسية لم تكن الايمان بوجود الله أو عدم وجوده، بل كانت تكمن في الايمان بان “الانسان وجود من أجل الله”. أو بعبارات أخرى: هل يهتم الله بالانسان؟ وهل يتدخل الله في تاريخ الانسان؟ وبدءًا من إبراهيم، مفهوم الايمان هذا صار أساس لكل علاقة حقيقية بالله. هذه هي الخبرة الاساسية التي حرّكت اللاهوت الروحي اليهودي، والتقليد المسيحي الروحي من بعده

ان كلمة “الايمان” في العبرية تعني: “أن تضع قوّتك في الله”، و”أن تجد فيه الملجأ عندما تواجه تناقضات الحياة”، و”أن تشعر بالآمان معه”، و”أن تستند إليه كصخرة خلاصك”. فالله هو خلاص الانسان: “صخرة إسرائيل” (مز 61/ 4). وهذا ما يقوله الله لشعب إسرائيل: “اذا لم تؤمنوا لن تأمنوا” (أشعيا 7/ 9). إن موقف إبراهيم تجاه دعوة الله، الثقة بكلمته وبتصميمه الخلاصي التاريخي، صار نموذجاً لكل المؤمنين من بعده. ويسوع في إنجيل متى سوف يتكلم عن الإيمان على أنه أعتقاد يجعلني أؤسس حياتي على ما هو قوي وثابت، على الصخر، ويعتبر الانسان الذي يؤمن بكلمة الله ويعمل بها كذاك الذي يبني بيته على الصخر (متى 7/ 24-27). فالاعتماد على الله في الحياة يعني واقعياً ووضع كلّ ثقتنا به والجواب على دعوته بشكل شخصي ملتزم هو الايمان

ان الكلام عن “الايمان” يقودنا الى الكلام عن “الأمانة”. فالله أمين كلّ الأمانة على تحقيق وعوده. الله هو الأمين الأول. أول صيغ قانون الايمان الايمان كما يذكرها الكتاب المقدس هي صيغ تعدد أعمال الله في التاريخ والتي تعكس أمانته لتحقيق وعوده تجاه شعب اسرائيل، حيث تزداد مع الزمن. ولكن هذه الامانة تنادي أمانة أخرى، وهي أمانة الشعب تجاه الله. الماضي هو الضامن للمستقبل: فايمان اسرائيل بالله هو ايمان كلّه ثقة بان الله لن يترك شعبه: سماته الانتظار والرجاء. فأمانة الله التي ستظهر في المستقبل هي نفسها التي ظهرت في الماضي، لان الله “لا يترك الذين يبحثون عنه” (مزمور 9/ 11). ا

فالايمان هو علاقة قوية بين الله وشعبه. علاقة مكتوبة بعهد. كان هذا العهد في البداية يعبّر عن إلتزام الله بشعبه بدون شروط وبمجانية، بسبب اختياره له بطريقة سرّانية، ومن أجل خلاص جميع الشعوب. ولكن هذا الايمان تحوّل الى إيمان متبادل يقوم على مدى قدرة الشعب على التحلي بروح المبادلة والجواب على أمانة الله بالطاعة لكلمته ووصاياه. الايمان هو جواب على مبادرة العهد الإلهية

وهذا هو المعنى من الايمان في العهد الجديد، حيث نجد تعبير الايمان اكثر من 250 مرّة وتعبير “أن يؤمن” أكثر من 300 مرّة. الانجيل هو كتاب الايمان بيسوع المسيح. فالايمان يجمع عنصرين: الاول هو “الايمان بـ” و”الايمان بأن”. يبدا الايمان عندما ألتقي يسوع الناصري، واتخاذ قرار ملتزم تجاه. فالايمان بيسوع هو إيمانٌ شخصي يسلّم التلميذ بواسطته نفسه ليسوع ويضع فيه كامل ثقته: “أتبعك أينما تذهب”. هل هذا المطلب ممكن على المستوى الشخصي؟ أن ما يطلبه يسوع هو مطلب الله وحده. فما يطلبه يسوع بانسانيته هو فعل إيمان بالله يمرّ من خلال شخصه

ان الايمان بيسوع المسيح يحمل بُعداً آخر. فالايمان بيسوع هو أيمان بكل ما قاله وأدعاه. هذا البعد يظهر بوضوح في الإنجيل الرابع (انجيل يوحنا) حيث الايمان هو “الاعتقاد والتسليم بحقيقة شخص المسيح”، ويختلف عن معناه في متى ومرقس ولوقا حيث أن الايمان يعني “الثقة الموضوعة بشخص” يسوع. إن الإيمان المسيحي يتمحور بمضمونه حول شخص يسوع، الذي عاش ومات وقام من بين الاموات

كتب القديس أوغسطينوس عن الايمان المسيح قائلاً إن الايمان بالله يقسم الى ثلاثة حركات مختلفة: الحركة الاولى هي الايمان بوجود الله، وهذا هو أول بنود الايمان؛ والحركة الثانية هي الايمان بكلمته؛ والحركة الثالثة هي الوثوق بالله بصورة مطلقة وتسليم حياتنا بيديه كصخرة خلاصنا والعيش جواباً على دعوته من خلال علاقة العهد. من الجميل أن نذكر هنا بان الكتاب المقدس يشبّه علاقة الايمان بالله بعلاقة الزواج

ثانيــًا: الايمان يعني الدخول في حوار
عندما يلفظ المؤمن المسيحي قانون الايمان فان يعبّر عن إيمانه بمبادرة الله الثلاثة الابعاد: الآب الخالق ومصدر كلّ شيء؛ والابن المتجسد، المائت من اجلنا والقائم من بين الاموات؛ والروح القدس الذي أعطي للكنيسة. كل هذا يظهر واضحاً في اعتراف الايمان في المعمودية 


الله هو المبادر بكلمته ودعوته، وايمان الانسان هو جواب على كلمته ودعوته. ومن هنا فان الايمان يُكتب بعهد، غير متناسب ولكن يبقى ثنائي الطرف، حيث الله يحقق كل شيء بابنه يسوع، واعطنا النعمة لكي ما نجيب على دعوته. يهتم الله بالانسان وهذا هو أساس العلاقة معه

ثالثــًا:   الايمان، يقين وحرية
بحسب تعليم الكنيسة، الايمان هو يقين وحرية. ومن وجهة نظري الشخصية أعتقد بأن بين الاثنين تناقض كبير. فعندما تزداد درجة اليقين في شيء تقلّ الحرية فيه: فهل أنا حرّ في نفي مثلاً: 2 + 2 = 4. ومن جانب آخر، أعتقد بانه بالقدر الذي يُعلن فيه الايمان على أنه حرّ، بالقدر ذاته يبدو قليل اليقين. ففي من الكثير من الاحيان ولتسهيل العمل والحياة والتعايش فانه يُقال: “كل واحد له أيمانه” فكيف السبيل للتوفيق بين الاثنين؟
وأعتقد بان أسوء المحاولات هي تلك التي تحاول تفضيل طرف على آخر. فهناك من يقول بان يجب ان “نؤمن بشكل أعمى”، وبعدها سوف نرى ونفهم. وهذا هو الخط التعصبي التلقيدي. ومن جانب أخر، هناك من يقول: “انتبهوا لما تؤمنوا، عليكم أن تفهموا أولاً” وهذا هو الخط العقلاني


وأعتقد أن الخروج من هذه الدوامة يتطلب منّا أن نعرف بان اليقين والحرية. فالعلاقة متبادلة بين اليقين والحرية. فبالقدر الذي التزم فيه بالايمان، أبدأ أن أرى بوضوح أكبر يعطيني اليقين. وبالقدر الذي أميّز فيه الحقيقية، سوف أؤمن أكثر. أريد أن أجلب مثلاً: الانسان الذي يجب عليه أن يأخذ قراراً بالاختيار بين شيئين. أجد نفسي وأنا أقف عند امكانيتين، لكل منهما فوائدها ومظارها. وأنا أدرك الاثنان معاً. وفي لحظة معينة أشعر بأن كفة الميزان تتأرجح باتجاه طرف معين، واشعر بأني ملزم على أخذ قرار تجاه هذا الشيء، لاني أظن أنه الافضل. وبالقدر الذي التزم به بقراري هذا بالقدر الذي أتأكد وبشكل أكبر بان الاسباب التي دفعتني الى مثل هذا القرار كانت أقوى واصحّ. وفي النهاية سوف أعتقد بان هذا الجزء فرض نفسه عليّ. ولكن هذه العملية يمكن أن تقودني أيضاً الى الجانب الأخر. فبالقدر الذي التزم بالجانب الأخر بالقدر نفسه تظهر اسباب تدعوني الى القول باني قد أخطأت في قراري وعندها سوف أقرر العودة الى الطرف الأول


اعتقد بان التزام الحرية يساعدنا ان نختار الحقيقية. اعتقد بان الانسان يعيش دائماً علاقة التبادل بين الذاتي والموضوعي. وهنا يلعب موقفنا الذي يتسمم بالحب والكراهية دوراً كبيراً في حريتنا. فاذا كنت منغلقاً على أفكاري، وعلى مشاعري، وعلى احكامي المسبقة، اعتقد بان قراري سوف يكون منحازاً وغير موضوعي. لاني سأكون كالاعمى. أما إذا كنت منفتحاً، وسمحاً وأنظر بعدل الى الامور، وممتلئأً من الحبّ، فاني سوف أعرف جيداً ما يجب عليّ فعله. الحب يعطيني العيون لأنظر بشكل أفضل
رابعــًا:  الايمان عطية من الله
يمكن لأحد أن يسال لماذا يجب ان يحكم الايمان العلاقة بين الله والانسان؟ لماذا يجب ان تكون حقيقة مثل الايمان، غامضة وصعبة الفهم في كثير من الاحيان، موضوعاً لعلاقتنا بالله، في حين أنها يجب ان تكون واضحة وواثقة؟ واعتقد بان من يسأل هذا السؤال لا يعرف عن ماذا يتكلم: فهو يريد أن يجعل الله حقيقة محصورة ضمن حدود معرفتنا البشرية والاعتقاد باننا يمكن ان نحتويه بعقلنا والسيطرة عليه
وهذا أمر مستحيل: فالله هو الله والانسان هو الانسان. فكما كان القديس اوغسطينوس يقول: “ما تفهمه، لا يمكن ان يكون الله”ا

“si comprehendis non est dues”

ففي عمق رغبتنا البشرية التي تتمثل بمعرفة الله يوجد خطر الوقوع في الوثنية: أن نصنع الله على صورتنا ومثالنا. فالله الحيّ هو دائماً آخر بالنسبة لنا، ويذهب الى ما وراء تصوراتنا لنا. ولهذا فهو يفاجئنا ويتحدى يقيننا. ولهذا السبب نستطيع أن نقول بان الايمان لا يمكن أن يكون سوى عطية من الله، فهو الوحيد القادر على الكلام عن ذاته. كان باسكال، الفيلسوف الفرنسي يقول، “الله هو (الوحيد) الذي يتكلم جيداً عن الله”. ا
ولهذا فان الايمان بالله يحتاج من الانسان أن “يتجاوز نفسه”. ولهذا فان مكان الايمان هو النقطة العميقة التي فيها يمكن ان نقول بان الانسان يتجاوز ذاته، والتي لا نملك سيطرة عليها. فاذا كنا لا يمكن ان نسيطر على أعماقنا فأننا لا يمكن أن نسيطر على الله أيضاً
ومن هنا فان فعل الايمان يدخل ضمن خبرة دينية أصيلة وفريدة. ولهذا يفسره المؤمن على أنه عطية من الله مجانية، عطية تتجاوزه الى حدّ الصمت أمامها والتعجب منها. ولكنها تبقى عطية يقبلها بكل حرية. وبقبولها يتبرّر، كما حدث لإبراهيم، الذي غُفِر له، وتصالح مع ذاته، دخل في عالم النعمة وقبل حياة الله فيه

خامسـًا: الايمان امتياز أم عطية للجميع
إذا كان الايمان عطية من الله للانسان فان السؤال: هل يعدل الله عندما يعطي للبعض ولا يعطي للبعض الآخر؟ أ ليس هذا هو اللاعدالة بعينها؟ وهنا علينا ان نجيب بان القول بان الايمان هو عطية من الله لا يعني بانه عطية موجّهة لقسم وليس للجميع. العطية للجميع ولكن عليّ أن اقبلها بحريتي. واذا كانت الظروف التي أعيشها قد منعتني من أتخاذ قرار الايمان، فعليّ أن أحاول أن أكون مفتحاً على نعمة الله وخاصة على الحقيقة وأن اقبل أن أقوم بهذا الانفتاح متى ما سنحت لي الفرصة

“الله يريد أن جميع الناس يخلصون” هذا ما يؤكده الرسول بولس في رسالته الاولى لتيموثاوس (2/ 4). الايمان عطية للجميع ولكن يبقى السؤال رهن بحرية البشر وإيمانهم

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO