الإيمان 2

الإيمان (2)

آ- مفهوم الإيمان في العهد الجديد

إذا كان معنى الإيمان في العهد القديم كهبة تُمنح للإنسان للثبوت في المواقف مع الله. فالمعنى في العهد الجديد يميل بالأكثر إلى عامل المعرفة للتقرّب إلى الله عن طريق الحق.

بدون شك أن هنالك تكامل حول مفهوم الإيمان في العهد القديم والعهد الجديد. فالإيمان هو قبول كلمة الله بكونها كلمة خلاصية في العهدين. لكن هناك مفهوم جديد للإيمان في العهد الجديد ويعود ذلك للتحول الواضح في تاريخ الخلاص: فالإيمان هو: نعمة – فضيلة – جواب يعيشها المؤمن من خلال إتّحاده بابن الله، يسوع المسيح.

الايمان نعمة:

ان الايمان هو نعمة: وفضيلة اعطيت للإنسان، وحلت عليه. لذا الإيمان ليس نتيجة عن ظاهرة او نتيجة تقدمة. انه عمل الفعل الذي يجذب المؤمن إلى الآب. “ما من أحد يجيء إليَّ إلاَّ إذا اجتذبه الآب الذي أرسلني” (يوحنا 6: 44). فأساس كل إيمان هناك جاذبية إلهية والتي هي اكثر اساسية من الاختيار البشري، واكثر اساسا من رؤية المسيح “أن تؤمنوا بمن أرسله: هذا ما يريده الله” (يوحنا 6: 29).

الإيمان نعمة لها أساسها العميق في طبيعة الإنسان بالفطرة، كحاجة يشعرها الإنسان نحو الله، مزروعة في صميم الكيان البشري، وتقوم في صورة إيمان بوجود آخر فائق للطبيعة “بِالإِيمانِ لَبَّى إِبراهيمُ دعوَة الله فخَرَجَ إِلى بَلَدٍ وعَدَهُ الله به ميراثًا، خَرَجَ وهو لا يَعرِفُ إِلى أَينَ يَذهب” (عبرانيين 11: 8).

الإيمان هو في الحقيقة قدرة موهوبة للإنسان لتمجيد الله أولاً، ولكي يرتفع بها فوق الطبيعة ليتصل بواسطتها بالله، فيتقدّس، وتتقدّس حياته كلّها.

الإيمان هو الموهبة الأولى التي بدونها لا يمكن معرفة الله أو الاتصال به: “وبِغَيرِ الإِيمانِ يَستَحيلُ نَيلُ رضا الله، لأَنَّه يَجِبُ على الَّذي يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ أَن يُؤمِنَ بِأَنَّه مَوجود وأَنَّه يُجازي الَّذينَ يَبتَغونَه” (عبرانيين 11: 6).

الايمان معرفة:

الإيمان يتضمّن بالأساس معرفة الله: “فتح ذهنهم ليفهموا الكتب” (لوقا 24: 45). لهذا الايمان هو الفضيلة الإلهية التي بها نعتقد بوجود الله، وكل ما كلمنا به واوحاه، وتعرضه الكنيسة المقدسة علينا لنعتقده، لان الله هو الحق ذاته. بالايمان يسلم الانسان أمره كله لله. لذلك يسعى المؤمن إلى معرفة إرادة الله وإلى فعلها. “البار بالإيمان يحيا” (رومية 1: 17). والإيمان الحي “يعمل بالمحبة” (غلاطية 5: 6).

المعرفة التي يتطلّبها الإيمان عن الله ليست هي النوع الذي يختص بظواهر الأشياء أو صفاتها الموضوعية المجرّدة حسب المنطق والتحليل العقلي الصرف “أرينا الآب وحسبنا – هذا ما طلب فيلبس من الرب يسوع- مَن رآني رأى الآب” (يوحنا 14: 8-9)؛ بل المعرفة المتّصفة بالتعمّق الشخصي التي تجتذب النفس نحو الإحساس المباشر بالله “يا رب، نحن لا نعرف إلى أين أنت ذاهبٌ، فكيف نعرف الطريق؟” قال توما الرسول. أجابه يسوع: “أنا الطريق والحق والحياة لا يجيء أحدٌ إلى الآب إلا بي” (يوحنا 14: 5-6).

لذلك، فالمعرفة هي ثمرة الإيمان حينما يكون على مستوى المحبة القائمة على العلاقة الداخلية: “فمَن ظَنَّ أَنَّه يَعرِفُ شيئًا، فهو لا يَعرِفُ بَعدُ كَيفَ يَنبَغي لَه أَن يَعرِف. ولكِن مَن أَحَبَّ الله، فهو الَّذي عَرَفَه الله” (1 كورنثيين 8: 2-3).

الايمان كجواب:

الايمان هو جواب عن كلمة الله ومحبته. فالمؤمن يدرك ان وجوده كله قد انعم به الله عليه. على هذا تقوم رفعة كرامته بان الله يحبه، وبأنه يحيا بقوة المحبة. ومحبة الله تترك للإنسان حريته. لذلك يستطيع ان يستسلم لله بإيمان مشبع بالثقة: “فأَجابَ سِمعان: ((يا مُعَلِّم، تَعِبْنا طَوالَ اللَّيلِ ولَم نُصِبْ شَيئاً، ولكِنِّي بِناءً على قَولِكَ أُرسِلُ الشِّباكَ))” (لوقا 5: 5). أو أن يبتعد عنه في عدم الايمان “فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ هذا الكلام، اِنصَرَفَ حزيناً لأَنَّه كانَ ذا مالٍ كثير” (متى 19: 22).

كان إيمان إبراهيم متعلقاً بشخص الله فقط كموجود وكقادر أن يتمم ما وعد به. لذلك فهو إيمان شخصي، وعليه له كامل الحرية في أن يجب لدعوة الله، أو يرفضها. بينما صار الإيمان بمجيء ربنا يسوع المسيح إعلاناً لحقيقة الله، وما على الإنسان إلا أن يصدّقه ويثق به، وأن يستجيب لعمل الله. بالفعل الإيمان في العهد الجديد يصبح: حقائق لاهوتية يلزم الإيمان بها وتصديقها حسب الإنجيل، وأيضاً هو مقدار إستجابة الإنسان لهذه الحقائق ومقدار التأثر بها والإنفعال بها لتغيير الحياة البشرية وبلوغ مشيئة الله.

الإيمان حرية:

إن الإيمان المسيحي هو إيمان بنوي لله وشركة معه في الإرادة والعمل والنعمة بواسطة الاتحاد بيسوع المسيح في موته وقيامته، حيث وسيط الحرية هنا هو الروح القدس نفسه الذي يلدنا كأطفال جدد لله ويعطينا ختم الفداء وعربون القيامة “وفيه أَنتُم أَيضاً سَمِعتُم كَلِمَةَ الحَقّ أَي بِشارةَ خَلاصِكم وفِيه آمنُتُم فخُتِمتُم بِالرُّوحِ المَوعود، الرُّوحِ القُدُس وهو عُربونُ مِيراثِنا إِلى أَن يَتِمَّ فِداءُ خاصَّتِه لِلتَّسْبيحِ بِمَجدِه” (أفسس 1: 13-14).

أبعاد الإيمان في العهد الجديد:

–       الإيمان يستلزم أن يتخلى الإنسان عن كل اعتماده وثقته في إمكانياته وقدرته الشخصية.

–       الإيمان يعني أن يطرح الإنسان نفسه بكل ثقله على رحمة الله.

–       الإيمان يعني أن يعتمد الإنسان في كل شيء وفي كل لحظة على الروح القدس الساكن فينا الذي يعطينا القوة اللازمة لنا لكل شيء.

–       الإيمان يعني أن يظل الإنسان مطيعاً لله، واثقاً فيه، في أخطر الظروف وأصعبها.

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO