الأحد الأول لتقديس البيعة

المحَّــبة !

أنهى بولسُ نشيدَه بأنَّ البقــاء للمحَّـبة وحدَها. كلُّ شيء يزولُ : العلمُ والأيمان ، الشكُ واليقين ، اليأسُ والرجاء ، لأنها ليست جوهرًا بل أفعالا وأحاسيسَ. أما المحّبة فهي روحٌ وجوهرٌ : انها الحياة ، انها الوجودُ نفسُه. قالَ الكتابُ :” اللهُ محَّـبة ” (1يو4: 8، 16). والله هو الوجودُ والحياة بالذات. وقد أظهرَ “محّبتـَه لنا بأنْ أرسلَ ابنـَه الأوحدَ الى العالم لنحيا به ” (1يو4: 9-11). والأبن ُ أحَّـبَنا بلا حدود ” منتهى الحب ” (يو13: 1). وكانت رسالته و وصيتـُه الوحيدة المحبة :” أحِبَّ الربَ الهَك من كلّ ِ قلبك … هذه هي الوصية ُالأولى والعظمى. والثانية مثلها : أحِبَّ قريبَك مثلما تحبُّ نفسَك. على هاتين الوصيتين تقومُ الشريعة ُ كلها والأنبياء “(متى22: 37-40). والمحَّبة بأسلوب الله وقياسِه ” كما أحببتـُكم أنا “(يو13: 34)، – اما يُحِّبُ أو لا يحب ، اما هو حَّيٌ أوميت – وليس بمقاييس البشر فيحبُ الواحدَ ويبغضُ الآخر(1يو4: 20). ومقياسُ الله أنْ لا حدود للمحبة حتى تقبلُ الموتَ نفسَه فداءًا عن المحبوب (يو15: 13). بل وتحُّن حتى على الأعداء والمسيئين اليها (لو6: 27-28) فتغفرُ لهم كما فعلَ اللهُ ويفعلهُ دائما (لو23: 34؛ متى5: 45). و المحبة كما هي داخل الثالوث الأقدس :” أنا أحبُّكم مثلما أحَّبَني الآب.. وأنا ثابتٌ في محَّبَتِه “(يو15: 9-10).

ولهذا لم يترَّددْ بولس بأن يُصَّرحَ بأنه ، انْ كان خاليا من المحبة ، فلا ينفعُهُ لا علمٌ ولا ايمان ، لا وعيٌ ولا سهوٌ، لا نطقٌ ولا تبرير، لا صدقة ٌولا أعاجيب. يكون مثل قطعة حديد ترن اذا ألقيت على الأرض أو مسَّت حديدا آخر. أو مثل نحاس ٍ يطـُنُّ اذا أوقعتَ عليه شيئا آخر. قطعة ُ حديدٍ اونحاس مرمية ٌعلى الأرض لا قيمة َ لها تذكر، وتداسُ بالأرجل و يُتـَخـَّـلصُ منها. هذا هو انسانٌ بلا محبة !.

مـــيزاتُ المحَّــبة !

ان كانت هذه أهَّـميتـُها فما هي ميزاتها الأساسية ؟

1. التي تـتــحَّـلى بها !

هي الميزات النابعة من جوهر المحبة وعملها الخاص الطبيعي الذي تـُعـرَفُ به. وقد عَّدها وشَّخصَها ، فقال بأنَّ المحبة َ : تصبرُ لأنها لا تيأس، وترفـُقُ لأنها ترحمُ ولا تعرفُ القساوة، وتفرحُ بالحق لأنها تـَعدِلُ ، وتصفحُ عن السوء لأنها تريدُ الخير، وتـُصَّدقُ الآخرين لأنها بسيطة وصريحة، وترجو لأنها تثـقُ. وكلُّ هذه الميزات لأنَّ المحبة لا تفكر فقط بنفسها بل أولا بالمقابل. ولا تهتم فقط بذاتِها بل تنصتُ أولا الى من يُحاورُها. فعينا الأنسان وأذناه الى الخارج للأهتمام بالغير وليس الى الداخل ليتقوقعَ على ذاتِه!. والمحبة تنظرالى كلِّ شيء في الآخرين ، وتعتبرُ كلَّ شيء فيهم كما في ذاتها. ولا تـُمَّيزُ أو تـُفـَّرقُ بين ذاتِها وغيرها. انَّ المحبة نورٌ لا يعرفُ غيرَ أن يشُّعَ ويُـدفيءَ. المحبة ُ هي ” عــطاء ” مثل نبع ماء يجري فيروي ويُخـَّصبُ من كل الجهات. والمحبة كونها حياة ً ووجودًا فهي تـُحيـي وتـُنعِشُ وتفيضُ كلَّ خير ٍ يبني وينفع.

لذا من لايتصَّرف هكذا ويُعارضُ طبيعة المحبة فهو لم يعرف المحّبة. ومن لا يتحَّـلى بهذه الصفات فهو غريبٌ عن المحبة.

2. التي تـَـنفــيها !

وهي الصفات والتصرفات التي تعارضُ وتخالفُ جوهر المحبة. وقد ذكرها ايضا مار بولس وحَّـددَها، فقال بأن المحبة : لا تحسُدُ ، لأنها مقتنعة ٌبأن كل الخيرات من الله وأنَّ كلَّ واحدٍ ينالُ منها نصيبَه و كفايَتـَه؛ لا تتفاخرُ، لأنها تشعرُ أنها نفسَها خيرٌ من الله ولم توجد نفسَها بنفسها؛ لا تتـكـَّـبرُ، لأنها متيقنة بأنه لا يوجدُ واحدٌ أفضلَ من الثاني ، حيثُ يتساوى الكل في الطبيعة البشرية ؛ لا تـُسيءُ التصَّرف ، لأنها تحترمُ ذاتـَها وحتى يحترمَها غيرُها تحنرمُهُ وتمتنعُ عن أية اهانة أو استخفاف ؛ لا تفرحُ بالظلم ، لأنَّ الظلمَ ينخرُ عظامَ المحبة ويُحَّطمُ أساسَها ؛ لا تطلبُ منفعـَتها ، لأنها تؤمنُ أنه لا يمكن أن تنعزلَ عن غيرها وتعيشَ وحدَها في أنانيةٍ بغيضة ، و لا تقدرأن تتفاعلَ مع المقابل ان كانت على مستوى مختلفٍ أرفعَ منه أو أدنى ؛ لا تحـتـَّدُ ، لأنها تجدُ في الهدوء والسكينة راحَـتها و ازدهارَها ؛ وأخيرًا لا تظــُّنُ السـوء ، لأنَّ ” كلَّ اناءٍ بما فيه ينضحُ “. فالمحبة بسيطة وبريئة كالأطفال ولا تستوعبُ غيرَ الحق والبر: تقولُ ما عندَها، وتفعلُ ما يدورُ في خلدِها ، وتتصَّرفُ وكأنَّ الآخرينَ كلــَّهم صورة ٌ منها طبق الأصل. فالمحبة لا شرَّ فيها ولا غش ولا أنانية ولا خجل ولا خوف : انها صافية كدمعةِ العين !.

والحبُ أولُ قيمةٍ يتغنى بهِ الشعراءُ و يضعُ الفنانون ملامحَه على لوحاتِهم ويُعّـبرُ عنه الوالدون والأولاد ، والأقرباءُ والأصدقاء ،اذ يتبادلون آلأحتضانٍَ والقـُبَل. وربما يكون نشيدُ جبران خليل جبران عن المحبة واحدًا من أجمل الأغاني وأحلاها !. ولأدراك المحبة وعيشها يحتاجُ الأنسان الى أن يتمتعَ بشفافية وبساطة قلما يمتلكها الناسُ الذين عركتهم الحياة، لاسيما المنشغلون منهم بهموم الدنيا. فقط الأيمان بالله ومحّبته تـُمَّكنُ المرءَ من أن يحيا محّبة حقيقية.

3. لا تـــزول !

كلُّ شيءٍ في الحياة هنا ينتهي و يزولُ أما الحياة ُ نفسُها فباقية ٌ. والحياة ُ هي المحبة تشُّدُ الأنسان الى الله للأبد. فاذا كان الله محبة وهو خالدٌ للأبد فالمحبة خالدة ٌ معه. وتلك هي الحياة ُ الأبدية التي يريدُها الله الخالق للأنسان. ولهذا لا نستغرب قول مار بولس أنه لو امتلك الكون كله وما فيه من خيرات وقيم وطاقات ولم تكن له المحبة فهو قد خسرَ حياته. ولهذا سَّمى يوحنا المحبة ” نورًا ” (1يو2: 9-10). وسَّمى الحياة ايضا ” نورًا ” (يو1: 4). وبالنتيجة تكون المحبة هي الحياة لذا قال الكتابُ ايضا :” من ثبُتَ في المحبة ثبتَ في الله ، وثبَتَ اللهُ فيه ” (1يو4: 16). الله هو المحبة ، الله هو الحياة كما قال يسوع :” أنا هو الحياة ” (يو11: 25)، و ” بدوني لا حياة لكم ” (يو15: 4-5). هكذا تبقى المحبة ُ/الحياة القيمة َ الوحيدة التي تستحَّقُ ان نوليَ بها اهتمامَنا الجدّي والشديد لأنها تبقى وحدَها للأبــد.

القس بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO