الأحــد الثـاني لموســى

الأحــد الثـاني لموســى

القــراءة : إشعيا 40: 18-41: 7 الرسـالة : غلاطية 5: 1-26 الأنجــيل : لوقــا 8: 41-56

إيـمــانكِ خـلَّصكِ ! آية 48

لقد دمج الأنجيلي معجزتين في خبر واحد. بدأ بخبر إبنة يوآرَش (يائير!) المشرفة على الموت. ثم خرج منه ليفرز مجالا لأعطاءِ مساحةٍ كافية لأجلاء خبر المرأة نازفة الدم التي تشفى. ويعود يكمل الخبر وينتهي بإقامة المُدنفة. ونرى في كلتا الحالتين الدورَ الأساس للأيمان. بينما شجَّعَ يسوع يوآرش على الأيمان به ” يكفي أن تؤمن فتخلصُ ابنتك ” (آية50)، نسمعه يمدح ايمان المرأة النازفة وقد شُفيت ” إيمانك خلصَكِ ” (آية 48). ما هي ميزة ايمانهما حتى نالا ما طلبا؟ ماذا يعني أنهما آمنا ؟. 1<> حالة المريضتين ! حتى نفهمَ جوهر إيمانهما علينا أن نغوصَ في عمق حالتهما. وحالةُ كلتا المرأتين خطيرة. الشابة وحيدةُ والديها وفي عمر الزواج ، 12 سنة، مريضة ومشرفة على الموت يَئِسَ الناسُ من شفائها. لم يبقَ لأبيها ملجأٌ آخر سوى الله. ومن شدّة ألمهِ ورغبته العارمة في ألا يفقدَ وحيدته ، ولا تتبخر آماله، يرتمي والدُها عند أقدام يسوع متوسّلاً مستغيثا بقدرته الفائقة. وكذلك النازفة الدم قد يئست من حالها ومن قصر باع الأطباء في علاجها. حالتها تعيسة: انها محرومة بقُّـوة الشريعة من الأشتراك بالجماعة بسبب نجاستها، وهي محرومة أيضا من النسل بسبب نزفها. إنها مَّيتة بعيون مفتوحة وجسم متحّرك. ضيقها شديد وألمها لايوصف. هي ايضا لم يبقَ لها أمل غير الله. حاولت أن تتسَّتر على حالها وحتى على ايمانها. إنها لابد وعلى علم بأن من يعلن إيمانه بيسوع ويعترف به مسيحا يُعزلُ عن الجماعة (يو9: 22، 34). تقرر أن تتخَّفى عن الأنظار. انما لم تدعِ الفرصةَ تفوتُها. أمامها من يقدرُ أن يشفيَها. تلوذُ به بلا تردد. 2<> نـوع الأيمان ! لم يقنط يوآرش ، ولا إستسلمت النازفة لبطش المرض وخيانة الطبيعة. كان لهما إيمان بأنَّ الله قادرٌ على كل شيء، وأنه يرأف بمن يلتجئُ إليه. وعاين كلاهما في شخص يسوع القدرة الألهية. وإن كانت قناعتهما عن مسيحانية يسوع متذبذبة حينا لكنهما الآن مقتنعان كليا أنه هو هو بعينه، وهو وحده قادر على إسعاف حاجتهما. ولم يبقَ لهما سوى خطوة واحدة هي أن يبادرا ويُعلنا هذا الأيمان بشكل أو بآخر. ليس إيمانًا نفعيًا. إنه من نوع ايمان إبراهيم الذي ” آمنَ راجيا على غير رجاء …فعُّـدَ له بّرًا “(رم4: 9، 18). إنه إيمانٌ يُجاري ايمان الآباء الذي هو ” برهانُ الحقائق التي لا ترى “(عب11: 1)، ويوازي ايمان قائد المئة الفريد من نوعه (متى8: 10) والكنعانية العظيم (متى15: 28) ومقعد كفرناحوم الجرئ (مر2: 4-5). إنه إيمانٌ من النوع الذي يُرضي الله فيستجيبُ له، هو القائل :” كلَّ ما تسألونه بإيمان تنالونه” (متى 21: 22). إيمان لاحجم له ولا شكل او لون. إنه طاقةٌ قوّية لا يشوبها ضعف أو تردد، و صافيةٌ لا ينالها شك أو تذبذب، وجريئـةٌ لا يوقفُها لا وعيد ولا تهديد، ولطيفةٌ تُهنيءُ وتُريح، وأمينة لا تُخَّيب، تشملُ الحياةَ كلَّها بعناصرها وأحاسيسها ، تجري في العروق مع الدم وتُحَّركُ السلوكَ بالأتجاه الذي ينبغي. إنه بوصلةُ حركة الحياة. وقد إرتاحَ يسوع إلى هكذا إيمان، ولم يقوَ إلا على التجاوبِ معه وتلبيةِ مطلبِ صاحبِهِ. 3<> طوبى للتـي آمنت ! هكذا مدحت إليصابات إيمان مريم. إيمانها الذي لم يجُّرَها إلى التعالي بل إلى التواضع معترفة بضعفها وبقدرة الله. إيمانها الذي لم يدفعها إلى المطالبةِ بحقوق بل فتح عينيها على واجباتِها. إيمانها الذي لم يسمح لها أن تُجَّربَ الله ولا أن تيأس من شدَّة أو ضيق بل وثقت برحمته ومحبته وتفاعلت معهما. وهكذا مدح الربُ ايمانَ يوآرش والنازفة الذي لم ينجر إلى كبرياء أو تعالٍ بل ظَّل يُعمّرُ ويُعَّمقُ جذورَه في فعل شكرٍ وتجاوبٍ مع مشيئة الله. كادَ إيمانهما أن يمُّرَ خفيا عن الأنظار لكن الرب أعـلنه ومدحه ليكون نموذجا ومثالا لغيرهما. 4<> واليوم هل يرى الرب إيمانا على الأرض ؟ نتساءل نحنُ أيضا : هل خلت الحياةُ في زماننا من أمراضٍ مستعصية على البشر؟ هل خلت من مشاكل وصعوبات يبقى البشر أمامها مكتوفي الأيدي محتارين يائسين ؟ وإذا كان الله قد أجرى معجزات فائقة لقوى البشر والطبيعة، ألا يمكن اليوم أيضا إيجاد العون عنده فيغيث البشرية المستضعفة فيداويها بحنانه ويعيد إليها عافيتها وشبابَها؟ ولكن هل يوجدُ من يؤمنُ حَّـقا بالله وبقـدرتِه الفائقة ، وهل هو مستعّدٌ أن يتخذ جانب الله ويتكلَ عليه ويلوذ به ؟ كثيرون يُصَّلون ويطلبون من الله أن يتدخلَ في شؤون البشر ويُعَّدِلَ أمورَهم ولكن هل لهم ثقـة تامة بالله ؟ هل لهم مع الله علاقةُ محبَّةٍ وصداقةٍ ودّالةُ الأبناء حتى يستجيبَ لهم ؟ بل وهل يُصَّلون ويطلبون بشكل صحيح ؟ يقول مار يعقوب: ” أنتم لا تنالون لأنكم لا تسألون. أنتم تسألون ولا تنالون لأنكم لا تُحسِنون السؤال، لرغبتكم في الإنفاقِ على أهوائِكم ” (يع4: 2-3). يسوع قدوَتنا و رجاؤنا ولاسيما ضمان حياتِنا. وإن كنا نشعرُ بالضعفِ لأننا بشرٌ محض ، أو كنا نحس بآستحالة إمكانية الأقتداء بيسوع لكونه إلاهًا، إلا أننا نملكُ وعده الصريح بآستجابتِنا فيكفي أن نؤمن ونثق. ومثال القديسين ضمان لأيماننا فقد إستطاعوا ” كلَّ شيءٍ بذاك الذي ” قـَّـواهم (في4: 13).

الأب بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO