موعظة قداس افتتاح سنة الإيمان في بغداد

موعظة قداس افتتاح سنة الإيمان في بغداد

نشرت بواسطة بغداد الإيمان

موعظة قداس افتتاح سنة الإيمان في بغداد 

بقلم: المطران جورجيو لينغوا، السفير البابوي في بغداد

ترجمة: الأب سعد سيروب

 

مقدمة

“أذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مرقس 16/ 15). هذه هي وصية الرب القائم من بين الأموات الموجهة لنا، نحن مسيحيين الألف الثالث. ينبغي علينا أن نجدّد حماسنا وطرق التبشير بالإنجيل. وبهذه المناسبة، كما تعرفون، ينعقد في روما مجمع الأساقفة للفترة من 7 – 28 تشرين الثاني تحت شعار “التبشير الجديد لتوصيل الإيمان المسيحي”. وفي الوقت نفسه، تريد الكنيسة وقداسة الحبر الأعظم، البابا بندكتس السادس عشر، أن يُذكّرنا بالحدث الكبير من القرن الماضي، وهي ذكرى مرور خمسون سنة على افتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي أعطى لحياة الكنيسة الجامعة حيوية جديدة. فكيف نستطيع اليوم أن ننقل الإيمان إلى الآخرين إذا لم يكن إيماننا حياً وعميقاً؟

في رسالة البابا “باب الإيمان” التي أعلن فيها سنة الإيمان يكتب ما يلي: “تجدّد الكنيسة يقوم أيضاً من خلال حياة المؤمنين. فالمسيحيون بتواجدهم في العالم يعملون وفق دعوتهم كي تسطع كلمة الحق التي تركها لنا الرب يسوع المسيح” (باب الإيمان، رقم 6). وفي الإرشاد الرسولي للكنيسة في الشرق الأوسط، التي وقعه البابا قبل أسابيع في لبنان، يحدّد: “إن التعمق في حياة الإيمان الفردية والتجدّد الروحي داخل الكنيسة الكاثوليكية سيسمحان ببلوغ ملئ حياة النعمة والتأله وهكذا تكتسب الشهادة مصداقية” (أرشاد رسولي من أجل الشرق، رقم 3

الإيمان بالله – المحبة

وأنا أتأمل في معنى “سنة الإيمان” سألتُ نفسي: هل أنا مؤمن حقيقي؟ فعرفت بأن هناك إجابتين على هذا التساؤل: أما أن أكون مؤمناً أو لا أكون مؤمناً! وما هو الاختلاف بين الإيمان وعدم الإيمان؟ ما الذي يجب أن يتغير في حياتي عندما أومن؟ فالإيمان هو: “هبة من عند الله الذي يُناشد حريتنا وينتظر منّا جواباً” كما يقول البابا في الإرشاد الرسولي “الكنيسة في الشرق الأوسط” (رقم 3). علينا وقبل كل شيء أن نسأل أنفسنا: ما هو الإيمان؟

“الله محبة” (1 يو 4/ 16)، يلخص الإنجيلي يوحنا في رسالته الأولى بإيجاز. فهل حبُّ الله حيّ فيّ أو فينا؟ وما الاختلاف الذي يوجد بين الإيمان بحبّه وعدم الإيمان؟

الإيمان بمحبة الله يعني الإيمان بعنايته الإلهية، رغم كلّ شيء! يعني الإيمان إذن بأن ما من شيء يقع صدفة، بل أن كلّ شيء مراد وموعود بحبّه. الإيمان “بالله – محبة” يعني أن نمتلك اليقين بأن كلّ ما يحدث لي، كلّ شيء هو من أجل خيري! يؤكد الرسول بولس بأن “كلّ الأشياء تعمل معاً من أجل خير الذين يؤمنون بالله” (رومية 8/ 28

هذه هي قناعة الكثيرين من القدّيسين، والفكرة التي سمحت للكثيرين لعدم الاستسلام أمام الصعوبات. كثيرة هي الشهادات… القديس جوليانا النرويجية مثلاً، كانت تقول: “تعلمتُ من نعمة الله البقاء ثابتة بالإيمان، وأن أومن بصورة راسخة وكاملة فان كلّ شيء ينتهي للخير”. والقديسة كاترينة السيانية التي عاشت في زمن كانت الكنيسة تمرّ في أزمة، كانت تقول: “كلّ شيء يأتي من محبة الله، ومنظم نحو خلاص الإنسان، فالله لا يعمل شيء إلا لهذه الغاية

هذا ما نحتاج إليه اليوم، هنا في العراق، في بغداد، أن نبقى نجدّد إيماننا بالعناية الإلهية، بمحبة الله! لقد كان القديس توما الأكويني مقتنعاً بأن: “لا شيء يحصل إذا لم يريده الله، وأنا واثق بأن كلّ شيء، حتى السيّئ منه، سيكون من أجل الخير (الأفضل)”.ا

الجواب على محبة الله

الإيمان بمحبة الله يعني أذن أن نسلم أنفسنا لإرادته، ولكن ليس بالمعنى السلبي كما يُعتقد: “كان يمكن للأشياء أن تكون أحسن، ولكن للأسف أنها على هذه الحال، فلتكن مشيئتك!” لا، إن هذا هو الخنوع، وهذه هي القدرية. لا يجب أن نكون خانعين أمام إرادة الله، بل علينا أن نفكر بأننا يمكن أن نكملها. فلا يوجد أجمل، وأعظم، من عمل مشيئة الله. ففي مشيئته سلامنا! يجب أن تعرفوا بأننا جميعاً، في كلّ لحظة، نستطيع أن نعمل مشيئة الله. فمشيئة الله ليست حكراً على القديسين، والأبطال، والمكرسين، والكهنة: جميعناً، آباء وأمهات، أولاداً، أساتذة وعمال، شرطة ومسجونين، جميعنا، في هذه اللحظة الحاضرة، يمكن أن نعمل إرادة الله وأن نجيب بواقعية، على حبّه… أليس هذا جميلاً؟ أليس هذا معزياً؟ نعم، أننا نبرهن على إيماننا بمحبة الله عندما نتمّم بفرح واجباتنا اليومية، عارفين بأنها إرادة الله لنا وأن نقبل كلّ ما يحدث طارئاً كعطيّة حبّه لنا. فإذا أتممنا دورنا، فإننا على يقين بان الله سوف يعمل دوره وسيستمر بقيادة تأريخنا، وحياتنا بعناية محبته الإلهية

خصوصية الإيمان المسيحي

إن الإيمان بمحبة الله هو شيء عام وموجود في كل الأديان. فإخوتنا المسلمين يؤمنون بان الله رحمان رحيم. ولهذا علينا أن نسأل أنفسنا: أين تكمن إذن خصوصية الإيمان المسيحي؟… “الله محبة” لأنه واحد وثالوث. فالأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس، التي هي إله واحد، تعيش (حركة) حبّ أبدية. ولا يمكن للحب أن يكون أبدياً إذا لم تكن العلاقة أبدية. ولكن كيف يمكن الإيمان بشيء من هذا القبيل؟ كيف يمكن فهمه، أو تصور أن الله الواحد مكوّن من ثلاثة أقانيم وأن الثلاثة هي إله واحد؟

إن إيماننا المسيحي لا يمكن فهمه بدون الوحي الإلهي. فابن الله نفسه هو الذي عرّفنا بأعماق الله وقلبه. يتأسس إيماننا على حدث: قيامة المسيح، ابن الله المتجسد: “فإذا لم يقم المسيح من بين الأموات، فإيماننا باطل وكرازتنا باطلة” (1 كور 15/ 14).ا

المصلوب – القائم هو أساس إيماننا

المسيح القائم هو نقطة الانطلاق (لفهم) إيماننا! ليس الإيمان بالقيامة شيئاً يمكن البرهنة عليه (عقلياً). ولهذا فإن الإيمان هو عطيّة. لقد تسلّمنا الإيمان، وقبلناه، واتحدنا به، ليس للثقة التي كانت لنا بوالدينا، بل لأننا اختبرناه. لقد تحقّقنا من أن العيش بإيمان يختلف عن العيش بدونه! فالإيمان يغذّي الإيمان. “ينمو الإيمان عندما نعيشه كحبّ نتقبله وعندما ننقله كخبرة نعمة وفرح” (باب الإيمان، رقم 7). “فمَن يحبني يحبّه أبي وأنا أحبّه وأعلن له ذاتي” (يو 14/ 21). لقد آمنا لأننا اختبرنا المحبّة. آمنا لأننا أحببنا. عشنا الفرق بين أن نحب وأن لا نحب. أن شهادة العديد من الشهداء والقديسين رسّختنا في الإيمان، ولهذا يجب أن نعيش إيماننا لنصير شهوداً بدورنا! فمن هم المؤمنون بالله؟ أنهم شهود لمحبة الله! لا يمكننا أن نشرح إيماننا بالكلمات، ولا يمكننا أن نُقنع الآخرين بالبراهين العقلية: نستطيع فقط أن نشهد للحبّ، وهو الذي يبعث الإيمان (في النفس).ا

وفيما أنا أصغي إلى شهادات بعض السوريين اللاجئين في الأردن روّعني ما سمعت وأعرف جيدا كيف أن الكثيرين منكم قد عرفوا واختبروا مثل هذه الفضائع. وكنت أسال نفسي: أين هو حب الله في كل ما يحصل؟ أين هو حبّ الله في ألم الأبرياء، والسجناء المعذبين، ومأساة الأيتام، وعذاب المرضى، وخوف المضطهدين، وفي بكاء اليائسين، وعزلة الشيوخ المتروكين، والفقراء المرذولين، وفي ضعف من ليس لديه عمل، وفي عذاب أولئك الذين يموتون من الجوع أمام لا أبالية العالم؟

“إذا لم يقم المسيح من بين الأموات، فإيماننا باطل”! لا يجب أن ننسى بأن القائم هو المصلوب! لقد عرف معنى أن يكون الإنسان مُدان وهو بريء، واختبر الألم الجسدي وخيانة الأصدقاء، العزلة، الجوع والعطش، وأختبر الحقد الأعمى، حتى أنه ظنّ أنه متروك من الله، الذي كان يعتقده أباً له، عندما صرخ: “إلهي إلهي، لماذا تركتني؟” (لوقا 23/ 46). ومع هذا كلّه، وجد القوة للقيام بأعظم فعل أيمان، عندما صلّى: “أبي، أني أستودع روحي بين يديك” ( لوقا 23/ 46). ورغم كلّ ما حدث، وثق بالله، وآمن بحبّ الآب. فأقامه الله. الحياة غلبت الموت، والحب غلب الحقد. فعندما كان كلّ شيء يبدو منتهياً، كانت البداية الجديدة! هذا هو إيماننا: الحبّ ينتصر على كلّ شيء. المسيح المصلوب قام

 

الإيمان ينير الواقع اليومي الصعب

كما تعرفون، أن البابا، في زيارته الأخيرة إلى لبنان، حثّ فيها المسيحيين إلى التمسك بأرضهم التي كانت الأولى التي شهدت على تاريخ محبة الله بالإنسانية وأن علينا جميعاً المساعدة لكي يبقوا فيها. من السهل أن نطلب من الآخرين البقاء، ولكن كيف نقنع أولئك الذين يتواجهون أشدّ الصعوبات في كلّ يوم بالبقاء؟ وأعتقد بأن هذا الإيمان، الذي هو رؤية وجه يسوع في متناقضات الحياة، في صعوباتنا اليومية، يستطيع أن يعطينا القوة للبقاء، وعدم الهرب. فقط من يُحب يسوع المصلوب ويٌسلم نفسه بيديه يستطيع أن يجد القوة والمعنى في الصعوبات وأن يتجاوز التجارب. أنا معجب بمسيحي بغداد والموصل وسوريا وفلسطين، الذين هم على اتصال يومي بوجه المسيح المصلوب ويواصلون الرجاء والعمل من أجل السلام لأنه يعرفون أنه قد قام! صليب المسيحي يمتد في الزمان والمكان: فهو فادينا، الذي حمل خطايا العالم، وعذابات الإنسانية، وينتظر محبتنا

يقول البابا بندكتوس السادس عشر في رسالة “باب الإيمان”: “الكنيسة تتقدم في مسيرتها التي تحفّها الاضطهادات وتعزيات الله وهي تعلن صليب الرب وموته إلى أن يأتي (1 كور 11/ 26). إن عضد الرب القائم من الأموات هو قوّتها التي تساعدها على أن تقهر بالصبر والمحبة النكبات والصعوبات التي تأتيها من الخارج” ( رقم 6).ا

الإيمان بالحب والبدء دوما من جديد

إن العائق الوحيد أمام العناية الإلهية هو خطايانا، ورفضنا تتميم ما يريده منّا. وقد يعتقد واحدنا بأنه قد ارتكب خطيئة ما في وقت ما والتي لا يمكن غفرانها. لا، حتى وإن كنّا مخطئين يمكننا أن نبدأ من جديد. إذا كان الله يطلب منّا أن نغفر سبعين مرة سبعة مرات، كم بالأحرى هو، الذي كلّه محبة، مستعد أن يغفر لنا؟

يكتب البابا بأن: “سنة الإيمان دعوة لعودة أصيلة ومتجددة إلى الرب مخلّص العالم الأوحد. ففي سرّ موته وقيامته كشف الله بكمال الوضوح عن الحبّ الذي يخلّص ويدعو البشر لأن يبدّلوا حياتهم بغفران الخطايا (أعمال الرسل 5/ 31). ولهذا يجب أن ننظّم في هذه السنة احتفال بالتوبة لان تجديد الإيمان يدفعنا للوعي أكثر بخطايانا ويجعلنا ننمو في الاعتقاد بأن محبة الله أكبر وأعظم (من خطايانا).ا

كتب البابا في تعليقه على رسالته “الله محبة” بان الله هو نبع الحبّ الأصيل لكل المؤمنين والعالم أجمع: “فقط حبّ الله هو القادر على تجديد قلب الإنسان، وفقط الإنسانية المقعدة التي تختبر هذا الشفاء في قلبها يمكن أن تقوم وتمشي من جديد” (صلاة السلام الملائكي، 19 شباط 2006).ا

فلنتشجع! لنعيد قول “نعم”للمسيح ولحبّ الآب الرحيم. هذا الحبّ فقط يمكنه أن يعطينا قلباً قادراً على الحبّ والغفران. هذا الحبّ فقط يمكنه أن يحرّرنا من عجزنا وشكوكنا. حبّ الله فقط قادر أن يرفعنا وأن يضعنا على الطريق الصحيح. ضعفاء أو بعيدين أياً كنّا لا يجب أن نستسلم، ففي المسيح، الذي جاء ليُحرّرنا ممن خطايانا، رجاؤنا

فلنسأل الرب في سنة الإيمان هذه ليزيد إيماننا. سنرى الأشياء مختلفة، وسنرى الواقع (حبّ الله) ما وراء الظواهر (الأتعاب البشرية). المسيح المصلوب-القائم هو رجاء اليائسين، ومعزي المهمومين، وفرح المحزونين، وحياة أولئك الذي يختبرون الموت. المسيح أساس إيماننا

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO