مسيحيو العراق: محنة مكون أم نكسة وطن؟

مسيحيو العراق: محنة مكون أم نكسة وطن؟

باسل حسين

ايلاف

ليس من المبالغة القول، ان الوجود المسيحي في العراق شكل احد العناصر الرئيسة في حفظ التعايش والاستقرار والسلم الاهلي في مجتمع تعددي ليشكل هذا الوجود على مر تاريخ العراق المعاصر عامل اضافة وليس عامل اعاقة

بل ان هذا الوجود هو احد الاركان الاساسية للدولة المدنية العراقية ومثل نكهة متميزة في الحياة العراقية اينما وجد، فعلى سبيل المثال كان مسيحيو بغداد عنصرا فاعلا في اشاعة ثقافة التعايش والاندماج في المجتمع العراقي والبغدادي بصورة خاصة، عبر نمط عيشهم المسالم، وقبولهم للاخر وحرصهم على اشاعة ثقافة التسامح والعيش المشترك، وتفانيهم وصدقهم في العمل، ووفائهم للارض التي عاشوا عليها عبر آلاف السنين، بحث بات من الصعب رسم معالم الحياة البغدادية دون هذا الوجود المتألق

ولقد قدم المكون المسيحي مئات الاعلام من العلماء والمفكرين والباحثين والاطباء والمهندسين وفي جميع الاختصاصات الاخرى، وكانت مسهماتهم بارزة ومتميزة، الى درجة يصح بها القول ان هذا جل افعال ابناء هذا المكون هي افعال بناء وحضارة للعراق المعاصر

ولا يقتصر الوجود المسيحي في بغداد على الرغم من انه يمثل مركز الثقل الاساسي، فالمسيحيون في العراق يتمركزون ايضا في شمال مدينة نينوى وامتدادا نحو الشمال الغربي مع الجهة الشرقية لنهر دجلة وحتى قرية فيشخابور الواقعة على مثلث الحدود العراقية التركية السورية، وامتدادا ايضا من الموصل وصولا الى اربيل واستمرارا نحو الشمال الشرقي حتى قرية ديانا القريبة من بلدة راوندوز الواقعة على مثلث الحدود العراقية الايرانية التركية، ما يعني في المحصلة ان التجمعات المسيحية منتشرة بشكل رئيسي في ثلاث محافظات هي نينوى ودهوك واربيل،، اضافة الى كركوك و البصرة وبعض محافظات الجنوب الاخرى، ويترافق هذا الانتشار المسيحي في مناطق العراق المختلفة مع وجود مئات من الكنائس والاديرة في مختلف محافظات العراق، حيث يشير البعض الى وجود اكثر من ( 68 ) كنيسة في بغداد ولمختلف الطوائف المسيحية، واكثر من ( 20 ) كنيسة في نينوى، و( 13 ) كنيسة في دهوك، و( 8 ) كنائس في البصرة، و( 5 ) كنائس في كركوك،و(3) في اربيل، و(2 ) في الانبار، وواحدة في كل من ديالى وميسان وبابل

وينبغي الاشارة هنا الى ان الوجود المسيحي في العراق ليس وجودا طارئا، انما هو وحسب معظم الوثائق وجود اصلي وانهم احد الاقوام العراق الاصيلة، وعلى الرغم من عدم وجود احصاء دقيق لوجودهم فان اغلب التقديرات اشارت الى ان اعدادهم قبل الاحتلال وصلت الى 1.5 مليون شخص، الا ان اعدادهم قد تناقصت بضورة ملحوظة بعد الاحتلال ليصل تقريبا الى 400 الف فقط نتيجة تعرضهم لاعمال ا العنف والقتل والتهجير، وبدا هذا الامر واضحا في بغداد على نحو كبير، لينتقل تمركز من بقي منهم الى الشمال

هذا النزيف وافراغ العراق من احد مكوناته الرئيسة، له عدة سلبيات على المجتمع العراقي قبل ان يكون ضد هذا المكون نفسه، فافراغ العراق من هذا المكون يعني من بين ما يعنيه افراغ العراق لجزء مهم من ثقافته الحيوية وقضم لتاريخه، كما انه سيؤدي الى افقاد العراق لعنصر توازن فاعل احتاج اليه العراق سابقا، وسيحتاج اليه لاحقا بصورة اكثر، كما انه سيؤثر بعمق على نمط الحياة المدنية لصالح نمط من التعايش (الضد – مدني) في المجتمع العراقي، فضلا عن نواح عدة لا مجال للخوض فيها

صفوة القول ان المحنة التي يعيشها مسيحيو هي محنة وطن ونكسة حقيقة لتاريخ العراق ومستقبله، لذا فان الحفاظ على هذا الوجود هو مهمة الحكومة التي لم تفعل شيئا يذكر للتصدي لهذه القضية، لان لها تبعات استراتيجية خطيرة على السلم الاهلي في العراق وانماط تفاعلاته الاجتماعية. وهو ايضا مهمة المجتمع المدني وكل العراقيين من مثقفين وباحثين واعلام نزولا الى ابسط مواطن عراقي، فالتمسك بهذا الوجود هو تمسك بالعراق كما عرفه التاريخ والفناه

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO