الرموز والحقيقة

الرموز والحقيقة

المطران جورج خضر

2012-08-11

الرمزية عندنا ليست كالخيال. الحقيقة الروحية لا تنسكب فقط كلمات. تجيء صورا أيضاً. صورة الحقيقة رمزها. ليسا شيئين منفصلين. عندما يتكلّم صاحب الرسالة الى العبرانيين عن المسيح يقول انه بهاء مجد الله ورسم جوهره. المجد في بهائه ورسم الجوهر من الجوهر.

عندما تصطبغ بماء المعمودية لا تدل على انك نلت الخلاص. تكون نلته حقا. ليس الماء دالا على شيء ليس فيه. انه يعطيك ما فيه أي واقع الخلاص الذي انتقل اليه. المادة تنقل من عالم المحسوس الى عالم المعقول . كذلك ما يبدو في المناولة لك خبزا اصبح في جوهره جسد الرب. لا يدل على الجسد. أمسى جسدا أي انه انتقل من المحسوس الى المعقول. لا نقول ان جسد الرب هو في الخبز أو معه أو تحته. نقول ان الخبز تحول جسدا ولا نتكلم عن الكيف.

السر هو في هذا ان ما يبدو لك رمزا لشيء آخر لم يبقَ كذلك. ليس هناك شيء آخر. الرمز في التعبير المألوف شكل يدلّ على المرموز اليه وليس بينهما الا علاقة التخيل. اما في الاصطلاح المسيحي فالرمز والمرموز اليه واحد. المرموز اليه يتجلى بالرمز ويستحيل عليك ان تفرق بينهما على مستوى الكيان.

هل اليد الى اليد عند المصافحة ام هو القلب الى القلب ان كنا صادقين. عندما يقول بولس: “سلّموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة” ماذا يريد الا ان تكون القبلة بلا غش. بلا كذب؟ هل التلاقي في الحب الزوجي رمز ام حقيقة. في الكنيسة الأرثوذكسية عند ترتيل: “لنحب بعضنا بعضا” يقبّل الكاهن الكاهن الآخر. ولكن في الماضي كان كل الشعب يقوم بهذا التقبيل والمفهوم ان الكنيسة تتكون بالمحبة. هذا الجسد يحمل الروح التي تتواصل والروح الأخرى ولا بد من جسر بينهما وهو هذه الركيزة المؤلّفة من لحم ودم وعظام.

في الخط نفسه الكلام عن الكنيسة المبنية وموسيقاها ورسمها. فقد كان ممكنا الا تكون معابد وان يكتفى بالكلمة الإلهية في قراءتها غير ان عدد المؤمنين في تزايده اقتضى مكانا كبيرا للصلاة وكان لا بد من اجراء طقوس وهي رموز متناسقة بمعانيها واشكالها معا. والطقس في اجرائه يسكب عليك معنى ثم المعنى يعيدك الى صورته. والصلاة كلمات والكلمة صورة ومعنى في آن واحد.

واذا أخذت الكتاب المقدس فهو كلمات تُعرب أي انك تدخل اليه باللغة واللغة تصوير. والكتاب المقدس ليس لغة واحدة. عندنا هو العبري والآرامي واليوناني. هذه اللغات رموز ككل الرموز ومن خلال هذه تطلب الحقيقة والحقيقة في كلماتها. وعندما يخضع المفسرون نص الكتاب الإلهي للتفسير فإنهم يخضعونه للغات أي لرموز الحقيقة لكنهم يبتغون الحقيقة. هذه وصورها اذًا في طبق واحد الى ان يصير الله بلا صور عنه في اليوم الأخير حقيقتنا الوحيدة. والكبار في الأدعية في كنيستي يدركون يوما لا يقولون فيه كلمات. صلاتهم، اذ ذاك، نسميها داخلية. يكون هؤلاء المصلّون استدخلوا في قلوبهم دعاء اسم يسوع ويكون اسمه قد استقرّ فيهم. لا يلفظون، عند ذاك، اسما ولا كلمة. يكونون في الحضرة. امام الحضرة تنتفي مشكلة العلاقة بين الرمز والمرموز اليه.

اذا أخذنا سر مسحة الزيت نتساءل لماذا يجب ان يُدهن المريض بالزيت. هل انه كان اساسا لبعض الأدوية ام لأن اسمه باليونانية واسم الرحمة من جذر واحد. ما يبقى من هذا السؤال اننا في عمل مقدس كهذا يجمع الرمز الى ما يرمز اليه. لا نخرج في هذا عن طبيعة الإنسان.

ثم لا بد من انهاء الحديث عن الرموز في الكنيسة بذكرى الأيقونة. ماذا انت فاعل ان وضعت عليها شفتيك؟ هل هذه قبلة للصورة ام لصاحب الصورة؟ يوحنا الدمشقي بعدما كسر يزيد ايقونات لنا كتب اننا ان أكرمنا الصورة (إكراما لا عبادة) انما نكرّم المسيح أو مريم أو القديس المرسوم عليها وذلك بسبب من التجسد أي أن ابن الله الوحيد اتخذ صورة بشرية، جسدا من لحم ودم فاذا انضممنا الى الأيقونة ننضم اليه.

لعلّ كلا منا في حدود معينة ايقونة الله وبالبشرة نرتقي اليه ولا يبقى الا وجه ربك الذي لا رمز له. اذا استطعت ان تدركه هكذا بلا تعبير تكون قد أدركت الكمال.

هذا سيكون في اليوم الأخير (في تعبيرنا) أو الآخر في تعبير اخوة لنا وأصدقاء. كل جماعة لها تعبير أبصور كان هذا ام بكتاب والكتاب صورة. بعد القيامة لن يكون لك وجه بشري تعاين الله فيه. سيكون لك جسد آخر وصلاة غير مكتوبة ولن يكون في قلبك خيال لأن الخيال صورة. قلبك لن يختلف عند ذاك، في مضمونه وبهائه عن قلب الله.

نتوكأ الآن، ضرورة، على كلمات وهي تخيل، على إشارات وعلامات وفنون الى ان تزول هيئة هذا العالم ويخطفنا الله على أجنحة محبته الى وجهه الذي لا يسوغ الكلام فيه.

واذا استطعنا هنا ان نحب بعضنا بعضا فكأنما نرى وجوها هي فوق الوصف لأن الوصف يحتاج الى صور وقد تخطيناها بلصوق المحبة.

الذين حطموا الأيقونة بين القرن الثامن والتاسع الميلادي أما كانت ثقافتهم تكشف لهم ان الكتاب المقدس هو كان أيضاً ايقونة لكونه يقود الى الله بكلمات هي صور؟ الحقيقة المجردة في قلبك اذا تشبه بقلب الله اذا ارتفع محتوى القلب الى رؤية الله.

المهم ان يتحد اللاهوت فيك بالناسوت مع بقائك كائنا ناسوتيا. الله لا يلغيك. تصاعد اليه بكلماتك واسجد له بكل جسدك الذي الله حامله.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO