الأب جورج مسّوح : رمضان ومريم

الأب جورج مسّوح : رمضان ومريم

25 / 07 / 2012

يقسّم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” الصوم إلى ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.

ويحدّدها بقوله: “أمّا صوم العموم فهو كفّ البطن والفرج عن قضاء الشهوة. وأما صوم الخصوص فهو كفّ السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام. وأمّا صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الأفكار الدنيويّة وكفّه عمّا سوى الله عزّ وجلّ بالكلّيّة”.

يدعو الغزاليّ الصائمين، عبر كلامه عن مراتب الصوم، إلى السعي الدؤوب في سبيل الوصول إلى رتبة خصوص الخصوص، وعدم الاكتفاء بممارسة ظاهر الصوم وهو ما يقوم به العموم، من إمساك عن الطعام والشراب؛ وعدم الاكتفاء أيضاً برتبة الخصوص، وهي الرتبة التي يصل إليها الصالحون. فغاية الصوم هي القضاء على كلّ الشهوات والارتفاع إلى أعلى عليّين والالتحاق بالملائكة. وفي ذلك يقول الغزاليّ: “فالمقصود من الصوم التخلّق بخلق من أخلاق الله عزّ وجلّ وهو الصمديّة، والاقتداء بالملائكة في الكفّ عن الشهوات”.

ويذكر الغزاليّ قول بعض العلماء: “كم من صائم مفطر، وكم من مفطر صائم”. ويعلّق على قولهم شارحاً: “المفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب، والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه”. طبعاً، المطلوب من الصائم أن يجمع ما بين الصومين، كي يصبح صيامه كاملاً بلا عيب. لكنّ مَن يستغني بظاهر الصوم فقط، فمثله كمثل مَن يستغني بالقشور ويرمي الألباب والثمار الطيّبة.

ولا يغفل الغزالي التذكير بالحديث الشريف: “كم من صائم ليس له من صومه إلاّ الجوع والعطش”، ويعلّق على هذا الحديث بقوله إن المقصود به هو “الذي يفطر على الحرام”، أو “هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام”. فما معنى صوم المرء الذي لا يغض نظره عمّا يشغل القلب ويلهيه عن ذكر الله؟ أو الذي لا يحفظ لسانه عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء؟ أو الذي لا يكفّ سمعه عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حُرّم قوله حُرّم الإصغاء إليه؟ ويجيب الغزالي بقوله: “فلا معنى للصوم وهو الكفّ عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام”.

بعد أيام يبدأ “صوم السيدة العذراء” لدى المسيحيين. ويسعنا التأكيد أن ما قاله الغزاليّ عن مراتب الصوم ينسحب أيضاً على المسيحيّين وأصوامهم. والمسلمون والمسيحيّون مدعوّون كافّة إلى الترقّي والوصول إلى رتبة “خصوص الخصوص” التي يؤكّد القرآن حيازة مريم عليها حين يقرر: “فكلي واشربي وقرّي عيناً فإمّا ترينّ من البشر أحداً فقولي إنّي نذرت للرحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسيًّا” (سورة مريم، 26).

قال الله لمريم، وفق الآية القرآنيّة، “كلي واشربي”، وليكن صومك محصوراً بالصوم عن الكلام. ولا عجب في أنّ مريم دعيت بالبتول ليس لكونها بتولاً بالجسد فحسب،

بل لكونها بتولاً لم تدع للأهواء والشهوات أن تدنّس قلبها أو أن تفسد روحها. البتوليّة والعفاف حالة روحيّة يستطيع كلّ إنسان، إذا شاء واتّكل، أن يصل إليها بالتوبة، فيصبح كمريم من “خصوص الخصوص”. ما أحوجنا، مسيحيّين ومسلمين، إلى صوم نجاهد فيه أنفسنا ضدّ البغض والكراهية والفتنة، كي يعمّ الخير والسلام في ديارنا.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO