الراعي: “لبنان دولة مدنيّة لا دينية، تفصل بين الدين والدولة”

الراعي: “لبنان دولة مدنيّة لا دينية، تفصل بين الدين والدولة”

كلمة البطريرك الراعي في حفلة تخريج جامعة الحكمة أمس الثلاثاء

بيروت، الأربعاء 25 يوليو 2012 (ZENIT.org). – 1. تسعدني رعاية الإحتفال بتخريج طلّاب جامعة الحكمة، التي أحيّي وليّها سيادة أخينا المطران بولس مطر، ورئيس الجامعة الخوري كميل مبارك، والسادة أعضاء مجلس الأمناء، والعمداء والأساتذة والخرّيجين والخرّيجات، وأهلهم، وهذا الحضور الكريم. إنّنا إذ نهنّكم، أيّها الخرّيجون والخرّيجات بشهاداتكم، نودّ الإعراب عن شكرنا لجامعة الحكمة التي واكبتكم وتطلقكم اليوم إلى حقل العمل في لبنان، وعن الإمتنان لأهلكم الذين ضحّوا بالغالي والنفيس من أجل هذا اليوم. ويطيب لي ان أُطلق على فوجكم اسم: “فوج الدولة المدنية الحيادية 2012″، لسببَين أساسيَين:الأوّل، لأنّ لبنان هو البلد الوحيد في هذا الشرق الأوسط الذي يفصل بين الدين والدولة، بينما نشاهد على أرضنا انحرافاً شيئاً فشيئاً عن هذه الهويّة؛ ونرى في المنطقة تصاعداً في الأحزاب ذات العقائد الأصولية التي تتنظّم، وتظهر إلى العلن أكثر فأكثر. وهذه مسيرة عكسيّة لعالم يسير نحو العلمنة والعولمة. والسبب الثاني، لأنّ لبنان بحكم مكوّناته ونظامه السياسي وموقعه الجغرافي على ضفة المتوسّط الشرقية، يقتضي تحييده عن الصراعات الإقليمية والدولية لكي تكون له هويته الحقيقية.

2. أيّها الخرّيجون والخرّيجات، لقد زوَّدَتْكم جامعة الحكمة، بالعلوم العالية وفق اختصاصاتكم في كل من كليّات: الحقوق والعلوم الادارية والسياسية والصحية والكنسية والشرع الكنسي، ونقلت إليكم جامعتكم، مع جودة العلم، الروح الوطنيّة الأصيلة، والقيم الروحيّة والاخلاقيّة والإجتماعيّة، والثقافة المسيحيّة، والخصائص اللّبنانية، والإخلاص للوطن، وحقوق المواطنة وواجباتها. وبكلمة، جعلت من كلّ واحد منكم قيمة مضافة للبنان، المجتمع والدولة. وها هي اليوم تُطلقكم، كالنّسور من أوكارها، إلى رحاب الوطن، رسلاً وشهوداً. إنّ لبنان، لكي ينهض من معاناته، ويستكمل مسيرته كدولة مدنيّة، ويحقّق دوره الحيادي الإيجابي الملتزم قضايا السلام والعدالة والعيش معاً والحوار بين الثقافات والديانات والحضارات، في عالمه العربي، ووسط الأسرة الدولية، إنّما يحتاج إلى دم جديد، وذهنيّات جديدة، وقادة جددٍ مخلصين متفانين في سبيل لبنان أوّلاً وآخراً، لا يغويهم لا المال ولا الكراسي ولا يُباعون ويُشترون. إنّنا نتطلّع إليكم كملبّين لحاجة لبنان هذه، وكأمل بمستقبل أفضل فيه. وهذا ما يبرّر الإحتفال المهيب بتخرّجكم، وحضور كلّ هذه الوجوه الكريمة من حولكم.

3. إنّني أحيّي، بالشكر والإمتنان مدارس الحكمة وجامعة الحكمة، ومن خلالها كلّ مدارسنا وجامعاتنا، التي تولي الشبّان والشابّات وأجيالنا الطالعة اهتماماً خاصّاً لكونها “أعظم ثروة للبنان”، كما كتب الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني في الإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان”، ويقول: “من حقّهم أن يتلقّوا تنشئة علميّة، وتربية أخلاقيّة وروحيّة نوعيّة، وأن يُعطوا نصيبهم في القرارات التي تلزم الأمّة، وأن يشعروا بأنّهم مقبولون ومدعومون في انخراطهم المهني والإجتماعي والوطني، وفي تكوين مستقبلهم الشخصي على أرض الوطن، وفي تطوير الهيكليّات عبر تبديل القلوب والذهنيّات” (الفقرة 96).

ويضيف: لا يمكن أن تستقيمَ الحياة الوطنية عندنا – وهذا مسعى شعوب معظم الدول العربية في انتفاضاتها ومطالباتها – من دون نظام سياسي واجتماعي عادل ومنصف يحترم جميع المواطنين وجميع الإتّجاهات التي يتألّف منها البلد، ويوليهم حقّ المشاركة في المسؤوليّة العامّة، لكي يبنوا معاً بيتهم المشترك. وما من أحد يُمكنه التهرّب من هذه المشاركة في المسؤوليّة، وما من أحد يستطيع حرمانه منها، أو تقييد ممارسته لها بشروط الولاء، لهذا أو ذاك من النافذين. وإلّا تزعزعت أُسس الإستقرار في العلاقات العامّة، وتعرّض المواطنون إلى جميع أنواع التعسّف والإستبداد، ويفقد الشعب بكامله الثقة بالمؤسسات الوطنية التي هي وحدها المرجعيّة، ولا بديل عنها، والضامنة لحقوق الاشخاص والشعب والمدافعة عنها، والعاملة لتأمين الخير العام، الذي منه خير الكلّ وكلّ فرد، لأنّنا جميعاً مسؤولون حقّاً عن الجميع. (“رجاء جديد للبنان” الفقرة 95)

4. سمّيت فوجكم، أيّها الخرّيجون والخرّيجات، “فوج الدولة المدنيّة الحيادية 2012″، لأنّ دولة لبنان هي كذلك بحكم دستورها والميثاق الوطني. ولكنّها آخذة في الإنحراف عن هذه الهويّة، عن قصد البعض أو عن غير قصد.

بحكم الدستور، لبنان دولة مدنيّة “لا دينية”، تفصل بين الدين والدولة. تقوم على حقوق الإنسان وتحترم الدين ولا تتعارض معه، بل ترعاه بمبادئها، وتحمي حرية الضمير وحرية العبادة. هذه في المصطلحات تُسمّى “الدولة العلمانية الإيجابية”، وليست من نوع الدولة العلمانيّة المعارضة للدين. ولأنّ لبنان دولة مدنيّة بطبيعته، فقد نجحت عند اللّبنانيين الطاقة الخلّاقة، وتقدّمت الحرّيات، وتنوّع الإبداع، ونما الدَّخل القومي، وتحقّقت المساواة في الحكم والإدارة، وفي الحقوق والواجبات، ونُقل المجتمع من التخلّف والرجعيّة إلى التطوّر والحداثة (راجع روجيه ديب: لبنان المستقرّ، صفحة 132-135). ولهذا السبب احتلّ لبنان موقعاً مميَّزاً ومُحتَرماً في العالمَين العربي والدولي. وكون لبنان يفصل بين الدين والدولة، فإنّ حكمه ديموقراطي برلماني مؤسساتي، والشعب هو مصدر السلطات (مقدمة الدستور). وممّا لا شكّ فيه أنّ رئاسة مسيحي للبنان هي التي تضمن الدولة المدنية اللادينية فيه، لأنّها من صميم الفكر المسيحي (لبنان المستقرّ، صفحة 142).

5. بحكم الميثاق الوطني، لبنان قائم على تعاقد العيش معاً، المعروف بالعيش المشترك الحيادي، داخليّاً وخارجيّاً. الحياد الداخلي هو إرادة قيام دولة تحفظ حقوق جميع الفئات والمواطنين، وتسهر على خير الجميع. فلا هي دولة أقليات، ولا هي دولة أكثرية، بل دولة تحفظ المساواة بين جميع الطوائف؛ وتحفّزها على حفظ قيمتها المضافة، وتمنع الإقتتال الداخلي؛ وتعتني بالإنماء المتوازن لمختلف المناطق.

أمّا الحياد الخارجي فهو القائم على اللأين للشرق وللغرب أي لعدم التبعية لأيّ دولة شرقية أو غربية، ولعدم انحياز الدولة إلى أيّ من الصراعات والمواقف والأزمات الإقليمية والدولية، مع الإلتزام بقضايا العالم العربي الكبرى، وفي طليعتها حلّ القضيّة الفلسطينية بشكل عادل ودائم، وبقضايا الاسرة الدولية المختصّة بالسلام والعدالة والتفاهم بين الشعوب (لبنان المستقرّ، ص 107 و108 و110 و143 و148). في هذا الميثاق حدّد لبنان نفسه بأنّه عربي الهويّة والإنتماء، ملتزم قضايا العروبة بوصفها مدخلاً لتجديد مساهمة العرب في الحضارة العالمية (رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك: “معاً أمام الله”). للبنان كدولة عربية دور نهضوي في الكيان العربي الجامع، وفي تعزيز العروبة الثقافية المواكبة للحداثة العالمية، والساعية إلى تحديث نفسها وتحديث حياة مواطنيها، وبالتالي إلى وحدة ثقافية إقتصادية، بعيداً عن العروبة السياسية التي مزّقت اليوم العالم العربي، ووضعت الدولة في محاور، وقسّمتها إلى فئات (لبنان المستقرّ ص 147).

كتب المرحوم السفير فؤاد الترك قبل ثلاثة أيّام من دخوله المستشفى ووفاته: “إنّ تحييد لبنان عن الصراعات الإقليميّة والدوليّة، وإسناد دور له باعتماده من الأمم المتّحدة مقرّاً دوليّاً للحوار بين الأديان والثقافات والإتنيّات هو الذي يعطيه هوّيته الحقيقيّة ومعناه، بحيث يشعر كلّ إنسان، إلى أيّ دين أو مذهب أو معتقد أو لون انتمى، بأنّه في بيته تماماً، يمارس حرّيته الكيانيّة على أكمل وجه في السرّ والعلن؛ وباحترام متبادل مع الآخر، يشاركه الحياة بخلقيّة وكرامة وانفتاح وسماح. وهذا ما يؤمِّن للبنان الحياة والحصانة والتعاطف والدعم، ويُبعد عنه العنف والإنقسام وغدرات الزمان، ويوفّر له الإستقرار والسلام والوحدة ضمن التنوّع، ويعزّز الإلفة والوئام، ويقوّي الثقة بقدرة الوطن، ويدفع إنسانه إلى الإبداع والإبتكار” (مقال نشرته جريدة النهار يوم وداعه، الجمعة 20 تموز 2012، ص 5).

6. ما نحتاج إليه هو التربية في مدارسنا وجامعاتنا على هذا المفهوم للبنان الدولة المدنية الحيادية، التي تجعل منه لبنان الرسالة والنموذج للشرق والغرب، كما حدّده الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني.

إنّ المؤسّسات الجامعية في لبنان تنتظر صدور قانون جديد ومتكامل للتعليم العالي الخاص في لبنان، يكون ضامناً لجودة التعليم وتربية الجامعيّين على خصوصيّة لبنان في دستوره وميثاقه، في كيانه ورسالته. فمن المعيب أن يكون إلى الآن ما زال قانون سنة 1961 ينظّم تعليم قطاع التعليم العالي الخاصّ، وأن يكون المرسوم الذي صدر في 7 تشرين الأوّل 1996، والقاضي بتحديد الشروط والمواصفات والمعايير المطلوبة للترخيص بإنشاء مؤسّسة خاصّة للتعليم العالي أو باستحداث كلّية أو معهد في مؤسّسة قائمة، قد جاء مخالفاً للقانون الأساسي وناقصاً وفيه الكثير من الخلل.

في لبنان اليوم ما يفوق الأربعين مؤسسة للتعليم العالي، ويوجد حاليّاً في عهدة اللجنة الفنّية للتعليم العالي ملفّات طلبات الترخيص لخمس وعشرين مؤسّسة جامعية ومعهد جامعي جديد. هذه الطلبات تناقض توصية لجنة التربية اللّبنانية الصادرة في 12 تشرين الثاني 2011، والتي توصي، انسجاماً مع قرار مجلس التعليم العالي (رقم 2/2011)، بعدم الترخيص لمؤسّسات جديدة قبل صدور قانون التعليم العالي الخاصّ الجديد (راجع جريدة النهار، 21 تموز 2012، ص 8).

7. لقد كشف المجمع البطريركي الماروني في نصّه السابع عشر: “الكنيسة المارونية والتعليم العالي” كم أنّ الحاجة إلى قانون جديد للتعليم العالي الخاصّ كبيرة، بسبب النواقص في التشريعات، والخلل في تطبيق التشريعات الموجودة، ووجود مؤسّسات غير مرخّصة قانوناً وتمارس عملها بصورة غير شرعيّة، وغيرها يرتكب المخالفات المتنوّعة من دون أيّ رادع، وغيرها يغلّب المنطق التجاري الإستثماري، ولا من يسأل ويحاسب (الفقرات 24-30). ويبقى السؤال الكبير: ماذا تعلّم كلّ هذه الجامعات، وأي تربية إنسانية وإجتماعية ووطنية تُعطي؟ وأي مواطن تخرّج؟

إنّنا نناشد الدولة رسم سياسة وطنيّة للتعليم العالي بالتعاون مع جميع الأطراف المعنيّة؛ وإنشاء هيئة وطنيّة للإعتماد تُلزم المؤسّسات بالقوانين وأصول الأخلاقيّات الجامعيّة في التعامل، وبخاصّة معايير الجودة والإمتياز والتربية الوطنية، فتؤدّي الجامعات، كما يُنتظر منها دورا أساسي في تطوّر المجتمع اللّبناني على جميع المستويات العلمية والثقافية والوطنية، المنفتحة على ثقافة قيم الحداثة وتعزيزها في العالمين العربي والدولي.

8. أيّها الخرّيجون والخرّيجات، انطلقوا من رحاب جامعة الحكمة واجعلوا من أنوار الحكمة ملحاً وخميرة للبنان الدولة المدنية الحيادية. عشتم! عاشت جامعة الحكمة! عاش لبنان.

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO