العيش الإسلامي المسيحي في الشرق العربي يدحض مقولة صراع الحضارات

نقلاً عن جريدة “المستقبل” اللبنانية
 
إن العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة، لاسيما على مستوى العالم الغربي والعالم الإسلامي العربي، قد تدهورت منذ عقد من الزمن. ولذلك أسباب عديدة قد تكون أهمّها أحداث 11 أيلول وتداعياتها، والعلاقات المتأزمة ما بين المسلمين في أوروبا وأميركا وسكان تلك المناطق الأصليين 
من هنا، جاءت تنظيرات المؤدلجين الأميركيين الداعية إلى أنه لا مفرّ من الصراع ما بين العالم الغربي (المعتبر مسيحيَّ الثقافة والحضارة) والعالم الإسلاميّ 
على أي حال، ومن دون الدخول في سجال لاهوتي وفقهي، نكتفي هنا باستقراء التاريخ، باختصار، على مستوى العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة، وبالأخص في المشرق العربي ليظهر بوضوح أن الحضارة الإسلاميّة ليست إقصائية ولا صراعية من حيث التعاليم ومن حيث الواقع المعاش
 
الصفحات الناصعة في تاريخ العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة في منطقتنا تجلّت في مساهمة المسيحيّين العرب مساهمة ذات شأن كبير في بناء الحضارة العربيّة – الإسلاميّة، من الحقبة الأمويّة، إلى العباسيّة، إلى نهاية الحقبة العثمانيّة حيث ساهم المسلمون والمسيحيّون العرب في النضال لأجل الاستقلال، وبخاصة في بناء ما يُسمّى “النهضة العربيّة”، وتبع ذلك تضامن المسيحييّن والمسلمين في النضال لأجل رفع نير الاستعمار الأوروبي وبناء الاستقلال الوطني، كما سنرى باختصار في ما يلي: إن لقاء النبيّ الهادئ مع مسيحييّ نجران والذي تخلّلته المباهلة التي يشير إليها القرآن، يشهد للطور الأوّل من العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة والتي لم تعرف، بداية، منظومة واضحة تحدّد الحقوق والواجبات. إلاّ أنّ الفتوحات المتعاقبة والعهود التي أعطيت للمسيحييّن بوصفهم: “أهل الكتاب” سرعان ما حدّدت في الواقع وضعيتّهم كأهل ذمّة. وبدا أن ذميّتهم هذه أقرب إلى العقد منها إلى الوضع الثابت. ويعزّز هذا القول ما بيّنه لاحقاً فقهاء عديدون وصولاً إلى يومنا هذا، حيث يؤكد عدد من الإسلامييّن على المواطنة ويفسّرون فكرة أهل الذمّة تفسيراً تاريخيّاً يحررّها من المطلق أو المؤبّد 
وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه العهود أو العقود تستوحي المبادئ القرآنيّة لكنّها تعكس، في الوقت عينه، الظروف المحيطة بالفتوحات وخصائصها. فمعظمها كان “يسيراً” حسب ما جاء في وصف البلاذري لفتح بلاد الشام. اقتضت ضرورات بناء الدولة الأمويّة ومؤسّساتها أن يعمد الحكّام المسلمون إلى اصطفاء الأكفّاء للوظائف من دون تفريق في الجنس أو الدين. واحتلّ عدد من المسيحيّين مثل ابن سرجون منصور (يوحنا الدمشقيّ)، مناصب رفيعة في الدولة لما لهم من خبرة اكتُسبت في خدمة الدولة البيزنطيّة 
واستمرّ المسيحيّون في ممارسة شعائرهم الدينيّة بشكل طبيعيّ، ولم يكتموا معتقداتهم الدينيّة بل جاهروا بها معلّقين في أعناقهم صلباناً. وظلّ كتّاب الدواوين من المسيحييّن، وحتّى مطلع القرن الثاني للهجرة، يرسمون علامة الصليب على ظهور الوثائق الرسميّة في سوريا ومصر أيضاً، كما تشهد على ذلك مخطوطات البردى في مصر المدوّنة باللغتين اليونانيّة والعربيّة. وكان رؤساؤهم المسلمون يثبتون ختمهم إلى جانب الصليب عوض أن ينهوهم عن ذلك
 
من الطبيعيّ أن يؤدي كلّ ذلك إلى التفاعل بل إلى تداخل اجتماعيّ بين المسلمين والمسيحيّين يعزّزه، فضلاً عن المودّة التي أوصى بها القرآن، شوق إلى الاطّلاع وقابليّة لأخذ المعارف ورغبة عند السادة الجدد ألاّ يقف اقتباسهم من الحضارات الأخرى عند حدود ضيّقة 
غنيّ عن القول إنّ الحقبة العبّاسيّة شهدت مساهمةً مسيحيّةً لافتة في الحياة الفكريّة. وكانت الشخصيّات الأبرز يومها تنتسب إلى النسطوريّة أو اليعقوبيّة (من السريان المشارقة والمغاربة). لعب المسيحيّون دوراً كبيراً في التعريف بالتراث اليونانيّ عن طريق الترجمة وتعاطي الفلسفة والعلوم. ويشهد على أهمّية هذا الدور، اتّساعاً وتنوّعاً، ما جاء في طبقات الأطبّاء والحكماء لابن جلجل الأندلسيّ، وفي باب “الفلسفة والعلوم القديمة” عند ابن النديم في الفهرست. ولن نستفيض، بالطبع، في تقويم أثر الترجمات من اليونانيّة والسريانيّة والفارسيّة التي قام بها المسيحيّون الشرقيّون، وقد قطع استعرابهم الإجماليّ شوطاً بعيداً، في “تشكيل” الحضارة العربيّة الإسلاميّة
 
إنّ العهود الأولى رسمت إطاراً مرجعيّاً للعلاقة بين الحكّام ورعاياهم المسيحيّين . لكنّ الظروف السياسيّة المتغيرّة، فضلاً عن طباع الحكّام الشخصيّة ونوازعهم، تفسّر لنا ممارسات متفاوتة في اللين أو في الشدّة. وممّا يجدر ذكره أنّ الفقهاء صاغوا لاحقاً أحكاماً تفصيليّةً تتناول أهل الذمّة والسلوك المفروض عليهم بشكل يحدّ من حرّياتهم المنصوص عليها في العهود الأولى ويغالي في إخضاعهم، ولعلّ أبرز ما نعرفه من هذه الأحكام ما ورد في القرن الرابع عشر عند ابن قيّم الجوزيّة. إنّ هذه الأحكام تستوحي “الشروط العمريّة”، التي أثبت النقد التاريخيّ بطلان نسبتها إلى الخليفة عمر ابن الخطّاب لينسبها إلى الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز، ثمّ خطا خطوة أخرى وبات يعدّها وثيقة مزيّفة ترتقي إلى القرن الرابع للهجرة. ومن الممكن أن تكون خرجت من أروقة قصر الخليفة العبّاسيّ المتوكّل

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO