الأحد الرابع للقيامة

سيكونُ لكم في ضيقٍ في العالم
تركز القراءات الطقسية في فترة مابعد القيامة على نصوص مختارة من إنجيل يوحنا تسمى مواعظ الوداع، وتسمى هكذا لأنها سبقت آلام ربنا يسوع المسيح. أما الكنيسة فوضعتها في الترتيب الطقسي كتحضير لصعود ربنا يسوع المسيح له المجد للآب السماوي وجلوسه عن يمينه.
ربنا يسوع المسيح ماضٍ إلى الملكوت، إلى المكان الذي أعده لنا لكي نكون معه إلى الأبد، لكنه في نفس الوقت لايتركنا بدون معين أو نبوءة تحذرنا من الزمن القادم. في نهاية إنجيل اليوم سمعنا النص القائل: “إنّهُ سيكونُ لكم ضيقٌ في العالم ولكن ثِقوا أنا غلَبْتُ العالم.” لنركز على الجزء الأول من هذه الآية التي تنبئ بضيق سيحل بنا في هذا العالم.
لو تأملنا قليلاُ في هذا النص وسألنا أنفسنا: ماهي الضيقات التي مررنا أو نمر بها في حياتنا والتي تكلم عنها يسوع في هذا النص؟ هل هي ياترى الإضطهادات التي مررنا بها على مدار السنين وخصوصاً في الفترة الأخيرة أم هو ضيق من شيء آخر؟
أكيد إن وضعنا كعراقيين بصورة خاصة وشرقيين بصورة عامة يجعلنا نضع الأظطهاد الديني في المرتبة الأولى لتفسير الضيق الذي يعنيه ربنا يسوع المسيح في كلامه. لكني أرغب بأن نوسع من تفسيرنا لمعنى الضيق في حياتنا وأن نحاول إيجاد صيغ أخرى غير الإضطهاد الديني لتفسيره.
أدعو كل شخص لكي يتأمل في يوم من أيام حياته أو أن يعقد النية على أن يراقب مسار نهار كامل بكل مايشمله من مواقف في العمل وفي البيت. قد لايخطر في بالنا على الإطلاق عدد المرات التي نتعرض فيها إلى ضيق ونضطر إلى أن نخلص أنفسنا بشتى الطرق، نحن نشبه الفريسة التي وقعت في شباك العنكبوت والتي تحاول المستحيل لتفلت من براثن الحشرة المفترسة.
الضيق في وقتنا الحالي يأخذ عدة أشكال تواجهنا في كل يوم بحيث أصبح التعامل معها كنوع من الروتين، ونحن للأسف نغفل عن خطره. على سبيا المثال للحصر: الكذب في حياتنا أضحى شيء طبيعي جداً، لابل فقد بلغ بنا الإستخفاف بالأمور، حتى إننا بدأنا نطلق على هذا الكذب اليومي مصطلح “الكذبة البيضاء” أي التي لاتضر أحد، ناسين كلام ربنا يسوع المسيح ليكن كلامكم نعم نعم لا لا.
الضيق يتجلى في قلبنا القاسي الذي يسمح لنفسه بالغضب من القريب والصديق إلى حد قطع العلاقات الإجتماعية وكل أواصر المحبة التي هي قمة الوصايا، حيث أوصانا ربنا يسوع المسيح أن نحب بعضنا بعضاً.
الضيق يكون في تعاملنا اليومي في دوائر الدولة أو في الأسواق أو حتى في الشارع، حيث نحاول بشتى الطرق الألتفاف حول القانون والوصول إلى مبتغانا حتى بالرشوة إن إقتضى الأمر. هنا أذكر بالقراءة من سفر أعمال الرسل التي تحكي لنا قصة سيمون الساحر
“فلَمّا رأى سيمونُ أنّهُ بوَضْعِ أيدي الرُّسلِ يُعطى روحُ القدس قدّم لهما فِضَّةً، قائِلاً: أعطياني أنا أيضاً هذا السُّلطانَ حتى ينالَ روحَ القدسِ كلُّ من أضعُ يدي عليهِ، قال لهُ شمعونُ الصفا: لتذهَبْ فضَّتُك معَك إلى الهَلاكِ لأنّك ظنَنْتَ أنّ موهبةَ اللهِ تُقتَنى بحُطامِ الدُّنيا، فلا حصَّةَ لك ولا نصيبَ في هذا الإيمان لأنَّ قلبَك غيرُ مستقيمٍ أمام الله، فتُب من شَرِّك هذا وتوسَّلْ إلى الله عسى أن يُغفْرَ لك مَكْرُ قلبِك، فإنّي أراك في مرارةِ الكَبِدِ وقيودِ الإثم،”
ولكن ثِقوا أنا غلَبْتُ العالم
إذاُ هل نبقى في هذا الضيق ومعمي البصر والبصيرة؟ حاشا فيسوع المسيح القائم من بين الأموات هو حررنا من كل ضيق لنتأمل كلام بولس الرسول في رسالته إلى أفسس
“لكنَّ الله الغنيَّ بمراحمِهِ من أجلِ حُبِّهِ الكثيرِ الّذي أحبَّنا بهِ. إذ كُنّا أمواتاً بخطايانا أحيانا مع المسيحِ وخلَّصنا بنعمتِهِ، وأَقامَنا مَعهُ وأَجلَسَنا مَعهُ في السَّماواتِ بيسوع المسيح، ليُظهِرَ للدُّهورِ المستقبَلَةِ عظَمَةَ غِنى نعمَتِهِ ولُطفِهِ الّذي صار لنا بيسوعَ المسيح
إذاً ربنا يسوع المسيح قد وضعنا على الطريق الصحيح، الذي من خلاله نتغلب عل هذأ الضيق الذي نمر به بإرادتنا وبغير إرادتنا. عندما نسمع منه ونتيقن بأعماله بأنه غلب هذا العالم، فنحن أيضاُ نقدر أن نغلب هذا العالم ونتجاوز الضيقات الموجودة به.
الأب بولس ساتي للفادي الأقدس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO