مسيحيّون ومسلمون في سبيل التضامن والموّدة

مسيحيّون ومسلمون في سبيل التضامن والموّدة

موقع أبونا

الأب رفعــت بدر – بالتزامن مع الغد الأردنية

بين يديّ كتيب للأب اللبناني الأصل والألماني الإقامة عادل تيودور خوري، وإذا توقفنا عند هذا الاسم فهو من أكثر الأعلام اختصاصاً في الحوار الإسلامي المسيحي، وقد ذُكر اسمه كثيراً عام 2006 عندما اقتبس البابا مقولة، من أحد كتبه، حيث كان يكتب حول ” مجادلات تاريخية بين أتباع الديانتين”. قابلته في بيروت قبل أربعة أعوام فأخبرني انه سوف يبدأ الكتابة حول “الصداقات” وأسباب الموّدة بين المسلمين والمسيحيين لأنه لدى قيامنا بكتابة أي أمر، علينا أن نفكر بالأبعاد التربوية التي يتلقفها الجيل الجديد ويؤسس بموجبها نظرته نحو الأخر – الديني.

وبالفعل لقد أنشا الأب “تيودور” (82 عاما) والمختص بعلوم الأديان وبخاصة المسيحية والإسلام، سلسلة كتب جديدة في المكتبة البولسية في بيروت التابعة لكنيسة الروم الكاثوليك، وهي بعنوان: “مسيحيون ومسلمون، في سبيل التضامن والمودة”. والى اليوم نشر جزئين: الأول “انطلاقة جديدة من أجل عيش مشترك في ظل المودة”، والثاني “في سبيل توثيق أواصر القربى بين المسلمين والمسيحيين”.

ويقول البروفسور عادل الذي كتب الى اليوم أكثر من ستين مؤلفا، في مقدمة الجزء الأول: “عبرة التاريخ  استخلصناها حتى اليوم في كثير من الأحيان من ذكر نزاعاتنا وصراعاتنا وعداواتنا وحمّلنا حاضرنا عبء هذا الوجه السلبي من علاقاتنا، ولكنا لو أمعنّا النظر  في خبايا هذا التاريخ لوجدنا مقابل النواحي السلبية الكثير من الايجابيات التي تصلح لتكون قاعدة لحياتنا، وحياة أجيالنا الطالعة، فلا يصح أن نتباطأ عند تاريخ النزاعات، بل علينا أن نسعى إلى اكتساب معرفة موسّعة للجوانب الايجابية”.

هناك بلا شك، في خبايا التاريخ علامات الصداقة والقربى في شتى العصور بين المسيحيين والمسلمين، وحري بنا أن نشّد على أيدي من يقومون بإظهار هذه العلاقات وتقديمها للأجيال الصاعدة، لتكون إشارات مرور ايجابية على درب التعاون المشترك. والأمر لا يتوقف عند الأب عادل وإنمّا هي مسؤولية مشتركة يُدعى إليها العلماء والمؤرخون مسلمين ومسيحيين، لتبديل الحاضر نحو تفاهم أوسع وقربى أوسع ومودّة أعمق ويقدّم مثالاً لتخطيط مستقبل لأتباع الديانتين، مستقبل مشترك يستتب فيه السلام ويستقيم فيه العدل، ويتصف بالرحمة والمحبة.

غلاف الكتاب

أمّا عن أهداف المشروع – السلسلة فيضعها صاحب المبادرة في ثلاثة أهداف: أولاً ” تاريخ صداقاتنا ” يجب أن يحلّ في عقول وقلوب المسلمين والمسيحيين محلّ تاريخ النزاعات والخصومات الذي يشحن الضغائن ويثير العداوة ويطمس الفكر، ويطبق على العقول. وثانياً إن الصداقات يجب أن تكون أساسا ومثالاً للتربية في المدارس والمعاهد والجامعات وللعلاقات النظرية والعملية بين المسلمين والمسيحيين، وللعيش في المجتمع الواحد وفي عالمنا الذي هو واحد للجميع. وثالثاً إن تاريخ صداقاتنا نستنتجه من كتب التاريخ من الطرفين ومن المشاريع الثقافية المشتركة في التاريخ وفي العصر الحديث. ومن أشكال وألوان العيش المشترك الرضيّ واختباراته المتنوعة

وبعد، فان الحاجة أصبحت أكثر إلحاحاً للإصغاء إلى أصوات العقول والمنطق وتعزيز نظرة المحبة نحو الآخر – الديني كجماعة وكأفراد. فلم يعد الدين قادراً – ولا قابلاً- أن يُستخدم في بث الفرقة والفتنة والعنف والترويع. فالدين في أساسه سلام ومودة. والمسلمون والمسيحيون مدعوون إلى تعزيز القيم المشتركة، وبخاصّة تلك التي تخدم الإنسان والإنسانية، وتبني المجتمعات الواحدة. وفي الوطن العربي بات مطلوبا أن يعيش – لا أن يتعايش- المسلم مع المسيحي تحت مظلة، ليس الخطابات الرنّانة – وانّما المواطنة الصالحة والالتزام في الحقوق والواجبات. لقد مرّت العلاقات بالكثير من المطبّات، كما مرّ الحوار بالعديد من المراحل: من الحوار العقائدي إلى حوار الحياة، إلى حوار التبادل الروحي والثقافي، إلى حوار التعاون، وها هو اليوم يصل إلى مرحلة الحوار لتعزيز المواطنة.  وليست هذه السلسلة الجديدة للأب تيودور سوى لتمتين أساس التعاون والاحترام الكامل، فيشعر كل مواطن انه مواطن “كامل الدسم”، له كامل الحقوق وعليه الالتزام بكامل الواجبات.

بقي القول باختصار أنّ الجزء الأول من هذه السلسلة التي نتمنّى لها أن تكبر وتتسع يتحدّث حول الحاجة إلى أفكار جديدة ومبادرات جديدة في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، ويسرد المؤلف النظرة المسيحية للعيش المشترك والأديان، ويقول إن هذه المرحلة هي مرحلة التعاون بين أتباع الديانتين من اجل إحلال ثقافة السلام والعدل والمحبة وكذلك ثقافة التسامح والحوار، وهي مرحلة “النمو” في معرفة الآخر وإبصار أنّ المسيحية والإسلام مبنيان على المحبة: محبة الله. ويسرد لذلك شواهد تاريخية من المتصوّفة وغيرهم.

أمّا الكتاب الثاني فهو جزء “الوثائق” التي يسميها “مواقف” كنسية عالمية أو شرق أوسطية، والهادفة إلى ما يدل عليه عنوان الكتاب “توثيق أواصر القربى” بين المسيحيين والمسلمين، فيتحدث أولاً عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، تحت بند علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالأديان غير المسيحية، وفيها جزء كبير للعلاقة مع المسلمين، ثم يمّر على ما جاء في وثيقة الإرشاد الرسولي من اجل لبنان بعنوان “رجاء جديد لأجل لبنان”، وأيضاً يتحدث عن رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك الصادرة عام 1994 بعنوان “معاً أمام الله في سبيل الإنسان والمجتمع” وبحثت في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي. وصولا إلى “كلمة سواء” وهي الرسالة التي وجهها 138 عالماً مسلماً إلى أركان العالم المسيحي. ويبقى الأمل مبنيا على جزء ثالث نتمنّى أن يكون قريبا، وفيه ذكر لما جاء به سينودس (مجمع) الكنيسة في الشرق الأوسط، الذي عقد في الفاتيكان في تشرين أول 2010، وأكد فيه مسيحيو الشرق على اختلاف طقوسهم وبلدان تواجدهم أنّهم ماضون قدما في التعاون مع المسلمين، شركائهم في الحضارة، لما فيه خير الإنسان والمجتمعات.

أجل عالم اليوم بحاجة أكثر من ذي قبل إلى تدعيم أسس العيش المشترك على أساس الديمقراطية الحقيقية والمواطنة الصالحة، أمّا الإيمان فهو، كما يقول الأب تيودور: “مشترك بالله الواحد وهو أساس متين لحوار أخوي نصوح بين المسلمين والمسيحيين وحافز لتعاون مثمر في سبيل مجد الله رب البشر جميعاً، وفي خدمة البشر، وهم جميعاً أخوة وعابدون لله الواحد”.

مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO