تحضيراً لعيد الفصح: الكنيسة لا “تتراخى” في الصوم وتدعو الناس للتوبة الحقيقية

تحضيراً لعيد الفصح: الكنيسة لا “تتراخى” في الصوم وتدعو الناس للتوبة الحقيقية

مارسيل عيراني – النشرة

منذ أسابيع قليلة استقبلت الطوائف المسيحية زمن الصوم كتهيئة لـ”العيد الكبير”، عيد الفصح وعيد القيامة. وفي ظلّ هذا الزمن نتوقف اليوم أمام المعاني التي يحملها لإنسان القرن الواحد والعشرين الذي يركض يمينا ويساراً عله يلحق بهذا العصر السريع التغيّر، حتى جاز أن يقال له ما قاله المسيح لمرتا (لو 10 / 41): “مرتا مرتا انت تهتمين وتضطربين لاجل امور كثيرة ولكن المطلوب واحد (…)”.

زمن الصوم إذاً هو زمن العودة إلى جذور الإيمان وهو زمن الإرتداد والتوبة، وهو أحد أشكال العبادة الثلاث: الصوم والصلاة والصدقة. إلا أننا اليوم نشهد نوعاً من “التراخي” لدى المؤمنين تجاه العادات والتقاليد الصوميّة وتجاه تعاليم الكنائس الخاصة به، فبات البعض يعتبر أن الصوم أمر ثانوي أو على الأقل غير إلزامي… وباختصار، أحضّر “صومي” الخاص و”ما حدا إلو معي!”.

الصوم ينتمي للتراث الديني البشري العام!

“ليس الصوم اختراعا مسيحياً” وفق ما يؤكد الأب جوزيف بو رعد، عميد كلية العلوم اللاهوتية والدراسات الرعائية في الجامعة الانطونية فهو “أحد أشكال العبادة في ديانات الشعوب القديمة  السابقة والمعاصرة للدين اليهودي، وهو من العناصر القليلة الموجودة في ديانات تنتمني الى حضارات متباعدة زمنيا وجغرافيا، وبالتالي، فهو ينتمي إلى التراث الديني البشري العام وهو احد اهم تعابير توق الانسان الى الكمال”. ويشرح أنه “في العهد القديم، كان الصوم تعبيراً عن توبة الناس، لذلك في الأوقات الصعبة وفي الويلات كان الشعب يُدعى للصوم والتوبة. كما وان الصوم مرتبط بالموت والحزن. فالتوبة هي نوع من الموت الإستباقي، أو نوع من الإعتراف بأنني أستحق الموت مما يدفع عني الموت الحقيقي الذي هو جزاء ضلالي”.

ويظهر العهد القديم مثالاً لتجاوب أحد شعوب الأمم (أي شعب من الشعوب غير اليهودية) مع نداء الصوم والتوبة الذي نادى به النبي يونان في نينوى، فصام أهلها وارتد عقاب الله عنهم.

أما في العهد الجديد، وفق ما يشير إليه الأب بو رعد، فإن المسيح “تحدث عن الصوم في الفصل السادس من إنجيل متى كواقع وكممارسة قائمة”. إذاً، فإن الصوم ليس مسيحي النشأة ولكن يسوع المسيح “حذّر من نوع معين من الصوم والصلاة. فهو حذّر من الصوم الذي يهدف للظهور أمام الناس ودعا لصوم “في الخفاء” يراه الله ويرضى عنه. ضف الى ذلك ان للصوم كما للصلاة شروطهما فليس كل صوم صوما، ولا كل صلاة صلاة”. ويضيف بو رعد: “إذا لم يكن الصوم مقترن بالمصالحة وتنقية القلب والمسامحة فهو مرفوض”.

الصوم المسيحي: بين الواجب والخيار

في المسيحية، يعتبر الصوم “وصية من وصايا الكنيسة  تسعى من خلاله إلى التمثل بما قام به المسيح عبر صومه الأربعيني”، بحسب الأب هاني مطر، أمين سرّ الليتورجيا في الكنيسة المارونية، الذي يوضح أن “الصوم المسيحي ليس فريضة بالمعنى الصرف للكلمة بل هو حاجة تنبع عند الإنسان المؤمن. فبقدر ما أنا مؤمن ومتمسك بتعاليم المسيح بقدر ما أنا بحاجة لأن أكون في حالة التوبة، وهذه الحالة لها مظاهر عدّة أولها الصوم والصلاة والصدقة”. ويضيف: “الصوم ملزم لأنه ضمن وصايا الكنيسة لكنه أكثر من فريضة، فهو فعل إيمان نابع من الداخل، فإذا لم يخرج من الداخل لا يمكن اعتباره صوماً”.

أما الأب بو رعد فيشدد على إلزامية الصوم “لأننا عندما لا نصوم نخالف شريعة انجيلية ووصية كنسية، إلا أن الصوم ليس من أركان الدين لدى المسيحيين بل هو من أعمال العبادة، ولكنه إلزامي لكل مؤمن”.

وعن “التراخي” الحاصل في المجتمع لناحية احترام الصوم وممارسة الشعائر الدينية يقول “أن الصوم ما زال كممارسة حاضراً في وعي المسيحيين الديني في لبنان ولم يغب بشكل كامل” أما الأب مطر فيؤكد في هذا الإطار أن “سبب التراخي هو الجهل الموجود لدى المسيحيين. فالكنيسة تبذل جهداً وهي لا تتراخى إنما الناس يتراخون: فمن يذهب إلى الكنيسة اليوم؟ ومن يقرأ رسائل الباباوات والبطاركة؟ ومن يلتزم بتعاليم الكنيسة؟”. ويدعو مطر المؤمنين إلى قراءة رسالة البطريرك الماروني “الرائعة جداً… فلأول مرة لا يفسّح البطريرك الماروني هذا العام عن شيء بل يدعو الناس للصوم ويشدد على ضرورة وإلزامية الصوم”. ويردف: “خلصنا من التفسيحات” لأننا لم نعد نصوم، فإذا أراد أحدهم أن يكون مارونياً فعلاً عليه أن يلتزم بهذا الأمر”.

إذاً فإن الصوم يجب أن ينبع عن إرادة داخلية ولكنه واجب لكل مسيحي وليس اختيارياً كما اعتبره البعض في السنوات الأخيرة، إلا أن معناه لا يكتمل إلا إذا نبع من داخل الإنسان ومن رغبة حقيقية في العودة إلى الإيمان الحق وفي العودة عن الخطايا.

لماذا يصوم المسيحي؟

الملفت بحسب الأب بو رعد أن تلاميذ المسيح لم يصوموا عندما كان معهم، فسأل مرة تلاميذ يوحنا المسيحَ عن ذلك فأجابهم: هل يستطيع بنو العرس ان يصوموا ما دام العريس معهم. ولكن ستأتي ايام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون”. (متى 9/17) إذاً، حضور المسيح بين تلاميذه اوجد فرحة ما بعدها فرحة وهذه الحالة تحديدا هي ما اسماه “ملكوت الله”. ففي هذه الحالة لا مكان للصوم ولا للحزن أما عندما رَفع “العريس” عنهم، (أي في أيامنا هذه)، فالصوم ضروري. فللصوم اذا معنى مسيحيا حصريا بما هو علامة لغياب المسيح السيد. ونحن نصوم لأن المسيح ليس معنا بشكل كامل ولأن فرحتنا غير مكتملة. فالمسيح حاضر بالطبع في القربان والكنيسة لكن هذا الحضور يبقى سرياً، ليس كحضوره في الملكوت”.

الأب مطر يشدد على أن “الصوم في بدايات الكنيسة كان محطة مهمة جداً لأنها كانت تجمع الموعوظين (أي الجماعة التي تتحضر لنيل سرّ العماد)، وعند بدء الصوم، كانت تبدأ بالتنشئة لتهيئتهم لنيل المعمودية. فكانت الصلوات التي يشاركون بها تهييئية لفهم العقيدة المسيحية وكيفية ممارسة الأسرار وعيشها. ولأنه في كل عام كانت تحل ذكرى انضمامهم للجماعة المسيحية كانت الكنيسة تدعوهم للإعتراف كتجديد لإيمانهم وكتذكار لهذا الأمر من هنا أتت وصية الكنيسة بضرورة الإعتراف على الأقل مرة واحدة بالسنة قبل عيد الفصح”. وعن الإعتراف أقله مرّة في السنة في زمن الصوم الكبير يقول بو رعد أنه “بالنسبة للاهوت الكاثوليكي، فإن المسار الطبيعي للتوبة يتكلل بالإحتفال بسر التوبة وهو سرّ الإعتراف. وعندما نعلن خطايانا أمام الكاهن، ممثل الكنيسة، نكون قد وصلنا إلى المرحلة الأخيرة من التوبة. فالإنسان يتوب أمام الله أولاً، ولكن في الكنيسة لدينا بعدا كنسي أيضاً لهذه التوبة”.

إذاً، فإن التوبة هي العنصر الأساس للصوم، و”التوبة هي العودة إلى الأصل الّذي هو المسيح” بحسب مطر الذي يذكر بأن “الكنيسة المارونية كانت تصوم 300 يوم في السنة: في الصوم الكبير وأسبوع الآلام وصوم الميلاد وما يعرف بصوم نينوى الذي يسبق الصوم الكبير، والصوم الإستعدادي لعيد مار بطرس وبولس، والصوم الإستعدادي لعيد العذراء وصوم عيد الصليب…. والصوم يكون من الـ4 بعد الظهر حتى الـ3 من بعد ظهر اليوم التالي، يتم خلاله أكل وجبة واحدة، وكان يرافق ذلك الإنقطاع عن اللحوم والبياض والأجبان… فمقابل هذا الصوم يعتبر صومنا اليوم “تسلاية” ورغم ذلك “منربح حالنا جميلة” أننا نصوم ونحن لا نصوم إلا قليلا! وبعد المجمع التريدانتيني قررت الكنيسة الجامعة أن يكون الصوم من الـ12 ليلاً إلى الـ12 ظهراً وذلك عام 1564 فالتزمت الكنيسة المارونية بذلك كسائر الكنائس”.

“صوم وصلاة وصدقة” أركان ثلاث لزمن يهدف للتجدد الروحي والتوبة. وقد تكون هذه الأخيرة وليدة لحظة أو ثوانٍ لكن يجدر بمفاعيلها أن تمتد وتنعكس على كل جوانب حياة الإنسان، ومن خلاله على حياة من حوله وعلى المجتمع ككل.


No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO