روبير شعيب : الحقيقة وراء الإنجيل المنحول الذي اكتشف في تركيا 1

روبير شعيب : الحقيقة وراء الإنجيل المنحول الذي اكتشف في تركيا 1

 

تفشى في الأيام السابقة نبأ أربك الكثيرين يتحدث عن إيجاد نسخة من إنجيل في تركيا ينفي عقائد المسيحيين ويصرح بأن يسوع قد تنبأ بمجيء محمد، نبي المسلمين. نود في هذه المقالة أن ننظر عن كثب إلى هذا المخطوط، فنبحث في أصله وصحته وتأريخه. سنعتمد في بحثنا لا على دغدغة المشاعر والعواطف الدينية، ولا على النقد المتعجرف، بل على التحليل العلمي ووسائل البحث التاريخي باحثين عن الحقيقة وتائقين إليها

مخطوط خطير

سنبدأ في القسم الأول من المقالة بسرد المجريات العامة للوقائع الإخبارية للمسألة لكي يلم بها على حد سواء من سمع شيئًا ومن لم يرده الخبر بعد. كل المسألة تتعلق بنسخة من إنجيل منحول مكتوب باللغة الأرامية وقد تناقلت وسائل الإعلام العربية وبعض الوسائل الغربية، تأريخًا يقول بأنه يعود إلى 1500 سنة، أي نحو العام 500 بعد المسيح، وبالتالي قبل مولد محمد. يزعم ذلك الإنجيل أن يسوع يتنبأ عن مولد محمد من بعده حيث يقول جوابًا لسائل عمن سيخلفه: “محمد هو اسمه المبارك، من سلالة إسماعيل أبي العرب“.
النص قد وجدته السلطات التركية في عام 2000 وقد حُفظ حتى عام 2010 حيث تم تسليمه لمتحف الإثنوغرافيا في أنقرة ليتم عرضه بعد القيام بعملية ترميم.
المشكلة الأولى هي التالية: إذا كان تأريخ النص دقيقًا، أي قبل مجيء محمد، فهذا قد يعني أن النص صادق وأنه ليس تركيبة لاحقة أضافها كاتب جاء بعد الإسلام. ولذا السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: ما هو تاريخ هذا النص؟ سنجيب على هذا السؤال لاحقًا… أما الآن فلنتابع التبحر لنرى عمق المسألة وتشعبها.
المشكلة الثانية هي أن النص ينفي مختلف عقائد المسيحيين: الثالوث الأقدس، ألوهية المسيح، صلبه… بكلمة، النص يطابق أكثر نظرة القرآن للمسيح منه نظرة المسيحية والأناجيل القانونية ورسائل بولس، بطرس، يوحنا وسفر الرؤيا. وعليه السؤال الثاني الذي يطرح نفسه هو التالي: هل نعرف ما هو نص هذا الإنجيل المنحول؟ من هو كاتبه؟ ما هي نواياه؟ وهذه مسألة ثانية سنجيب عليها لاحقًا.
المسألة الثالثة، وأسميها عمدًا مسألة لأنها ليست مشكلة حقيقية بل نتيجة لتبادل الصحفيين الأخبار ونقلهم لها دون معيار ودون التعمق بمعنى المسائل ودون البحث الذي يجب أن يرافق العمل الصحافي خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمسائل جدية وحساسة. للأسف الكثير من الصحفيين يبحثون أكثر عن الأخبار الغريبة والسبق الصحفي على حساب الحقيقة والوقائع فتأتي أخبارهم بل نتيجة لجهل مدقع (وكم هناك من الجهل في وسائل الإعلام!) أو لسوء نية وموقف معادٍ للكنيسة وللفاتيكان. والمسألة ببساطة هي: تواردت أخبار عن أن البابا بندكتس السادس عشر يريد الاطلاع على المخطوط، ولذا راح البعض إلى استنتاج خلاصات بخسة: الكنيسة خائفة من هذا الإنجيل ولطالما سعت إلى إخفائه لكي لا يهبط مبنى العقائد المسيحية.
أرجوكم أعيدوا النظر في هذه الجملة لتروا بأمة أعينكم التناقض الظاهر: فإذا كانت الكنيسة تعرف بهذا المخطوط وقد أخفته، لما طلب البابا النظر فيه (لأنه المنطق البدائي يقول لنا أنه إذا كان الأمر كذلك فالبابا يعرف مكنون هذا المخطوط وليس بحاجة للإطلاع عليه!!). على هذه المسألة الثالثة أجيب سريعًا لكي نهتم بشؤون أكبر: إذا سلمنا جدلاً بأن الفاتيكان قد طلب الاطلاع على المخطوط فهو من ناحية الرغبة العلمية ورغبة البحث والدراسة التي تميز علماء الدين واللاهوت الكاثوليك والمسيحيين. المسيحيون لا يخافون من دراسة أي مخطوط. هذا ما تم مع مخطوطات قمران، ناج حمادي، آلاف الأناجيل المنحولة، وما سوى ذلك. ولذا، فلنشكر الرب بالحري لأن كنيستنا منفتحة على العلوم والأبحاث وليست منغلقة خائفة في دياجير الجهل، التحريف والتخريف.

مَن نَسَخ المخطوط؟

النص مكتوب بأحرف مذهبة على جلد. الصفحة الأولى من المخطوط تتضمن كتابة بالأرامية ورسم صليب. أما ترجمة الكتابة على الصفحة الأولى فهي التالية: “باسم ربنا، هذا الكتاب قد نُسِخ على يد رهبان دير نينوى العالي في سنة 1500 لربنا”.
وقد نشر باحثان أشوريان دراسة النص الظاهر في الصفحة الأولى فوجدا فيه العديد من الأخطاء التي تشكل حافزًا نقديًا علميًا للشك بنسبة المخطوط، لأنها أخطاء عديدة ولا يمكن أن يرتكب الرهبان السريان أخطاءً من هذا النوع. علمًا بأن نينوى هي عاصمة أشورية قديمة وتقوم بالقرب من الموصل.
الأخطاء الواضحة:
— “باسم ربنا“: الكلمة الأولى (والمكتوب يُقرأ من عنوانه!!) فيها خطأ كتابة: “بِشمِت مَرَن” كان يجب أن تكون “باشم دْمَرَن“. والسؤال: هل كان الكاتب يجيد الأشورية؟
والكلمة نفسها تتضمن خطأً آخر: فكلمة “اشما” تبدأ بحرف ساكن، ولذا عندما يضاف إليها “ب” يجب لفظها بهذا الشكل :بَاشما دمرن“.

— “على يد“: خطأ مشابه يظهر في “عال إيداتِ“، بينما الكتابة الصحيحة يجب أن تكون: بِايداتا. (لاحظوا التشابه مع اللغة العربية… التي تجعلنا نفكر بأن الكاتب بالحقيقة ليس سريانًا أو أشوريًا أو كلدانيًا بل بالحري عربيًا).

— “الكتاب“: الخطأ الثالث الذي يخون أصل الناسخ العربي هو التالي: الرهبان لم يسموا أبدًا كتابنا المقدس “كتابا” وحسب، بل دومًا “كتابا قديشا” لكي يميزوه عن سائر الكتب. لعل الكاتب والناسخ، نظرًا لثقافته الإسلامية كتب سهوًا التسمية التي يطلقها المسلمون على كتاب المسيحيين وعلى المسيحيين: الكتاب وأهل الكتاب؟
إذًا، بالمختصر المفيد، كل هذه الأخطاء تنفي النقطة الأولى من نسبة النص. من غير الممكن أن يكون الناسخون رهبانًا أشوريون. ولكن هناك أمور أخرى تحملنا علميًا على الشك بتأريخ النص.

إلى أي عام يعود النص؟

يلاحظ الباحثان الأشوريان أن الصفحة الأولى من الكتاب هي في الأشورية الحديثة والتي أضحت معتمدة بعد عام 1840. فالكتاب المقدس الأول بالأشورية الحديثة ظهر في عام 1848. فكيف لناسخ عاش في القرن الخامس عشر أن يعتمد لغة حديثة؟ كان بالحري به أن يكتب بالأشورية الكلاسيكية.
كما ويتابع الباحثان تحليل الصفحة الأولى من الكتاب بالقول: إن الصفحة الأولى من الكتاب تقول صراحة أنه المخطوط قد نُسخ في عام 1500. وهنا نشأ لغط كبير في وسائل الإعلام التي بدل أن تقول أنه يعود إلى العام 1500، صرحت أن النص يعود إلى 1500 سنة أي إلى العام 500 بعد المسيح… فلنسلّم جدلاً بأن التأريخ صحيح أي أن النص يعود إلى عام 1500. فهل من أمر عجائبي إذا أضاف شخصٌ ما معتقداته الشخصية على كتاب وجعله يقول ما لم يقله في نسخاته الأولى؟ ليس لدينا أية ضمانة على أصالة النص وأمانة النسخ. فالمخطوط يعود إلى 870 سنة بعد نشأة الإسلام. بكلمات أبسط: حتى لو كان الكتاب منسوخًا عن مخطوط يعود إلى القرن الخامس، لا بل حتى لو كان المخطوط الأصلي يعود إلى القرن الأول، ما لدينا الآن للبحث العلمي هو نص يعود إلى القرن الخامس عشر، أي بعد قرون عديدة من الفتح الإسلامي. في هذه الفترة الزمنية الطويلة جدًا يمكن للنساخ أن يكونوا قد أضافوا وبدلوا وأعادوا صياغة ما شاؤوا من النص. أود أن أذكّر هنا بنسخ كثير من كتب الفلاسفة اليونان التي كان الرهبان السريان ينقلونها فكان أفلاطون يخرج من بين يديهم لابسًا عباءة راهب سرياني. والترجمات التي كان يقوم بها العرب كان تُخرج أفلاطون لابسًا عمامة شيخ أو إمام. وعليه، إنه لخطأ علمي فادح أن نسلّم بصدق وحياد النساخ والمترجمين خصوصًا في الأزمنة الماضية

ولكن جوابنا لم ينته هنا، في مقالة ثانية سنتحدث عن بعض الأخطاء الفادحة الواردة في النص والتي تسربت عبر بعض وسائل الإعلام التركية… كما وسنتحدث لاحقًا عن إنجيل منحول آخر يقوم بتصاريح مشابهة. وسنجيب بالتالي على الأسئلة التالية: ما هو هذا الإنجيل؟ ما هي قيمته؟ إلى أي قرن يعود؟ هل صحيح أن الكنيسة أرادت إخفاؤه عن الناس؟

(يتبع)
نقلاً عن وكالة زينيت

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO