الحقيقة وراء الإنجيل المنحول الذي اكتشف في تركيا 2

الحقيقة وراء الإنجيل المنحول الذي اكتشف في تركيا 2

بقلم روبير شعيب

الفاتيكان، الجمعة 9 مارس 2012 (ZENIT.org)

 لقد تحدثنا في القسم الأول من المقالة عن تأريخ المخطوط الذي وُجد في تركيا (فرأينا أنه يعود إلى العام 1500 بحسب التاريخ المكتوب على صفحته الأولى) وعن الأخطاء اللغوية التي جعلتنا نشك نقديًا بهوية ناسخيه (الذين لا يمكن أن يكونوا رهبانًا أشوريين، نظرًا للأغلاط الكثيرة الواردة في الصفحة الأولى). علمًا بأن المخطوط لم يتم عرضه بعض على العموم للدراسة والبحث إلا أن هناك تصاريح عن مضمونه من قبل السلطات التركية تمكننا من ربطه بإنجيل منحول يعرف باسم “إنجيل برنابا”. فعلى الأرجح ما هذا النص إلا نسخة من إنجيل برنابا المنحول الذي يزعم كاتبه أن يسوع تنبأ عن رسول المسلمين ليس. فما هو هذا الإنجيل وما هي قصته؟

نظرة إلى تناقضات إنجيل برنابا

لن نقدم شرحًا تفصيلًا عن إنجيل برنابا، فهناك العديد من النسخ التي يمكن مراجعتها بسهولة على شبكة الانترنت (وكلا… الكنيسة لا تسعى إلى إخفاء نسخه كما يزعم البعض زورًا). ما يهمنا هنا هو أن ننظر في تناقضاته الكثيرة. ولذا قبل أن نتقدم بمقاربة علمية لتأريخ الإنجيل، سنتوقف للحظة على مكنون إنجيل برنابا مستعرضين بشكل خاص المعطيات المغلوطة. يصرح الكاتب معرفًا عن نفسه بأنه برنابا أحد الرسل الاثني عشر، ويعدد الرسل مخليًّا اسم “توما” الرسول. فيقدم لنا تناقضًا أولاً لأن كل الوثائق الأخرى والمخطوطات تبين لنا أن برنابا كان معاونًا للقديس بولس وقد عاون الرسول بولس في رحلاته التبشيرية وبالتالي بعد موت يسوع وقيامته (وبعد ارتداد بولس) يصرح يسوع في هذا الإنجيل أنه ولد في زمن بيلاطس البنطي، والذي يبدأ تاريخيًا في العام 26 بعد المسيح! وبهذا يناقض مختلف التواريخ التي يمكننا أن نستنتجها من المخطوطات الأخرى ومن رسائل القديس بولس

– المؤلف يجهل أن “المسيح” هو مرادف لـ “كريستوس” ولذا من ناحية يسمي يسوع “يسوع كريستوس” ولكنه ينفي أنه المسيح – “مسيا” (الفصل 42)!!! (فليُسمح لي بالنكتة: حبل الكذب قصير، حبل الجهل أقصر!). يخلط المؤلف بين يسوع ويوحنا المعمدان فيضع على لسان يسوع الكلمات التي تُقال عن يوحنا المعمدان… في الفصل الثاني والأربعين يُسأل يسوع عما إذا كان المسيح، فينفي. يُسأل إذا كان أحد الأنبياء القدامي فينفي. فيقول له سائلوه: “من أنت؟ قل لنا لكي نحمل شهادة لمن أرسلنا” فيرد يسوع: “أنا صوت صارخ في كل اليهودية: ’أعدوا الطريق لرسول الله‘”. كما ويضع كلمات أخرى ليوحنا على لسان يسوع، فيجعله يقول “أنه ليس أهلاً ليحل ربط حذاء رسول الله”. ينفي النص كل ما يقوله العهد القديم عن عهد الله مع إبراهيم بأن يعطيه نسلاً من ابنه اسحق ويصرح أن وعد الله يتحقق في نسل اسماعيل

– ويضع المؤلف على لسان يسوع اعترافًا بمحمد نبي المسلمين حيث يقول أنه شاء أن يرى يوم النبي المحمد فرآه وتهلل (وهذا تحريف لما يقوله يسوع عن ابراهيم في الفصل الثامن من إنجيل يوحنا، 8، 51). ويجعل يسوع يقول: “آه، يا محمد، الرب معك، وليجعلني أهلاً أن أحل سيور حذاءك، لأني إذا فعلت ذلك سأضحي نبيًا وصفيًا لله”. يتحدث النص عن اليوبيل فيقول أنه يحدث كل مائة عام فيناقض سفر اللاويين (الفصل 25). هذا المفهوم لليوبيل يخون تأريخ الكتاب المتأخر. ففقط بعد عام 1300، في عهد البابا بونيفاسيوس الثامن، تم تقرير الاحتفال باليوبيل كل مائة عام. علمًا بأنه تم الرجوع للاحتفال كل 50 عامًا من البابا أكليمنضوس السادس (في عام 1343).

– تخون مقاطع عدة جهل المؤلف لجغرافية الأراضي المقدسة، فتبين أنه لا يمكن أن يكون الرسول برنابا. لا بل لا يمكن أن يكون مؤلفًا مر بالأراضي المقدسة. آدم وحواء (في الفصل الأربعين) يأكلون تفاحة. وهذا المفهوم يعود إلى الترجمة اللاتينية لسفر التكوين حيث لعب القديس أغسطينوس على التشابه بين كلمة “شر” وتفاحة” باللاتينية (malum). وعليه المؤلف يخون زمانه من خلال إشارة إلى مفهوم شاع في العصور التالية. يُظهر المؤلف في حديثه أنه يعرف فكر الشاعر الإيطالي “دانتي أليغييري” (1261 – 1321) وذلك لأنه يستعين بتصاويره في وصف الكثير من الحقائق الأخيريةفي الفصل الحادي والتسعين من الإنجيل المنحول يتحدث المؤلف عن “زمن الصوم الأربعيني” وهو زمن حدده المسيحيون في القرن الرابع بعد المسيح (وبالتحديد في مجمع نيقيا الأول، عام 325) وليس لهذا الأمر مقابل مماثل في التقليد العبري.

– الاستشهادات الآتية من العهد القديم لا ترتكز على النص العبري أو النص اليوناني بل على الترجمة “العامية” اللاتينية فولغاتا

– Vulgata

وهي الترجمة التي قام بها القديس هيرونموس وأنهاها بعد 15 عامًا من العمل في العام 405!

– هناك أيضًا أخطاء تاريخية فادحة. ففي الفصل الحادي والتسعين يتحدث المؤلف عن 600000 جندي روماني في اليهودية، رغم أن الوقائع التاريخية تقول لنا أن عدد كل الجيش الروماني في ذلك الزمان لم يكن يزيد على 300000 عنصر! وبالحديث عن الجيوش يزعم المؤلف بأنه كانت هناك ثلاثة جيوش في زمن يسوع بفلسطين القديمة، في كل منها 200 ألف جندي، علمًا انه لم يكن عدد سكان فلسطين كلها 200 ألف نسمة منذ 2000 عام، اضافة إلى أن الرومان كانوا يحتلونها ولذا كان مستحيلاً أن يكون فيها جيش نظامي إلا الجيش الروماني.

ما هذه التناقضات إلا بعض من كثير مما يتضمنه هذا الإنجيل المنحول. والمثير للاهتمام أن هذه التناقضات لا ترتبط فقط بالعهد القديم أو العهد الجديد أو جغرافيا وتاريخ زمان يسوع: المثير للاهتمام حقًا هو أنه يخالف وجهة نظر القرآن. الأمر الذي حدا ببحاثة مسلمين إلى رفضه ككتاب منحول وغير أصلي. سنستعرض في ما يلي رأي كاتب مسلم

إنجيل برنابا المنحول يناقض القرآن أيضًا

أشهر المشككين بإنجيل برنابا وأصالته كان الكاتب المصري الراحل، عباس محمود العقاد، فقد كتب في جريدة “الأخبار” عدد 26 أكتوبر 1959 موضوعا عنه لخص تناقضاته بإيجاز حاسم

وأهم ما كتبه العقاد، بحسب ما أورد موقع العربية.نت: “ان وصف الجحيم في انجيل برنابا يستند الى معلومات متأخرة لم تكن شائعة بين اليهود والمسيحيين في عصر الميلاد، وان بعض العبارات الواردة به قد تسربت الى القارة الأوربية نقلاً عن المصادر العربية”. وزاد العقاد وكتب: “ليس من المألوف أن يكون السيد المسيح قد أعلن البشارة أمام الألوف باسم محمد رسول اللّه”. وأضاف أيضا أن أخطاء تكررت في هذا المؤلف المنحول “لا يجهلها اليهودي المطلع على كتب قومه، ولا يرددها المسيحي المؤمن بالأناجيل المعتمدة من الكنيسة، ولا يتورط فيها المسلم الذي يفهم ما في إنجيل برنابا من المناقضة بينه وبين نصوص القرآن”. ومن السهل قراءة تناقضات “انجيل برنابا” مع القرآن فنراه يذكر مثلا أن هناك تسع سموات (بدل السبع) وعاشرها الفردوس

كما يزعم – بحسب ما أفاد الموقع عينه – أن مريم العذراء ولدت المسيح من دون ألم، بينما يروي القرآن أنها شعرت بالمخاض الذي ترافقه الآلام هذا ويعتبر الكتاب محمد “مسيحًا” إلا أن الإسلام والقرآن لم يقل أبدًا أن محمد هو المسيح

بعد أن دحضنا (وسخرنا!) من مكنون هذا الكتاب، سنتحدث في القسم المقبل من المقالة عن تأريخ هذا النص بحسب علماء التاريخ

(يتبع)

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO